الأردن من دولة عازلة إلى دولة ربط

الأردن من دولة عازلة إلى دولة ربط

ثمة مرحلة مفصلية في حياة الدول تكتشف فيها أن الجغرافيا التي حملتها طويلا كعبء يمكن لها بتغيير زاوية النظر إليها وطريقة التعامل معها، أن تتحول إلى واحد من أهم أصولها، وربما يقف الأردن اليوم عند عتبة لحظة كهذه، ليس لأن الأزمات المحيطة به اختفت أو أصبحت أقل خطرا، بل لأن التحولات الجارية حوله تفتح احتمالا لإعادة تعريف موقعه ووظيفته في الإقليم.

ولا أقصد بذلك ذلك التفاؤل المجاني الذي اعتاد الخطاب الرسمي العربي أن يحول من خلاله كل أزمة إلى فرصة، بل إن ما يجري حول المملكة اليوم، من الشمال السوري إلى الضفة الغربية، ومن التحولات في موازين القوى الإقليمية إلى إعادة تشكيل شبكة العلاقات الدولية، يضع الأردن أمام سؤال لم يعد ممكنا تأجيله، وهو ماذا يريد أن يكون بالضبط في الإقليم الذي يتشكل من حوله.

في الشمال تتغير سوريا، وليس بالمعنى الذي اعتدنا عليه طوال سنوات الحرب، حين كانت الحدود الشمالية للأردن تختصر تقريبا كل ما يمكن أن تنتجه دولة منهارة من مخدرات وسلاح ولاجئين وميليشيات وفراغ أمني لا تملأه سلطة، فدمشق تحاول اليوم، ببطء وبكثير من التعثر والتعقيد، استعادة ما تعتبره مجالها السيادي والجغرافي والعسكري، ومجرد عودة فكرة الدولة المركزية السورية إلى المعادلة يغير كثيرا في الحسابات الأردنية.

لكن استقبال هذا التحول بتفاؤل مفرط سيكون خطأ آخر، فسوريا الجديدة ما تزال محاطة بقوى تريد كل منها شيئا مختلفا منها، تركيا تريد جنوبا مستقرا ونفوذا سياسيا واقتصاديا ممتدا، وإسرائيل تتحرك عسكريا داخل الأراضي السورية كلما قدرت أن لديها مصلحة أو فرصة لفرض واقع جديد، والأكراد يحاولون الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المكاسب التي حققوها خلال سنوات الحرب، وبين كل هذه المصالح لا يستطيع الأردن التعامل مع سوريا باعتبارها مشهدا خارجيا يتابعه من خلف حدوده، لأن كل خلل هناك يصل أثره إليه بسرعة.

الأردن في هذا المشهد لا يملك أوراق القوة التي تملكها الدول الكبرى في الإقليم، لكنه يملك ورقة نادرة لا تتوفر لكثيرين، وهي قدرته على الاحتفاظ بدرجة من القبول لدى معظم الأطراف



الأردن في هذا المشهد لا يملك أوراق القوة التي تملكها الدول الكبرى في الإقليم، لكنه يملك ورقة نادرة لا تتوفر لكثيرين، وهي قدرته على الاحتفاظ بدرجة من القبول لدى معظم الأطراف، وهذه ليست مجاملة للدبلوماسية الأردنية بقدر ما هي توصيف لموقع سياسي راكمته عمان عبر سنوات طويلة، وهو ما يفسر قدرتها على أن تكون مكانا للاتصالات الهادئة المتعلقة بخفض التصعيد السوري-الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه أن تتمسك بوحدة الأراضي السورية وترفض الانتهاكات الإسرائيلية لها، ولا يبدو الموقفان متناقضين في المنطق الأردني، بل لعلهما يلخصان هذا المنطق.

الأهم أن سوريا بدأت تستعيد في الحسابات الأردنية بعدا غاب طويلا خلف الحسابات الأمنية، وهو بعدها الاقتصادي، فالحدود التي كانت تعني التهريب والخطر يمكن أن تصبح بوابة للتجارة، والطريق إلى دمشق ليس مجرد طريق إلى عاصمة مجاورة، بل هو امتداد طبيعي نحو تركيا ثم أوروبا، والعقبة بدورها تستطيع أن تصبح جزءا من شبكة طاقة ونقل تصل الجنوب بالشمال، كما أن المؤشرات الأولية لاستعادة الحركة التجارية بين الأردن وسوريا تقول إن هذه الاحتمالات ليست خيالا، وإن كانت ما تزال في مراحلها الأولى والهشة.

وهنا تحديدا يمكن للجغرافيا أن تتغير من دون أن تتحرك الحدود، فالأردن الذي لا يملك سوقا داخلية كبيرة ولا ثروات طبيعية تسمح له بهوامش واسعة، يحتاج إلى أن يصنع قيمة من موقعه، وكلما أصبحت موانئه وطرقه وشبكاته وبنيته التحتية أكثر ضرورة لجيرانه، ازدادت قيمة موقعه السياسي بالتوازي مع قيمته الاقتصادية.

أما في الغرب، فالمسار يسير في الاتجاه المعاكس تماما، فالضفة الغربية لا تتحرك نحو الاستقرار بل نحو تفكيك متدرج ومنهجي لجغرافيتها، عبر استيطان يتوسع، ومصادرة للأراضي تتسارع، وشبكات طرق ومشاريع تعيد رسم المجال الفلسطيني على الأرض، ومشروع "E1" تحديدا لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد مشروع استيطاني إضافي، لأنه يمس جوهر فكرة الدولة الفلسطينية نفسها من خلال ضرب الاتصال الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها وزيادة عزل القدس عن محيطها الفلسطيني.

