الحوثي معتدياً وتابعاً

الحوثي معتدياً وتابعاً

لن يُدوَّن في تاريخ اليمن أبشع من لحظته القاتمة، ولا هولاً أبلغ مما بلغته الأفعال الحوثية باستهداف المملكة العربية السعودية ومرافقها الحيوية، وهي في اختيار الأهداف جاءت على الطريقة الإيرانية. إيران التي تملك التابع المستند إلى ولاية دينية ماضوية، وتملك ولاء جماعته لها، وتملك القدرة على تحريك اتجاهات الصواريخ وأهدافها. فكل شيء عند الحوثي ينبض بالولاء لعمائم قم، التي طالما اعتاد المجندون من جماعته الذهاب إليها لتقديم الولاء للولي الفقيه.

ليس بالجديد القول إن الحوثي وجماعته ذراعٌ إيرانية، ولا بالجديد شكل صفته وجماعته كذراع أو جماعة تابعة، أو غالبة على مصائر اليمن، فمن يقبل أن يُدار من الخارج لا فرق عنده في المعاني والمكانة.

وفي مقابل الاعتداء الصارخ على منشآت حيوية في الرياض ومدن أخرى، تعرض إيران الوساطة للحوار بين السعودية وجماعة "أنصار الله"، وهو أمر من غير المعقول تصديقه أمام حقائق مثبته عن الدعم الإيراني المباشر للحوثي وجماعته، وهو عرض يعكس الجهل الإيراني والحوثي المشترك بخطورة ما قاموا به من جملة عمليات استهداف مطارات ومرافق سعودية، وهو يعكس انعدام لحظة الوعي في العقل الحوثي ومعه الإيراني بالورطة التي وضع الحوثي نفسه فيها.

يعيد الحوثيون بتصعيدهم ضد السيادة السعودية، إعادة استكمال الانهيار اليمني، وإعادة إنتاج الفشل وسوء التقدير، وهم على علم بأن المملكة العربية السعودية لن تنزلق للأسلوب ذاته، وأنها تعمل جاهده لإعادة الاستقرار والحكم الشرعي، وأن الدعم السعودي لا يستهدف إلا العودة باليمنيين إلى إعادة ركوب قطار الحياة والبناء، والحل في اليمن لن يكون صناعة من الخارج، بل المطلوب أن يكون منتجا محليا من قبل الشعب اليمني، الذي ينبغي عليه دعم قوات الحكومة الشرعية، ضد ما يسمى جمهورية السيد الحوثي القادمة من عصور الظلام.

قد يظن الحوثي وجماعته وإيران التي تقف خلفه أن ما يقومون به سوف يثني المملكة العربية السعودية عن دعمها وإسنادها للحكومة الشرعية، وقد يراهنون على أن إرباك المنطقة سوف يمنحهم مبررات البقاء والتفاوض معهم والتسليم بوجودهم بديلا عن الدولة الوطنية المطلوبة لكل اليمنيين.

وفي الحرب اليمنية–اليمنية، والتصعيد الحوثي ضد السعودية، مفارقات بليغة، ففي اليمن يتذمر الناس ويتشردون بعد حروب يمنية حوثية مع السلطة، جاوزت السبع حروب، وفي السعودية يلقى المصابون أيا كانت جنسيتهم والعالقون في المطارات رعاية دولة ناجزة، يعنيها أمن شعبها وكرامة مواطنيها ورفاههم، ويدين العالم الأعمال الحوثية ضد السعودية، فيما تزاد قتامة المشهد الحوثي سوءاً.

