تفكك ميليشيا "الدعم السريع"

تفكك ميليشيا "الدعم السريع"

استمع إلى المقال دقيقة

يصعب النظر إلى الانشقاقات المتتالية في صفوف ميليشيا "الدعم السريع" باعتبارها حوادث فردية أو خلافات عابرة بين قادة ميدانيين، إذ خرج خلال أقل من أسبوعين مئات المقاتلين ومعهم ضباط وآليات، وسبق ذلك خروج قيادات ومجموعات أخرى، كما امتدت حالات الانسلاخ من الميدان العسكري إلى الدائرة السياسية التي حاولت منح مشروع الميليشيا واجهة مدنية، وهنا لا تكمن الدلالة الأهم في عدد المنشقين فقط، وإنما في اتساع الظاهرة وتنوع مواقع حدوثها، لأن التنظيم المسلح قد يعوض بعض خسائره البشرية، لكنه يدخل مرحلة التآكل حين يفقد أفراده الثقة في القيادة والغاية التي يقاتلون من أجلها.

ولا يمكن بعد هذه الانشقاقات التعامل بجدية مع رواية الحاضنة الشعبية التي روجت لها الميليشيا طويلاً، لأن الحاضنة الحقيقية لا تتبدد عند أول خلاف على الرتب والموارد، ولا تتبدل ولاءاتها كلما ضاقت طرق الإمداد أو تغيرت موازين القتال، وما جمع قطاعاً واسعاً من عناصر ميليشيا "الدعم السريع" كان شبكة من المصالح والامتيازات والحماية القبلية، لا مشروعاً وطنياً يلتف حوله السودانيون، وعندما تراجعت الموارد وارتفعت كلفة الحرب وشعر بعض القادة بأنهم يدفعون الثمن وحدهم، ظهرت طبيعة البناء الذي أخفته وفرة السلاح والمال، مجموعات متجاورة في الميدان، لكل منها حساباتها ومرجعيتها وحدود ولائها، وهذا يفسر انتقال عدوى الانشقاق من قائد إلى آخر بسرعة لافتة، ومن دون حاضنة وطنية يبقى التجنيد اتفاق مصلحة ينتهي بانتهاء العائد.

ما جمع قطاعاً واسعاً من عناصر ميليشيا "الدعم السريع" كان شبكة من المصالح والامتيازات والحماية القبلية، لا مشروعاً وطنياً يلتف حوله السودانيون


القبيلة مكون اجتماعي أصيل في السودان، ولا يصح تحميلها وزر مشروع عسكري استغل روابطها ووظفها في الصراع، لكن تحويل الانتماء القبلي إلى معيار للقيادة والترقية وتوزيع السلاح والموارد يجعل أي تشكيل مسلح معرضاً للتصدع من داخله، لأن الدولة تحتاج إلى مواطنة متساوية وقواعد عامة وسلسلة قيادة لا تتغير بتغير التحالفات، وفي المقابل تدير الميليشيا توازناتها بالترضيات والقرابة والخوف، وقد تستطيع حشد المقاتلين لفترة أو السيطرة على مدينة، لكنها تعجز عن بناء مؤسسة تتسع للسودانيين وتعيش بعد زوال الدافع أو غياب القائد، ومن هنا نفهم لماذا يتحول الخلاف داخل "الدعم السريع" سريعاً إلى انسلاخ جماعي، ولماذا يسبق الولاء للقائد المحلي أي حديث عن مشروع جامع.

خلال الأسابيع الماضية، تداولت أوساط سودانية أنباء عن مرض قائد ميليشيا "الدعم السريع" حميدتي، بالتزامن مع ازدياد الارتباك داخل تنظيم ارتبط اسمه وقراره وموارده بشخص واحد، وبصرف النظر عن التفاصيل، بدأ داخل "الدعم السريع" طرح سؤال القيادة البديلة، لأن مرض القائد يتحول في كيان الميليشيا إلى أزمة وجود، وقد دفعت تلك الأنباء أطرافاً إلى مراجعة حساباتها ومواقعها، خاصة مع تراجع الثقة بين المجموعات، وتبادل الاتهامات بشأن الولاء، وشعور قيادات ميدانية بأن مركز القرار لم يعد قادراً على حمايتها أو الوفاء بالتزاماته تجاهها، وهنا تظهر هشاشة الميليشيا.

أخيراً... هذه الانشقاقات لا تعني أن "الدعم السريع" سيتوقف عن القتال غداً، وما زالت لديه كتلة مسلحة ومصادر إمداد وقدرة على إلحاق الأذى، لكن الفارق كبير بين القدرة على التخريب والقدرة على بناء دولة، وقد تمنح البندقية الميليشيا نفوذاً مؤقتاً، إلا أنها لا تمنحها شرعية ولا تحول التحالف القبلي إلى مؤسسة وطنية، ومصير الميليشيات يبدأ بالانحسار عندما تفقد المال والقيادة والغطاء الاجتماعي، بينما تستطيع الدولة تجاوز أزماتها لأنها لا تختصر نفسها في رجل أو قبيلة أو قافلة سلاح، وفي السودان سيكون المستقبل للمؤسسات التي تتسع للجميع، والمشاريع التي قامت على الولاء المؤقت مصيرها الانتهاء عند أول مفترق للمصالح، ومهما طال زمن الحرب لن يستطيع أصحاب السلاح المؤقت إلغاء فكرة الدولة الدائمة.

font change