الانقسام الفلسطيني بنية... وليس حدثا عارضا

الانقسام الفلسطيني بنية... وليس حدثا عارضا

استمع إلى المقال دقيقة

في التاسع والعشرين من الشهر الفائت وجهت قيادات في حركة "فتح" رسالة للقيادات الفلسطينية تضمنت رؤيتها لمرحلة ما بعد الحرب، داعية إلى مراجعة التجربة السياسية الفلسطينية، وإقامة عقد وطني جديد يقوم على الشراكة والتعددية والانتخابات وسيادة القانون.

وواقع الحال أنني أدرك أن للفلسطينيين قراءاتهم المختلفة لمضامين ما طرحه تحديدا القيادي في فتح محمد دحلان، غير أني نظرت للخطاب من زاوية أخرى غير مُنغمسة في تداعيات الخلاف التي أشار إليها في كثير من بنود رسالته، وأجزم أن كثيرا من العرب معي في حيادية النظرة والفهم لسياقات المسألة الفلسطينية وتداعياتها السياسية والأمنية حتى اللحظة، والتي لم تخدم القضية على مدار عمرها الممتد لأكثر من سبعة عقود.

وحتما أن أكبر إشكالاتها راجع إلى حدة الانقسام البيني التي صبغت المسيرة الفلسطينية وصولا إلى اليوم، حيث كان واضحا طغيان الأنا لدى البعض على المنفعة خلال مسيرة النضال الفلسطيني، وهو ما يشير إليه حجم الانشقاقات التنظيمية منذ عقد الستينات الميلادي، ومقدار الخلاف في الرؤى والتوجهات بين كثير من السياسيين الفلسطينيين سواء في قطاع الضفة الغربية أو غزة المنكوبة التي تباينت فيها توجهات حركة "حماس" مؤخرا بين فريقين متباينين تقريبا، حيث أفرزت الانتخابات التكميلية لحركة "حماس" فوز خليل الحية على خالد مشعل بفارق صوت واحد، وكنت أظن أن الكارثة الإنسانية ستجعل من قيادات "حماس" جبهة سياسية واحدة قادرة على التعاطي مع القرارات الدولية التي من شأنها إنهاء أعمال القتل والتدمير الجارية في غزة إلى الآن.

في هذا السياق، فقد عاش الفلسطينيون خلافا ممتدا بين "فتح" و"حماس" أثمر عن أربعة عشر اتفاقا، ابتداءً بـ"إعلان القاهرة" في مارس/آذار 2005، ثم وثيقة الوفاق الوطني للأسرى في يونيو/حزيران 2006، ثم "اتفاق مكة" في 8 فبراير/شباط 2007 برعاية الملك عبد الله بن عبد العزيز، مرورا بـ"إعلان صنعاء"، و"إعلان الدوحة"، وصولا إلى "تفاهمات إسطنبول"، و"إعلان الجزائر"، وأخيرا "إعلان بكين" في 23 يوليو/تموز 2024 الهادف إلى إنهاء الانقسام وتشكيل حكومة توافق وطني.

هذا نموذج لحالة الشتات في البناء السياسي لدى القيادات الفلسطينية بين أكبر فصيلين اليوم، وهو ما يجعلني كعربي أقف عاجزا عن فهم سبب هذا التباين في مجتمع يعيش ضراوة الاحتلال، وقسوة التمييز العنصري، وإنكار أبسط الحقوق الإنسانية، وشدة القمع والتنكيل دون تفريق بين أحد منهم. مع الإشارة إلى أن ما ذكرته لم يكن حكرا على الفصيلين الحاضرين اليوم في المشهد، بل يكاد يكون سمة فلسطينية منذ الابتداء، حيث انقسم الفلسطينيون إلى قرابة عشرين تنظيما رئيسا، توزعت بين عدد من العناوين الكبرى كالحركة الوطنية الفلسطينية، واليسار الفلسطيني، والإسلام السياسي والمقاومة الإسلامية، والتنظيمات القومية.

