شكراً جنرال

في شرقنا، حملُ السلاح أسهل كثيراً من وضعه جانباً... مظلوم عبدي فعل العكس

شكراً جنرال

استمع إلى المقال دقيقة

في شرقنا، حملُ السلاح أسهل كثيراً من وضعه جانباً. فهو يمنح السلطة، والأتباع، ومقعداً على طاولات التفاوض. وكلما طالت الحرب، وجد أمير الحرب سبباً جديداً لبقائها.

مظلوم عبدي فعل العكس. وقف في قصر الشعب في دمشق و"بكل مسؤولية" ليعلن انتهاء مهمة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) التي ترأسها لأكثر من عقد وحلها كقوة عسكرية مستقلة، والاندماج في مؤسسات الدولة السورية.

هذا المشهد ليس استسلاماً. إنه شجاعة ونكران ذات. بدءُ المعارك وإدارتها ليس قرارا صعبا يتخذه قائد عسكري. القرار الأصعب عندما يدرك الجنرال متى يصبح استمرار الحرب خطراً على القضية التي حمل السلاح من أجلها. وهنا يظهر الفرق بين أمير الحرب والمحارب. بالنسبة لأمير الحرب، يجب على الحرب أن تبقى كي يبقى. أما للمحارب، فالبندقية وسيلة، وليست وطناً.

كان أمام الجنرال أكثر من طريق. كان يستطيع البحث عن راعٍ جديد بعد تغير الموقف الأميركي، أو الارتماء في محور إقليمي آخر، أو الاحتماء بالشعارات وتحويل مناطق الكرد في سوريا إلى جبهة مفتوحة لسنوات أخرى. وليس من الصعب العثور على من يمول حرباً جديدة. الأصعب هو العثور على من يمول السلام.

الجنرال اختار أن يمنح السلام فرصته. لم يفعل ذلك من موقع خالٍ من التاريخ. خلفه آلاف المقاتلين والذين ضحوا، وسنوات من الحرب على "داعش"، ومناطق حكمتها إدارته، ومؤسسات أمنية وعسكرية بُنيت خلال أكثر من عقد.

قبل أن يضع كل ذلك على طاولة دولة جديدة لم تُختبر بعد بالكامل. هذه ليست خطوة صغيرة أو مناورة. إنها وديعة سياسية ضخمة وضعها الكرد لدى دمشق، ولدى المجتمع الدولي الذي شجع هذا المسار.

وفي المقابل، هناك التزام. الرئيس أحمد الشرع أعلن صون الحقوق الكردية، والاعتراف بالكرد مكوناً أصيلاً من الشعب السوري، وفتح الطريق أمام تعليم اللغة الكردية. ويتحدث المسار السياسي عن تثبيت الحقوق في الدستور وإدماج قيادات ومؤسسات الإدارة السابقة في الدولة.

الجنرال أدى الجزء الأصعب من الاختبار من جانبه. والاختبار ينتقل الآن إلى دمشق. أعين الكرد في سوريا وفي كل مكان عليهم الآن. "جيش واحد، حكومة واحدة، دولة واحدة" لا يجب أن تعني هوية واحدة، أو لغة واحدة، أو سردية واحدة لسوريا اليوم.

إذا كان الكرد قد قبلوا أن تصبح البندقية جزءاً من الدولة، فعلى الدولة أن تثبت أن الكرد أنفسهم سيكونون جزءاً كاملاً منها.

توم بارّاك وصف ما حدث بأنه "تطور تاريخي"، وتحدث عن انتقال الانقسام السابق إلى "شراكة دائمة". جيد. لكن الشراكات الدائمة تحتاج إلى ضمانات دائمة. طلبوا من قائد مسلح أن يثق بالسياسة. عليهم الآن أن يجعلوا السياسة جديرة بهذه الثقة.

لا نعرف كيف سيحكم التاريخ على الاتفاق، لكننا نعرف ما حدث الآن. قائد امتلك قوة عسكرية مستقلة قرر أن يتخلى عن استقلالها، وأن يراهن على الدولة بدلاً من جولة أخرى من الحرب

ربما كان أسهل على مظلوم عبدي أن يحتفظ ببندقيته. فالتاريخ الكردي، وتجارب المنطقة، وحتى تجربة علاقته بالولايات المتحدة، تمنحه أسباباً كثيرة للشك. لكنه اختار المخاطرة بالسلام.  وهذه أيضاً مخاطرة. وربما تكون أكبر من مخاطرة الحرب.

لا نعرف كيف سيحكم التاريخ على الاتفاق، لكننا نعرف ما حدث الآن. قائد امتلك قوة عسكرية مستقلة قرر أن يتخلى عن استقلالها، وأن يراهن على الدولة بدلاً من جولة أخرى من الحرب.

لا ينبغي أن يُقرأ ذلك ضعفاً. أمراء الحرب يعرفون كيف يبدأون الحروب. المحاربون الحقيقيون يعرفون أيضاً كيف ينهونها.

الآن جاء دور دمشق والعالم كي يثبتا أن رهانه على السلام لم يكن خطأ. وأن ما فعله يستحق تقدير الدولة، لا لشخصه وإنما لشعب أنهكته الحرب والاضطهاد... شكراً جنرال.

font change