هل يستعيد نبيل فهمي حيوية الجامعة العربية؟

هل يستعيد نبيل فهمي حيوية الجامعة العربية؟

مع مطلع يوليو/تموز 2026 ابتدأ وزير الخارجية المصري الأسبق الدكتور نبيل فهمي ولايته الأولى للأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وبذلك يكون الأمين العام التاسع للجامعة، والثامن من جمهورية مصر، مع الإشارة إلى أن ميثاق الجامعة قد نص حال تأسيسها عام 1945 على أن يكون الأمين العام من دولة المقر، والاستثناء الوحيد في تاريخها تم في الفترة من عام 1979 إلى 1990 جراء انتقال الأمانة إلى تونس بسبب توقيع مصر لمعاهدة السلام مع إسرائيل، وخلالها تولى منصب الأمين العام وزير الثقافة والإعلام التونسي الأسبق الشاذلي القليبي.

وقد هدفت الجامعة منذ تأسيسها إلى تعزيز التكامل السياسي والاقتصادي والثقافي والأمني بين الدول الأعضاء، وحرصت على إنشاء مختلف الهياكل والمؤسسات الراعية لذلك كما هو الحال مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية والذي يتفرع منه مجالس كثيرة، ناهيك عن التأكيد على أهمية تعزيز وثيقة الدفاع المشترك بين الدول الأعضاء، إلى غير ذلك من العناوين البراقة التي لم يتماس معها الإنسان العربي واقعا طوال ثمانية عقود، بل وبات أغلبها عناوين مظهرية يجري ذكرها في وسائل الإعلام، أو ثغرات يستفيد من خدماتها زمرة من المهووسين بالألقاب هنا وهناك.

أمام ذلك يبرز استفهام وجودي في ذهن الشارع العربي وهو: هل بقي للجامعة أي وجود في ظل تزايد عجزها عن متابعة ما يجري والتدخل بإيجابية في كثير من القضايا العربية؟ وهل تتفق بوصفها منظمة قومية مع متغيرات الواقع الإقليمي في القرن الواحد والعشرين؟ وأخيرا، هل وقعت الجامعة ضحية ميثاقها الفضفاض ومحدودية صلاحيات أمينها العام جراء درجته الوظيفية، حيث تنص المادة (12) على أن يكون الأمين العام في درجة سـفير، والأمنـاء المساعدون في درجة وزراء مفوضين، وهو ما عملت دولة المقر على تجاوزه بروتوكولياً بترشيح وزراء سابقين للخارجية لتولي منصب الأمين العام، ولكن بصلاحيات سفير وفق ما ينص عليه الميثاق، وحتما فذلك كان ولا يزال أحد مثبطات الأمانة العامة طيلة عمرها الوجودي.

في هذا السياق تأتي ولاية الوزير فهمي محملة بكثير من الإخفاقات وكثير من التحديات، فإشكال الجامعة العربية ليس نابعا من تضاد أعضائها وحسب، وإنما من سلبية أمنائها العامين الذين آثروا الالتزام بما يقرره الكتاب دون بذل الجهد للخروج عن صفحاته المقررة، رُكونا إلى الاسترخاء، واكتفاءً ببيانات مدبجة بأفضل العبارات وأجزلها.

ولن أذهب بعيدا للتدليل على ما أشير له، إذ يؤكد ما عشناه مؤخرا جانبا مما ذكرت، فحين تعرضت دول مجلس التعاون الخليجي لاعتداء سافر من قبل إيران وبعض أذرعها في جنوب العراق، لم تكلف الأمانة العامة للجامعة العربية نفسها بأكثر مما اعتادت عليه وهو رسم البيانات وحسب، في حين كان ينتظر الشارع العربي الخليجي موقفا أكثر تفاعلا مما سبق، كأن يُشكل الأمين العام الأسبق أحمد أبو الغيط خلية أزمة مكونة من عدد من وزراء الخارجية لبعض الدول العربية من غير دول مجلس التعاون، لتقوم بزيارة إيران وعدد من دول العالم وبخاصة الصين وروسيا، بوصفها جبهة ضغط داعمة للموقف الخليجي، محذرة من تفاقم الوضع على الصعيد الإقليمي، ومهددة بمواقف عربية جادة، إلى غير ذلك من الأفعال التي تجعل إيران تدرك أنها بتعديها هذا تكون قد تعدت على أمة عربية بأكملها، وفي ذلك خسران مبين.

هل يتمكن الوزير نبيل فهمي بخلفيته الدبلوماسية وإرثه السياسي من تحرير الأمانة العامة من أسوارها المفروضة عليها، ويخرج بها من قيد الرتابة إلى فضاء الحركة


هكذا إجراء لا يستلزم مادة صريحة تدعمه، وإنما تستلزم شخصية مستقلة مبادرة تضيق ذرعا بالخطوط المرسومة لها، فتعمل على توسيع نطاقها بقدر استطاعتها، وبما لا يُخالف الروح التي من أجلها أسس الزعماء العرب جامعتهم الوحدوية. فهل يتمكن الوزير نبيل فهمي بخلفيته الدبلوماسية وإرثه السياسي من تحرير الأمانة العامة من أسوارها المفروضة عليها، ويخرج بها من قيد الرتابة إلى فضاء الحركة، لاسيما وأن مساحة الانتماء للجامعة على الصعيد الشعبي والرسمي قد أخذت في التلاشي في ظل تنامي المحاور الإقليمية بعيدا عن الصفة القومية، وبخاصة أن مختلف المشاريع القومية العربية كالناصرية والبعثية قد فشلت خلال القرن العشرين، بل وأدت إلى مزيد من التشظي والتفرقة في ثنايا وجداننا العربي.

في مقابل ذلك ومع نهاية العشرية الثانية من القرن الحالي بدأ مشروع سعودي تنموي يستهدف الانتقال بالعالم العربي والشرق الأوسط إلى مصاف الدول المتقدمة، ودون أن يتحزب سياسيا أو عرقيا أو دينيا، وهو ما يشكل علامة فارقة من جهة، وخطرا يتهدد كل القوى التي تريد أن نبقى كعرب وإقليم على حالنا من التراجع والفرقة. ورجائي كمواطن عربي أن يجد المشروع السعودي دعما وتبنيا كاملا من الأمانة العامة للجامعة العربية في عهدها الجديد، حتى تستعيد حيويتها وتخرج من مواتها المحقق، فهل إلى ذلك سبيل؟

font change