محادثات سوريا وإسرائيل عالقة في إدارة الأضرار

محادثات سوريا وإسرائيل عالقة في إدارة الأضرار

استمع إلى المقال دقيقة

كان الاجتماع السوري-الإسرائيلي الرفيع المستوى الذي عقد الأحد في عمّان بوساطة أميركية محاولة عاجلة لاحتواء الأضرار. وقد جاء بعد أيام من الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور الجوية، بهدف وقف أي عمليات عسكرية إضافية، ومنع امتداد التوتر بين إسرائيل وتركيا إلى الأراضي السورية، وإحياء المفاوضات الرامية إلى التوصل لاتفاق أمني.

لكن الضربة كشفت مواطن الضعف في قنوات الاتصال الدبلوماسي القائمة. فقد أمضت دمشق وتل أبيب وواشنطن الأيام السابقة في اتصالات مكثفة سعيا إلى حل الخلاف ومنع التصعيد، ومع ذلك مضت إسرائيل في تنفيذ الهجوم. وبذلك برزت المشكلة الحقيقية في غياب قيود فعالة على العمليات الإسرائيلية داخل سوريا، أكثر مما تكمن في نقص التواصل بين الأطراف.

وفي المرحلة الراهنة، تبدو الدبلوماسية التي ترعاها الولايات المتحدة أكثر قدرة على احتواء تداعيات الضربات الإسرائيلية من قدرتها على إرساء أمن مستدام. وقد يظل تحقيق اختراق مرهونا بنتائج الانتخابات الإسرائيلية، وما إذا كانت ستفضي إلى حكومة مستعدة لتوقيع اتفاق أمني ملزم والتقيد به.

تواصل بلا قيود

كشفت ضربة 18 أغسطس/آب حدود النفوذ الأميركي. فقد قالت إسرائيل إنها استهدفت أبو الظهور لمنع تركيا من نشر قوات وأنظمة عسكرية متقدمة في القاعدة. وادعى مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن دمشق كانت على وشك خرق "الوضع الأمني القائم" المتفق عليه، رغم التحذيرات الإسرائيلية المتكررة.

ونفت سوريا وتركيا وجود أي خطة لنشر قوات تركية بصورة دائمة. وفي الأيام التي سبقت الضربة، أفادت تقارير بأن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أجرى اتصالات مع رئيس الموساد رومان غوفمان والمبعوث الأميركي توم باراك.

قاعدة أبو الظهور تقع على مسافة نحو سبعين كيلومترا من الحدود التركية، ومع ذلك لم تتلق أنقرة أي تحذير مسبق

وأوضح الشيباني أن أعمال إصلاح مدارج القاعدة مخصصة لسلاح الجو السوري ولا تشكل تهديدا لإسرائيل. وقال باراك لاحقا إن الاستخبارات الأميركية لم تؤكد التقييم الإسرائيلي. ومع ذلك، نفذت إسرائيل الهجوم قبل أن تأخذ الجهود الدبلوماسية مداها. وألحقت ثماني ضربات أضرارا بمدارج القاعدة ومنشآت التخزين فيها من دون تسجيل إصابات.

غير أن الضربات أوجدت تحديدا نوع الخطر الذي كان يفترض بقنوات منع الاحتكاك أن تحول دونه. فقاعدة أبو الظهور تقع على مسافة نحو سبعين كيلومترا من الحدود التركية، ومع ذلك لم تتلق أنقرة أي تحذير مسبق. وقال باراك إن تركيا رصدت طائرات إسرائيلية تتجه شمالا من دون أن تعرف وجهتها، وكان من الطبيعي أن تستعد للرد. وقد جرى تفادي المواجهة بفضل ضبط النفس في اللحظات الأخيرة، وليس بفضل منظومة أثبتت فاعليتها.

نموذجان أمنيان متعارضان

يكشف اختلال ميزان القوة التفاوضية واتساع الفجوة بين موقفي الطرفين خلافا أعمق حول الغاية من المفاوضات. فسوريا تريد من إسرائيل وقف ضرباتها واعتقالاتها وتوغلاتها، والانسحاب إلى المواقع التي كانت تتمركز فيها قبل سقوط الأسد، وإعادة العمل باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وتتمسك دمشق أيضا بحقها السيادي في إعادة بناء قواتها المسلحة واختيار تحالفاتها، بما في ذلك شراكتها العسكرية مع تركيا. أما إسرائيل، فتسعى إلى ترتيبات أمنية تضمن لها حرية العمل في الأجواء السورية، ولم تبد استعدادا يذكر للانسحاب من الأراضي التي سيطرت عليها بعد ديسمبر/كانون الأول 2024.

ومن هنا، تتجاوز الفجوة بين الطرفين المسائل الفنية. فدمشق تنظر إلى الاتفاق الأمني باعتباره طريقا إلى استعادة السيادة السورية، فيما تسعى إسرائيل إلى ترتيبات تفرض قيودا على سوريا مع احتفاظها بحرية الحركة.

ولا تستطيع المحادثات الدبلوماسية وحدها ردم هذه الهوة. فذلك يتطلب التزامات متبادلة، وتبعات قابلة للتنفيذ في حال وقوع انتهاكات، وضامنا يملك الإرادة والقدرة على إلزام الطرفين بما يتم الاتفاق عليه.

في انتظار التصويت الإسرائيلي

حتى الآن، لم تبد الولايات المتحدة استعدادا لاستخدام نفوذها لفرض قيود ذات مغزى على إسرائيل. فقد أعادت واشنطن الطرفين إلى طاولة المفاوضات، لكنها لم تنجح في تحويل وساطتها إلى اتفاق ملزم. وسلط الشيباني الضوء على هذا القصور في مقابلة حديثة، حين قال إن الطرفين كانا قد اتفقا على الورق على "كل شيء تقريبا" في مطلع العام.

غير أن دمشق لم تر أدلة تذكر على استعداد إسرائيل لتنفيذ تلك التفاهمات. وتمنح ضربة أبو الظهور سوريا سببا إضافيا للشك في إمكان أن تتبنى إسرائيل نهجا مختلفا بصورة جوهرية خلال محادثات عمّان.

وتفرض الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول سقفا واضحا على ما يمكن أن تحققه محادثات عمّان. فمع احتدام الحملة الانتخابية، يجد نتنياهو حافزا قويا لإظهار الحزم العسكري تجاه سوريا، فيما يملك حافزا أقل بكثير لقبول قيود معلنة على حرية إسرائيل في العمل.

ومع ذلك، قد تفتح الانتخابات نافذة جديدة. فتغيير الحكومة لن يبدد الخلافات العميقة بين الطرفين، لكنه قد يفضي إلى قيادة إسرائيلية أكثر استعدادا لمعالجة هواجسها الأمنية عبر التفاوض، بدلا من اللجوء المتكرر إلى العمل العسكري.

وعندها فقط قد تتمكن المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة بين سوريا وإسرائيل من تجاوز إدارة الأزمات، والمضي نحو اتفاق أمني قابل للاستمرار.

font change