ماذا يعني استهداف الحوثي لمكة؟

ماذا يعني استهداف الحوثي لمكة؟

حين أعلنت السعودية أن دفاعاتها اعترضت مساء الخامس عشر من سبتمبر/أيلول مسيّرة أطلقتها ميليشيا الحوثي باتجاه مكة المكرمة، ودمرتها قبل دخول المجال الجوي المحظور، انتقل التصعيد إلى مساحة لا تحتمل التبرير السياسي، لأن مكة قبلة المسلمين، وأي مقذوف يوجه نحوها يتخطى حدود المواجهة مع دولة إلى استفزاز مشاعر أمة كاملة، وقد تنفي الميليشيا أن تكون المقدسات هدفها، لكن النفي لا يمحو أنها أطلقت أداة قتل في مسار يتجه إلى المدينة المقدسة، ولا يعفيها من مسؤولية العبث بأمن المدنيين وحرمة المكان.

الحوثي لديه سجل سابق في هذا الباب، إذ أعلن التحالف في يوليو/تموز 2017 اعتراض صاروخ باليستي أطلقته الميليشيا باتجاه مكة، بينما زعمت الجماعة حينها أن هدفه قاعدة عسكرية في الطائف، واليوم تعود الحجة ذاتها تقريبا، إطلاق باتجاه العمق السعودي ثم إنكار المقصد بعد انكشاف فداحة الفعل، وهذه الازدواجية تكشف أن الحوثي يريد الاحتفاظ بحق التهديد مع التنصل من تبعاته الدينية والسياسية، وكأن تغيير اسم الهدف بعد اعتراض الصاروخ أو المسيّرة يمحو اتجاهه وخطره، غير أن المقدسات لا تدخل في حسابات الاحتمال، ومن يقترب من مجالها بسلاح يعرف حجم الخط الأحمر الذي يتجاوزه.

الأكثر كشفا أن الحوثي الذي يملأ خطاباته بعبارات العداء لأميركا وإسرائيل لا يجد حرجا في الجلوس مع الأميركيين حين تتطلب مصلحته ذلك، وقد قبل في مايو/أيار 2025 تفاهم عدم استهداف متبادل شمل السفن الأميركية في البحر الأحمر وباب المندب، ثم عاود الكرة قبل أيام عبر لقاء غير معلن وتطمينات تخص السفن الأميركية والإسرائيلية، ولا يستبعد أن يخطو نحو لقاءات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي مستقبلا.

الأكثر كشفا أن الحوثي الذي يملأ خطاباته بعبارات العداء لأميركا وإسرائيل لا يجد حرجا في الجلوس مع الأميركيين حين تتطلب مصلحته ذلك


هذه هي حقيقة الميليشيا حين تسقط عنها طبقة الشعارات، تصرخ بـ"الموت لأميركا" أمام الحشود، ثم تفاوض ممثليها على أمن سفنها، وترفع اسم فلسطين لاستنفار البسطاء، ثم ترتب قواعد اشتباك تحمي بها نفسها وتبقي اليمنيين في دائرة الخطر، وتدعي الدفاع عن "قضايا الأمة" بينما يصل تهورها إلى الطريق المؤدي نحو مكة، ومن يصدقون هذه الشعارات مدعوون اليوم إلى النظر في الأفعال لا اللافتات، لأن فلسطين لم تكن يوما بحاجة إلى تهديد قبلة المسلمين، ولا يمكن خدمة قضيتها بتجويع اليمنيين وتحويل بلادهم إلى منصة تفاوض لحساب دولة أخرى.

الاندفاعة الحوثية الأخيرة لا يمكن فصلها عن وضع إيران بعد الحرب والضغوط التي تعرضت لها منذ فبراير/شباط، إذ تحتاج طهران إلى أوراق ترفع بها كلفة المواجهة وتوسع مساحة المساومة، وبات واضحا أن الحوثي يؤدي هذه الوظيفة بوضوح، يتقدم نحو الساحل حين تريد إيران الضغط قرب باب المندب، ويصعد ضد السعودية حين تضيق خياراتها في هرمز، ثم يترك أبواب التفاهم مفتوحة مع من يصفهم في العلن بالأعداء، ولهذا لا تبدو تحركاته دفاعا عن فلسطين أو نصرة للأمة، وإنما ترجمة لحساب إيراني يرى اليمن ساحة ضغط، ويرى الحوثي ورقة تستخدم كلما احتاج المفاوض الإيراني إلى رفع الثمن.

وفي قراءة المشهد بعد تحركات الساحل، تبدو الميليشيا تحت ضغط أكبر مما تحاول إظهاره، لأن الضربات الجوية التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية على تجمعاتها وعتادها في المخا وذوباب بدأت تقيد حركتها، بينما تتسع أزمة الجوع والمعيشة في مناطق سيطرتها، ويدفع اليمنيون ثمن الجبايات والحرب وتعطل المساعدات، وهذا يفسر مقدار التخبط في اندفاعها ومحاولتها نقل الأنظار من الداخل المنهك إلى صدام خارجي أخطر، وقد تصنع الميليشيا ضجيجا مؤقتا أو تحقق تقدما ميدانيا، لكنها حين تفاوض من تسميهم أعداء وتهدد مكة إرضاء لداعمها تكشف بنفسها نهاية روايتها، لأن من جعل قبلة المسلمين جزءا من مقامرة إيرانية خسر ادعاء الدفاع عن الأمة قبل أن يخسر معركته في الميدان.

font change