لا تملك لبنان الدولة ترف الانتظار والحصول على التوافقات الوطنية لكي تقرر مصائر الأمن والسيادة وحالتي الحرب والسلم، فالغرب لا يريد للبنان أن يبقى في حالة الفوضى والارتهان لقرارات إيران الحاكمة لـ"حزب الله" وحلفائه التي عطلت الدولة وصادرت قراراتها.
ولا يسعى العرب إلا لتأييد الجهد الذي يقوم به الرئيس جوزيف عون القادم من ثكنات الجيش اللبناني متسلحا بفكرة الدولة الكافلة والقادرة على ممارسة سلطاتها الكاملة، وضرورة تفكيك كل السلطات المنافسة لفضاء الدولة.
مؤخراً انعقد الاجتماع الفرنسي-اللبناني-الأردني بحضور قيادات الدول الثلاث في باريس، سعيا لاستعادة الدعم والزخم المطلوب لدعم سلطة الدولة اللبنانية، وكف الاعتداءات الإسرائيلية وخفض التوتر، في محاولة لإعادة تمكين سلطة الدولة مقابل سلطة "الحزب" والجماعات الحليفة التي أدخلت لبنان في الفوضى وجعلتها في مواجهة مع التوغل الإسرائيلي الذي ألحق بالكثير من مناطق الجنوب الدمار وجعل سكانه يعانون من الدمار الكبير وهجرة مناطقهم.
ما معنى لقاء باريس؟ أرادت فرنسا استعادة الدور القديم لها في لبنان، خاصة بعد انتهاء مدة القوات الدولية (اليونيفيل)، وأراد الأردن ان يكون حاضرا في لقاء باريس لجعل المسألة اللبنانية ضمن حوارات العقبة التي انطلقت عام 2015 والتي تعنى بالأمن والاستقرار، وتنعقد بشكل دوري بحضور القادة المعنيين بالأمن والاستقرار في المنطقة ولها اهتمام كبير بأمن البحر الأحمر.
وفي حاصل الإرادات الدولية التي تواجه معضلة الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة هناك تحدي الفاعل الأميركي وإمكانية إقناعه بممارسة ضغط أكبر على إسرائيل لتجعل لبنان دولة تنتصر فيها إرادة المؤسسات الوطنية، لتكون هي الضامنة والجامعة والحامية للحدود التي يمنح تحكم "الحزب" بمصائرها إسرائيل كل ذرائع التوغل المفضلة لديها.
وفي المقابل هناك تحدي الداخل اللبناني الذي يخص "حزب الله" الذي لم يتعاط مع القرارات الخاصة بسلطة الدولة فيما يتعلق بالأمن الوطني واحتكار قراري الحرب والسلم، ويصر "الحزب" على البقاء ممانعا مع تنازلات محدودة لا تشكل استجابة وطنية لمتطلبات المرحلة المقبلة بقدر ما تمثل مراوغة لكسب مزيد من الوقت بانتظار حسم المواجهة الأميركية-الإيرانية.
في الأفق الوطني اللبناني لا يمكن تجاهل سيطرة إسرائيل على "مرتفعات علي الطاهر" التي تعني أن الطريق نحو العاصمة بيروت بات مفتوحا بالنسبة لإسرائيل، بعد انهيار آخر منظومات الدفاع الخاصة بـ"حزب الله"، الذي طالما تمترس عند قرار عدم تسليمها وفي النهاية وقعت تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، الذي قدم عام 1982 درسا موجعا لبيروت حين اجتاحها وبدت آنذاك أزمة الدولة أعمق بكثير من لحظة الاجتياح، وهي أزمة ظلت عابرة حتى اليوم.
لا يسعى العرب إلا لتأييد الجهد الذي يقوم به الرئيس جوزيف عون القادم من ثكنات الجيش اللبناني متسلحا بفكرة الدولة الكافلة والقادرة على ممارسة سلطاتها الكاملة، وضرورة تفكيك كل السلطات المنافسة لفضاء الدولة
يحدد الراحل كمال الصليبي في كتابه "منطلق تاريخ لبنان"، مساراً معقداً لأزمنة لبنان البعيدة التي انتهت بالفتح العثماني عام 1516م، والذي رآه صليبي حداً فاصلاً أكثر من غيره من المؤرخين اللبنانيين، فصليبي يرى أن ثمة إجماعا بين المؤرخين بدءاً من القرن التاسع عشر، على اعتبار "الفتح العثماني لبلاد المشرق بداية لمرحلة جديدة في تاريخها، وهذا الإجماع الذي يقرره صليبي بين المؤرخين، يراه سبباً كافياً للبقاء لبنانياً ضمن هذا الإجماع في سبيل البحث عن رواية التاريخ الخاص بلبنان فهو يرى أن مجمل تاريخ لبنان وإن انتهى في الزمن العثماني فإنه انتهى ببروز الكيان اللبناني، خلال ذلك الزمن.
في هذا الزمن أيضاً ولدت الإشكالية التاريخية الوطنية اللبنانية، فصليبي وهو أحد أكثر المشتغلين بهوية وأصول التاريخ اللبناني، يرى أن بروز الكيان اللبناني لم يكن إلا نتيجة للقاء الذي تمّ بين "المسيرة التاريخية المارونية (...) والمسيرة التاريخية الدرزية من الناحية الثانية وذلك في بداية القرن السابع عشر، وضمن أوضاع داخلية وخارجية لا مجال لذكرها هنا، فجاء تاريخ هذا الكيان انطلاقاً من ذلك اللقاء...". والمهم هنا ليس الوقائع التاريخية بل أثرها في الوعي الراهن.
هذه الخلاصة المؤسسة للبنان الحديث تاريخياً، والتي حصرها كمال الصليبي في الإطار الطائفي (الماروني-الدرزي)، ألقت بظلالها على مجمل التاريخ الحديث والمعاصر، وحتى الراهن اليوم، لكنها ظلال حكمت السياسة والتمثيل السياسي والوطنية والعمل المقاوم والحرب والاحتلال والمواجهة، وزادت هذه الحالة الطائفية فوق الوطينة بعد خروج جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ومنذ ذلك التاريخ تعلق "حزب الله" بمركزية وجوده ودوره المهمين على الدولة، ودخلت البلاد بحالة طائفية كان من المفترض لـ"اتفاق الطائف" أن ينهينها لكنها تكرست أكثر بعد عام 2000.
يصر "الحزب" وحلفاؤه على البقاء في خانة العمل الطائفي الذي منح البلاد الفوضى والتذرير، والوصاية الإيرانية التي عطلت قرارات السيادة الوطنية
هذا الصراع على التاريخ، والرؤية للأحداث لبنانياً، ليس أمراً مستغرباً في ظل الظروف والوضعيات السجالية التي صاغها اللبنانيون عن تاريخهم وعن زمنهم والتي نشأ حولها جدل قديم، ظلّت رواسبه حتى اليوم، وشملت زمن الحرب الأهلية والاجتياح وظلت عناوين كتابه لصراع الهويات والزمن الوطني والمقاومة وسرديات الصمود.
اليوم تظل إشكالية الطائفة والوطن والدولة حاضرة في القرار الوطني اللبناني، ففي حين يجمع العالم على ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لدورها المؤسسي، يصر "الحزب" وحلفاؤه على البقاء في خانة العمل الطائفي الذي منح البلاد الفوضى والتذرير، والوصاية الإيرانية التي عطلت قرارات السيادة الوطنية، ولم يرتق بها فوق جرحها وأزماتها لتعبرها وتستجيب لها بكل مسؤولية، وأهمها مواجهة التحدي الإسرائيلي.