هذا نموذج لحالة الشتات في البناء السياسي لدى القيادات الفلسطينية بين أكبر فصيلين اليوم، وهو ما يجعلني كعربي أقف عاجزا عن فهم سبب هذا التباين في مجتمع يعيش ضراوة الاحتلال، وقسوة التمييز العنصري، وإنكار أبسط الحقوق الإنسانية، وشدة القمع والتنكيل دون تفريق بين أحد منهم


أعود إلى رسالة محمد دحلان والمولود في خان يونس بقطاع غزة، لأتوقف عند بعض مضامينها بعقل عربي لا فلسطيني، حيث استأنستُ في بدايتها حال استشعار الكاتب حجم المسؤولية الكبرى جراء ما يعيشه الفلسطينيون من تنكيل وإبادة بسبب ما أصاب غزة وما تواجهه الضفة من أخطار، وما لحق بالمؤسسات الوطنية من انهيارٍ وضعفٍ وتفكك، وكل ذلك بحسب قوله، يفرض مراجعةً صادقةً وشجاعة، لا لمحاكمة الماضي أو تصفية الحسابات، بل لفهم ما حدث، واستخلاص دروسه، ومنع تكراره، وبالتالي- والكلام لا يزال له- لم يعد السؤال الأهم: من كان على حق ومن أخطأ؟ بل: كيف نحمي شعبنا وقضيتنا وننقذ أهلنا في غزة، ونحمي شعبنا وأرضنا في الضفة والقدس؟

هذه البداية أشعرتني بأن الخطاب سيتوجه إلى إعادة التفكير في الواقع من حيث هو مرتكز على الاحتلال، بمعنى ألا إرادة سياسية قائمة، أو كينونة حزبية حاضرة، في ظل بقاء فلسطين تحت وطأة الاحتلال، ورفض دولة إسرائيل الاعتراف بأي طريق للتسوية السلمية وفق المبادرة العربية للسلام التي أقرت "حل الدولتين"، لكنه أخذني كعربي بعدها إلى مناقشة حيثيات تفصيلية لا تتوافق مع أجواء الاحتلال، بل وأخذ يتساءل في رسالته عن أي نظامٍ سياسيٍ يريد هو وكافة السياسيين أن ينشئوه للأجيال القادمة؟

حقا ما أعجب ما يريده! ولعمري فذلك هو أساس الإشكال في الذهن السياسي الفلسطيني، إذ كيف يفكر السياسي في طبيعة وشكل وهوية النظام السياسي قبل أن تتحقق الدولة بكامل حقوقها القانونية، وكنت أتصور بأنه سيقترح آلية تدعم الزخم الشعبي العالمي الذي حصدته القضية، وتحرك "إعلان نيويورك" الذي عملت على تحقيقه السعودية بالشراكة مع جمهورية فرنسا، والذي قضى باعتراف قرابة 159 دولة بفلسطين كدولة وليس سلطة منقوصة الحقوق.

هذه هي البداية اليوم التي أؤمن بها كمواطن عربي للضغط على الولايات المتحدة للاعتراف بفلسطين دولة شرعية، وبالتالي الضغط على إسرائيل لإقرار ذلك. في حينه يمكن التفكير بمختلف الأطر والتوجهات السياسية التي يقترع عليها الشارع الفلسطيني لاختيار نظامه السياسي الذي يرغب به.

في سياق متصل، أشار دحلان إلى أن الاقتتال الداخلي جريمة وطنية، وأكد على رفض سياسة الإلغاء، وأنه لا غالب ولا مغلوب في الوطن، وأن الفلسطينيين بحاجة إلى عقد وطني اجتماعي جديد وفق بنوده التي ذكرها، ولا يختلف معه أحد فيها فلسطينيا وعربيا، وأجدها فرصة لأؤكد على أهمية أن يرفع الفلسطينيون كل أوجه الخلاف السياسي بينهم، وأن يتوحدوا في سبيل دعم التأييد الشعبي الذي حصدوه بدماء الضعفاء والمدنيين في غزة، فكان أن التهب الشارع العالمي، وتحركت الجموع الغفيرة في أوروبا والولايات المتحدة انتصارا للحق الفلسطيني، وأؤمن بأن ذلك هو المفتاح الحقيقي لاستعادة حرية الشعب الفلسطيني وكيانهم القانوني دوليا، وبالتالي ممارسة حياتهم السياسية والنيابية دستوريا بعد ذلك. فهل إلى ذلك سبيل؟

font change