التابع لا يمكنه أن يكون حراً، لأنه في لحظة بيع الوطن للغريب، قرر سلوك مسار الذل والردى. لذا، لن تُحجز لعبد الملك الحوثي أية مساحة في ذاكرة أطفال اليمن، غير أنهم سيتذكرونه كتابعٍ، ساوَمَ وباع بلادَه لإيران بثمن بخس

الحوثي المعتدي اليوم يعرف أن أخاه حسين قُتل في حروب الداخل اليمني، ويعرف أن العائلة عانت مصائر صعبة، وأن تاريخ اليمن لن يكون ممتنا للتخلف الذي أغرقوا فيه البلاد، وهو يدرك أن اللحظة التي تنتهي بها الأزمة سوف يجد نفسه أمام أسئلة الأبرياء من الشعب اليمني، الذي دخل فواتاً تاريخياً مفتوحا، ولا حل لهذه المعضلة إلا باقتلاعه وجماعته من السلطة التي يملكونها، وعودتهم كمواطنين للعيش مع أهل اليمن في إطار الدولة الوطنية الشرعية.

أما الحوثي التابع لإيران، فهو القادم من الماضي بدعوى إحياء "الهادوية السلالية"، إذ ترتكز الحركة الحوثية (التي بدأت كمنتدى ثقافي باسم "الشباب المؤمن" في التسعينات) على إحياء الفكر الهادوي المتشدد داخل المذهب الزيدي. ويقوم هذا الفكر على حصر الحق في الحكم والسيادة في سلالة معينة، ويريد العودة لدولة الإمام الهادي إلى الحق، يحيى بن الحسين بن القاسم (859-911م) مؤسس الدولة الهادوية والإمامة الزيدية في اليمن، والذي يعد الشخصية المحورية التي صاغت الأدبيات السياسية والفقهية للمذهب الزيدي في اليمن، ما يضع الفكرة الحوثية برمتها في تصادم مباشر مع النظام الجمهوري اليمني القائم على التعددية والمواطنة المتساوية، وبالتالي الاصطدام بفكرة الدولة، مقابل أنصار فكرة المحاربين الراغبين بالغنائم والسلطة الثيوقراطية.

مع نمو نشاط الجماعة وسيطرتها على إقليم صعدة، بدا بوضوح  تأثر الاِبن حسين الحوثي (1956-2004) الذي قُتل بحرب صعدة الأولى عام 2004، في مساره الفكري بالثورة الإيرانية، كما تأثر معه والده بدر الدين الحوثي (1926-2010) الذي يعد الأب الروحي للحوثيين، متبعين ومنقادين لنظرية "ولاية الفقيه"، مما نقل الجماعة من طابعها الفقهي المحلي، إلى حركة أيديولوجية مسلحة تسعى لفرض رؤيتها بالقوة، وتتبنى شعارات ثورية عابرة، وهذا ما ورثه القائد الحالي للجماعة عبد الملك الحوثي عن والده بدر الدين وشقيقه حسين.

لم يُخف الحوثيون رحلاتهم لقم والتتلمذ بها، ولم تُخفِ إيران دعمها لهم، لكن لا بد من التذكير بأن الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح أخطأ بمساكنتهم ومهادنتهم، حتى انقلبوا عليه واحتلوا صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، ليُدخلوا اليمن وأهله في نفق مظلم من تاريخ عصور الانحطاط، والحروب الطويلة التي لم تعد على اليمن بأية فائدة غير الدمار.

لا يحتاج اليمنيون اليوم إلى صفقة مع أحد ولا إلى الجلوس إلى طاولة حوار وطني، فكل ذلك جُرّب في الصراع اليمني مع الحوثيين، بل يحتاجون لإرادة قوية لمواصلة دحر جماعة "أنصار الله" وتبديدها وإعادة بناء البلاد، ولا تحتاج السعودية لوساطة إيران حيث كان قاسم سليماني يفتخر ذات يوم بحكمه لصنعاء إلى جانب بيروت ودمشق وبغداد وغزة.

أخيراً، التابع لا يمكنه أن يكون حراً، لأنه في لحظة بيع الوطن للغريب، قرر سلوك مسار الذل والردى. لذا، لن تُحجز لعبد الملك الحوثي أية مساحة في ذاكرة أطفال اليمن، غير أنهم سيتذكرونه كتابعٍ، ساوَمَ وباع بلادَه لإيران بثمن بخس.

font change