لم يكن المنتخب الأردني في كأس العالم مجرد خبر رياضي كبير، كان أكثر من ذلك بكثير، كان لحظة نادرة خرج فيها الأردن من ضيق اللغة الرسمية إلى سعة الشعور العام، ومن رتابة البيان إلى دفء الناس، ومن فكرة "السردية" المصنوعة في غرف الاجتماعات إلى السردية التي تولد كما تولد الأشياء الحقيقية، بلا تعميم إداري ولا لجنة ولا خطة اتصال تبدأ من الورق وتنتهي في الورق.
في تلك اللحظة، لم يحتج الأردن إلى من يشرح له معنى أن يكون الأردنيون معا، فالناس فهموا وحدهم، وشوارع عمّان فهمت، والمدرج الروماني فهم، وكذلك الفجر الذي جمع الناس أمام الشاشات واستوعبهم، والأعلام على الأكتاف، والقمصان بألوان المنتخب، والوجوه المرهقة من قلة النوم، والهتاف الذي لا يسأل عن الجدوى، والفرح الذي يتجاوز نتيجة المباراة، كل ذلك قال ما لا تستطيع وزارة كاملة أن تقوله لو قررت صناعة "سردية وطنية" بقرار رسمي.
السردية ليست حكاية تكتبها مؤسسة ولجان يؤطرها قرار وزاري، ثم تطلب من الناس أن يصدقوها، فهذا عبث يهدر المال والوقت، ويستغفل الواقع، لأن السردية الحقيقية لا تخرج من أروقة باردة، بل من الانسيابية الطبيعية للأحداث، من معيشة الناس، من التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها الموظف وهو يكتب خطابا عاما، لكنها هي بالضبط ما يصنع المعنى، وما حدث مع المنتخب الأردني أنه لم يقدم للناس خطابا عن الوحدة، بل أعطاهم فرصة كي يعيشوها، ولم يقل لهم إنهم شعب واحد، بل وضعهم في لحظة واحدة، أمام شاشة واحدة، وفي قلق واحد، وفرح واحد.
هنا تصبح مشاركة رئيس الحكومة جعفر حسان في مشهد حضور المباراة الأولى فجرا في المدرج الروماني ذات دلالة تتجاوز الصورة، فليست المسألة أن رئيسا حضر مباراة، ولا أن الكاميرا التقطته بين الجماهير، بل إن السياسة نزلت قليلا من منصتها، وجلست في المكان الذي يجلس فيه الناس، وهذا النوع من الحضور لا يحل أزمة الثقة وحده، ولا يصنع معجزة، لكنه يطبّع العلاقة بين الحكومة والشارع بمعنى ضروري، وهو أن المسؤول ليس دائما خلف الطاولة، وأن الدولة لا تخسر هيبتها حين تختلط بالناس، بل قد تستعيد جزءا منها حين تظهر طبيعية لا متكلفة، وقريبة لا متعالية.
إصلاح الإعلام الأردني لا يكون بالتشريع وحده، مع أن التشريع مطلوب لضبط الفوضى وحماية الناس والمهنة، فالقانون يضع حدودا، لكنه لا يصنع ثقة، والعقوبة قد تردع كذبة، لكنها لا تنتج رواية
المفارقة أن هذه اللحظة الصغيرة قالت للإعلام الأردني درسا كبيرا، قالت له إن الناس لا يحتاجون دائما إلى من يلقنهم الشعور، بل إلى من يواكب شعورهم بصدق، فالإعلام الناجح ليس الذي يخترع نبض الشارع، بل الذي يعرف كيف يسمعه قبل أن يفسده، وليس الذي يحوّل كل حدث إلى مادة دعائية، بل الذي يترك للحياة أن تتكلم، ثم يلتقط المعنى منها، ويرتبه، ويمنحه لغة لا تقتله.
وهنا تبدأ المشكلة الأردنية القديمة الجديدة، فلدينا في الأردن إعلام رسمي ما زال في أغلبه يتعامل مع الخبر كأنه واجب مدرسي، ومع الجمهور كأنه متلق صامت، ومع الثقة كأنها نتيجة تلقائية لمجرد صدور المعلومة من جهة رسمية، ولدينا أيضا "إعلام أهلي" محترم يحاول أن يصمد، لكنه محاصر بين شح المعلومات، وضغط السوق، وفوضى المنصات، وارتباك العلاقة مع السلطة، وبين هذا وذاك، تكبر فراغات واسعة لا تبقى فارغة طويلا، لأن كل فراغ لا تملأه الحقيقة تملؤه الإشاعة، وكل تأخر في المعلومة تصنعه الرواية البديلة، وكل غموض رسمي يتحول إلى أرض مفتوحة لمن يحسنون الصيد في العتمة.