والأردن لا يستطيع النظر إلى هذا كله باعتباره قضية تضامن سياسي مع الفلسطينيين فقط، فالضفة الغربية ليست جغرافيا بعيدة عن المملكة، بل هي حدودها الغربية وجزء مباشر من معادلة أمنها الوطني، وأي انهيار للسلطة الفلسطينية، أو انتقال من الضم الزاحف إلى ضم معلن، أو إعادة فتح أي حديث عن التهجير، سيضع الأردن أمام تداعيات تمس الأمن والديموغرافيا والعلاقة مع إسرائيل، وربما معنى الحدود نفسها.

لهذا يبدو الخطاب الأردني أكثر وضوحا وحدةً عندما يتعلق الأمر بالقدس والاستيطان والضم والوصاية الهاشمية، لأن هذه القضايا ليست زينة في خطاب دبلوماسي ولا مجرد التزام أخلاقي تجاه القضية الفلسطينية، بل خطوط دفاع سياسية عن الدولة الأردنية ومصالحها المباشرة، وثمة فارق كبير بين أن تدافع دولة عن موقف سياسي وبين أن تدافع عن نفسها.

وفي موازاة ما يحدث على حدود الأردن، هناك تحول أوسع يجري في الإقليم كله، والدول لم تعد مستعدة لوضع جميع أوراقها في سلة تحالف واحدة كما كانت تفعل في مراحل سابقة، فالسعودية وتركيا وباكستان تعيد تعريف مجالات تعاونها الأمني، ودول الخليج توسع علاقاتها مع بكين وآسيا، فيما تبقى الولايات المتحدة المظلة الأمنية والسياسية الأهم لكثير من دول المنطقة، لكنها لم تعد بالضرورة المركز الوحيد الذي تتحرك حوله جميع الخيارات.

الأردن يتحرك داخل هذا الاتجاه بطريقته الهادئة والمحسوبة، فهو لا يغادر التحالف الأميركي ولا توجد مؤشرات جدية على أنه يفكر في ذلك أصلا، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يبقى أسير علاقة واحدة مهما كانت عميقة وراسخة، ومن هذه الزاوية تحديدا ينبغي قراءة زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين، لا باعتبارها تحولا في التحالفات، بل توسيع لهوامش الحركة الأردنية داخل نظام دولي وإقليمي يتغير بسرعة.

فالزيارة ليست جولة لجذب الاستثمارات فقط، على أهمية الاقتصاد فيها، بل هي جزء من محاولة أردنية لتوسيع دائرة الشراكات في لحظة يعيد فيها النظام الدولي ترتيب مراكزه، والأردن بحاجة فعلا إلى نقل علاقته مع الصين من نموذج يعتمد بصورة أساسية على الاستيراد وما ينتجه من عجز تجاري، إلى علاقة تشمل الاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا وسلاسل الإنتاج، وهذا لا يعني بأي شكل استبدال واشنطن ببكين، فتلك قراءة سطحية لا تشبه طبيعة السياسة الأردنية، بل يعني ببساطة إضافة ورقة جديدة إلى يد تحتاج إلى أوراق أكثر.

الأردن يتحرك بطريقته الهادئة والمحسوبة، فهو لا يغادر التحالف الأميركي ولا توجد مؤشرات جدية على أنه يفكر في ذلك أصلا، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يبقى أسير علاقة واحدة مهما كانت عميقة وراسخة


ومن هنا يمكن الوصول إلى الفكرة الجوهرية في كل هذا المشهد، فالأردن، بقصد واضح أو تحت ضغط التحولات من حوله، يحاول الانتقال من منطق الدولة العازلة إلى منطق دولة الربط.

الدولة العازلة تعيش على الاستيعاب، تمتص الصدمات وتحاول منعها من العبور إلى داخلها، ولذلك تكون وظيفتها دفاعية في معظم الوقت، أما دولة الربط فتصنع جزءا من قيمتها من العبور نفسه، تجارة تمر عبر أراضيها، وطاقة تتحرك في خطوطها، ومصالح ترتبط ببنيتها التحتية، واتصالات سياسية تجد فيها مساحة آمنة، وهي ليست بالضرورة دولة أقوى بالمعنى العسكري، لكنها تصبح دولة يصعب تجاوزها، وفي السياسة الإقليمية يمكن لحاجة الآخرين إليك أن تكون في بعض الأحيان أكثر قيمة من قدرتك على إخافتهم.

لكن هذا التحول لا يتحقق بمجرد الإعلان عنه، ولا يكفي أن تكون الجغرافيا مناسبة لكي تعمل وحدها لمصلحة أصحابها، فهو يحتاج إلى طرق وموانئ وسكك حديد وشبكات طاقة، كما يحتاج إلى إدارة ومؤسسات قادرة على استيعاب السرعة التي تتحرك بها المصالح في الإقليم، والأهم أنه يحتاج إلى دولة تستطيع قراءة ما هو قادم قبل أن يتحول إلى أزمة تضطر إلى إدارتها، بدلا من فرصة كان يمكن استثمارها.

الجغرافيا الأردنية لن تتغير، لكن قيمتها يمكن أن ترتفع أو تنخفض بحسب ما نفعله بها، ولذلك فإن السؤال الذي لم يحسم بعد لا يتعلق فقط بقدرة الأردن على حماية نفسه مما يجري حوله، بل بقدرته على جعل الآخرين يحتاجون إليه بما يكفي لكي تصبح حمايته جزءا من مصالحهم أيضا.

font change