الحرب في إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية ستنتهي عندما تتوقف الصواريخ، كما أن "الجمهورية الإسلامية" التي عرفناها في إيران انتهت، حتى لو بقي النظام قائماً لبعض الوقت؛ وعقارب الساعة لن تعود إلى الوراء.
لقد كشفت الحرب على إيران هشاشة المعادلة التي قامت عليها "الجمهورية الإسلامية" طوال عقود: نظام يطلب من الداخل الصبر والتضحية باسم مواجهة "العدو"، ويحارب شعبه ويقتله باسم التصدي للمؤامرة، ويصدّر القتل والإرهاب تحت اسم "تصدير الثورة" لفرض نفوذه في المنطقة، فيما يتراجع مستوى المعيشة ويفقد المواطن حقوقه، وصولاً إلى حقه في الحياة والخبز؛ فتتسع الهوة بين الدولة والمجتمع، وبين الشعارات والواقع.
الحرب لا تصنع بالضرورة أزمة الشرعية، لكنها تكشفها وترفع الستار عنها. عندما يكون النظام قادراً على تقديم نفسه باعتباره حامياً للأمن والسيادة، فإن تعرضه لضربات عسكرية بهذا الحجم يطرح سؤالاً بسيطاً، لكنه بالغ الأهمية، في الداخل الإيراني: ماذا قدمت كل سنوات بناء القوة العسكرية والنفوذ الإقليمي إذا لم تستطع حماية البلاد من الحرب والاختراق؟ ألم يتم تجويع الشعب وقمعه لعقود بذريعة بناء دولة قوية قادرة على مجابهة العالم بأسره؟
لقد كشفت الحرب على إيران هشاشة المعادلة التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية طوال عقود
وهذا السؤال لا يمكن فصله عن الاقتصاد. فالعقوبات والحصار، وتراجع عائدات النفط، وانخفاض قيمة العملة وارتفاع الأسعار، تجعل المواطن الإيراني يدفع كلفة مشروع سياسي لم يحقق له يوماً الأمن أو الازدهار. وكم مرة شاهدنا مظاهرات لمواطنين إيرانيين غاضبين من إنفاق دولتهم على تمويل الميليشيات في المنطقة، بينما هم، أي الإيرانيين، لم يكونوا قادرين على تأمين قوت يومهم؟ واليوم، كلما طال أمد الحرب والحصار والعقوبات، يصبح من الصعب على السلطة أن تطلب المزيد من التضحيات من مجتمع يواجه أصلاً ضغوطاً اقتصادية واجتماعية عميقة.
ولهذا يبدو السؤال البديهي: هل ستتحول المواجهة مع الخارج إلى مواجهة مع الداخل لو توقفت الحرب غداً؟
التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على أن الأنظمة لا تسقط بالضرورة عندما يهزمها خصومها عسكرياً، بل عندما تفقد قدرتها على إقناع المجتمع بأن بقاءها هو الطريق الوحيد إلى الاستقرار والمستقبل. شاهدنا أنظمة بدت عصية على السقوط أمام العقوبات والحروب، لكنها انهارت عندما اجتمعت الضغوط الاقتصادية مع فقدان الثقة، وتصدع الطبقة الحاكمة، واتساع المسافة بينها وبين المجتمع. فكيف يكون الحال ونظامها محكوم بـ"مرشد" يُقدَّم بوصفه رجلاً خفياً؟
واليوم، السؤال بالنسبة إلى إيران ليس فقط: هل تستطيع مواصلة الحرب؟ بل: هل تستطيع مواصلة الحرب من دون أن تستهلك ما تبقى من شرعيتها الداخلية؟ وإن توقفت الحرب، فماذا بعدها؟
قد يكون مضيق هرمز إحدى أوراق إيران الأخيرة، بعدما قاربت ورقة الميليشيات على الاستنزاف. أرادت طهران استعماله للضغط على واشنطن ودول المنطقة والعالم، ولكن يبدو أن السحر بدأ ينقلب على الساحر. وقد نجحت واشنطن في تحويل الضغط العسكري والاقتصادي إلى واقع سياسي جديد: إيران أضعف إقليمياً، وأقل قدرة على تمويل نفوذها، وأكثر اضطراراً إلى إعادة تعريف علاقتها بجوارها والعالم.
لهذا قد تكون نهاية الحرب أقل أهمية من آثارها. فحتى لو بقيت "الجمهورية الإسلامية" لفترة، فإننا نشهد بداية نهايتها. فالحرب قد تنتهي، لكن تآكل الشرعية الذي كشفته قد يستمر. وعندما يبدأ النظام بفقدان قدرته على إقناع شعبه بأن بقاءه هو الطريق إلى المستقبل، تبدأ نهايته السياسية، حتى لو تأخر سقوطه.
لقد تغيرت إيران، وفقدت قدرتها على إقناع شعبها بأن المستقبل معها، وكذلك حال ميليشياتها وأذرعها. المنطقة كلها تغيرت. وما انتهى ليس بالضرورة نظاماً في يوم واحد، بل مرحلة كاملة. أما عقارب الساعة، فقد تحركت إلى الأمام، ولن تعود إلى الوراء.