من هذه الفراغات يتسلل تيار الإسلام السياسي، لا دائما بخطاب مباشر أو صدامي، بل أحيانا بتقنيات أكثر ذكاء، يلتقط تفصيلا صغيرا، يضخمه، يعيد تأويله، يربطه بسردية مظلومية، أو فساد، أو استهداف، أو انفصال بين الدولة والناس، ثم يتركه يتدحرج في السوق الرقمية. فالتضليل الذكي لا يحتاج إلى كذبة كاملة دائما، بل يكفيه نصف حقيقة مع توقيت مناسب، وصورة مقتطعة، وتعليق عاطفي، وجمهور متعب، وإعلام رسمي يصل متأخرا كالعادة، حاملا خرطوم الإطفاء بعد أن تكون النار قد وجدت طريقها.
ومن الفراغ ذاته يتسلل نوع آخر من الطارئين على مهنة الصحافة، دكاكين إعلامية صغيرة، بلا مهنية ولا ذاكرة ولا أخلاق مهنة، تبيع الضجيج لمن يدفع، وتستخدم الخبر كأداة ضغط، وتحول الصحافة إلى مهنة من لا مهنة له، ومجهولية الابتزاز والاسترزاق، وهؤلاء لا يزعجهم ضعف الإعلام الرسمي، بل يعيشون عليه، فكلما غابت المعلومة المحترمة، ظهروا ببديل مبتذل، وكلما تأخر التوضيح، باعوا التخمين كسبق، وكلما ضعفت الصحافة المهنية، تقدم صاحب الصفحة والحساب والميكروفون الرخيص ليصبح حارسا مزيفا للحقيقة.
لهذا فإن إصلاح الإعلام الأردني لا يكون بالتشريع وحده، مع أن التشريع مطلوب لضبط الفوضى وحماية الناس والمهنة، فالقانون يضع حدودا، لكنه لا يصنع ثقة، والعقوبة قد تردع كذبة، لكنها لا تنتج رواية، والمطلوب أوسع من ذلك بكثير، المطلوب رؤية حقيقية تعيد الاعتبار للصحافة المهنية، لا باعتبارها خصما للدولة، بل باعتبارها إحدى أدوات قوة الدولة حين تكون محترمة ومستقلة وقادرة على الوصول إلى المعلومة، لأن الدولة التي تخاف من الصحافة الجادة تترك نفسها للصحافة الرديئة، والدولة التي تضيق بالمعلومة تفتح الباب للشائعة.
الشفافية هنا ليست مثالية رومانسية، بل مصلحة سياسية وإدارية، فحين تقدم الحكومة الحقائق في وقتها، وبقدر معقول من الوضوح، لا تمنح خصومها فرصة احتكار التفسير، وحين تشرح القرار قبل أن يصبح أزمة، لا تضطر إلى إنفاق أيام في نفي ما كان يمكن منعه بجملة صادقة، وحين تتعامل مع الجمهور كعقل لا كطابور، يصبح الإعلام الحكومي أقل اضطرارا إلى لعب دور مطافئ الحريق، وأكثر قدرة على بناء فهم متراكم لما تفعله الدولة ولماذا تفعله.
درس المونديال لا يجب أن يضيع بعد صافرة النهاية، وعلى الإعلام الأردني، الرسمي والأهلي معا، أن يفهم أن معركة المرحلة ليست معركة خبر فقط، بل معركة معنى
ليست المسألة أن الأردن بلا رواية، فالأردن لديه روايات كثيرة وقوية، في الرياضة، والسياسة، والجيش، والناس، والصبر، والنجاة، والتحولات الصعبة، لكن المشكلة أن هذه الروايات غالبا تعيش في الشارع أكثر مما تعيش في الإعلام، وتظهر في اللحظات الطبيعية أكثر مما تظهر في الخطاب الرسمي، والمنتخب الأردني كشف ذلك بوضوح، كانت السردية هناك جاهزة لأنها كانت حقيقية، لم تصنعها مؤسسة، بل صنعها الناس، ولم تحتج إلى مبالغة لأنها ولدت من شعور صادق، ولم تحتج إلى توجيه لأنها كانت متماهية مع نبض الشارع.
درس المونديال لا يجب أن يضيع بعد صافرة النهاية، وعلى الإعلام الأردني، الرسمي والأهلي معا، أن يفهم أن معركة المرحلة ليست معركة خبر فقط، بل معركة معنى، والمعنى لا يصنع بالقسر، ولا بالتجميل، ولا بالإنكار، بل بالصدق والسرعة والذكاء واحترام الناس، والمطلوب إعلام لا يصفق للحكومة، ولا يتربص بها، بل يساعد الدولة على أن تتكلم بوضوح، ويساعد المجتمع على أن يعرف بلا تضليل، إعلام يرى في المواطن شريكا في الفهم، لا هدفا للتعبئة.
في النهاية، ليس هناك خوف على الأردن من قلة الحكايات، الخوف عليه من سوء روايتها، والخوف من أن تترك الدولة لحظاتها الحقيقية تمر بلا التقاط ذكي، ثم تنفق لاحقا على صناعة لحظات مصطنعة لا تشبه الناس ولا تشبه البلد، فما فعله النشامى، لاعبو المنتخب الأردني، لم يكن مباراة فقط، كان درسا في الإعلام والسياسة والاجتماع، قال لنا إن السردية حين تولد من الحياة تكون أقوى من كل الخطط، وإن على الدولة أن تتعلم كيف ترافقها، لا كيف تصنعها قسرا.