منذ قيام الدولة السورية الجديدة، بادر الأردن إلى تقديم كل ما يستطيع لدعم سوريا في مرحلة انتقالها الصعبة، واستقبلت دمشق الموقف الأردني بروح من الود والتقدير. فقد احتفل الأردنيون بسقوط نظام الأسد، ورأوا في نهاية حكمه فرصة لتحرير سوريا من النفوذ الإيراني، واستعادة الدولة السورية لدورها ومكانتها، وفتح صفحة جديدة في تاريخ بلاد الشام. ولم يكن تعبير "تحرير الشام" مجرد توصيف لحدث سياسي عابر، بل حمل، في دلالته التاريخية، معنى الخروج من أزمنة الضعف والتفكك، واستعادة القدرة على النهوض وبناء الدولة.
لم يسأل الأردنيون عن مطمع أو مغنم في سوريا بعد عقد ونيف من الثورة التي أثقلت كاهل بلادهم باستحقاقات كبيرة، بل ظلوا على وفائهم لقيمهم وكراماتهم، وحين استقبلوا الأشقاء السوريين الفارين من بطش نظام الأسد منذ عام 2011 كانوا على يقين بأنهم لا يستقبلون لاجئين بل إخوة وأشقاء، وعند السوريين بقية الحكاية في معاني وشكل إقامتهم في الأردن، وهم (أي أهل الشام) الحاضرون في أزمنة بناء الدولة الأردنية منذ قيامها وحتى اليوم.
لكن ما حصل بعد أحداث الاعتداء على كنيسة قرية حمود وقيام الجيش الأردني بضرب عناصر داعشية متطرفة بالجنوب السوري (وهي ليست المرة الأولى ضد مهربين ومتطرفين). ومع أن بيان الحكومة الأردنية أسف لسقوط ضحايا من الأطفال عندما استهدفت الغارة أكثر من عشرين عنصرا من عناصر "داعش"، فإن هناك من حاول تأجيج العلاقة بين الدولتين لخدمة أجندات إقليمية ومحلية معروفة، بالرغم من الحرص المشترك بين القيادتين على بذل أقصى درجات التعقل لتجاوز الحدث.
لاحقاً توالى التصعيد من عناصر لا تريد خيرا للعلاقة بين البلدين، مع إنكار سوري بأن بالجنوب منطقة متوترة، وهو أمر يعلم أسراره ووضعيته كل مطلع على الجنوب، وسبب التوتر الأساسي وجود شبكات مهربين ومصالح مستفيدة من الوضع القائم، يضاف لذلك التوغلات الإسرائيلية المتكررة التي تطمح للسيطرة على الجنوب السوري والوصول للسويداء، التي طلب لها حكمت الهجري حماية إسرائيلية، وللأسف كان التعويل من قبل السوريين منذ البداية أن السويداء معزولة في الجبل، ولا تملك القدرة على الاستمرارية، لكن الدعم والرعاية الإسرائيلية باتت تحول دون ذلك، أي إن فكرة عدم وجود مقومات للاستمرار بالعزلة والعودة لحضن الدولة باتت صعبة في ظل الدعم الإسرائيلي لجماعة الهجري التي كررت مقولة إن إسرائيل وفّرت "الحماية الإنسانية" لهم. وفي المقابل هناك تعقل سوري بعدم اللجوء لحرب جديدة مع إسرائيل.
سوريا تحتاج إلى جوار عربي موثوق يساندها في إعادة البناء واستعادة الدولة. وبين عمان ودمشق مصالح جغرافية وتاريخية واقتصادية وأمنية لا يمكن تجاهلها أو التفريط بها
لا شك أن هناك مستفيدين من زعزعة العلاقات الأردنية-السورية، وفي مقدمتهم بقايا النظام البائد، وبقايا شبكات التهريب وجماعات التطرف وأنصار إيران وأذرعها، وكل هذه الجماعات تلتقي مصالحها مع لحظة التوتر أو الغضب التي سادت سوريا مؤخرا تجاه جارتهم الأردن التي تنسق كل تحركاتها الأمنية مع الحكومة السورية.
لكن ما الحل؟ الإجابة ليست فقط في عمان، بل في دمشق التي تابعت حملات الهجوم الكبيرة على القيادة الأردنية عبر شبكات وحسابات في وسائل التواصل الاجتماعي، مع أن الخطاب الرسمي للدولة ظل عقلانيا وراشدا وعبر عنه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وكثير من النخب العاقلة التي رأت وجوب التنسيق لحفظ الأمن والسيادة. وهذا أمر يحتاج إلى عمل موازٍ في الإعلام الاجتماعي، وفي تجاوز ما حدث لصالح حماية الإنجاز السوري وحفظ الأمن على الحدود.
هناك أصوات وحسابات لها مصالح في انحدار العلاقة الأردنية-السورية، ولكن هناك أصواتا عاقلة وراجحة تملك الـتأثير، ودفع المساعي الأردنية-السورية المشتركة لما هو أفضل، ومع أن الجيش العربي ومختلف الأجهزة الأمنية الأردنية متعاونة مع الأشقاء في سوريا، وهو تعاون معلن وغير خفي، فإن هناك من حاول التشكيك وإشاعة الفرقة بين البلدين، وهو أمر لا يخدم إلا من يريد لسوريا مزيدا من الفوضى والانقسام.
إن المطلوب اليوم هو البناء على ما تحقق، لا العودة إلى مربع الشكوك والاتهامات. وهذا يقتضي تطوير آليات التنسيق الأمني، وضبط الحدود، ومواجهة شبكات المخدرات والسلاح والتنظيمات المتطرفة، مع احترام سيادة سوريا وحماية المدنيين، إلى جانب صيانة المعابر والتبادل التجاري وأمن العاملين والمسافرين. فالأمن لا ينفصل عن الاقتصاد، والاستقرار لا يتحقق بالتصريحات وحدها، بل بقدرة الدولتين على تحويل التفاهم السياسي إلى تعاون عملي ومستدام.
لقد أثبت التاريخ أن العلاقة الأردنية-السورية أعمق من أن تختزل في حادثة عابرة، وأوسع من أن تحاصرها حسابات الجنوب وحده. فالأردن لا يريد لسوريا إلا أن تستعيد عافيتها وسيادتها واستقرارها، وسوريا تحتاج إلى جوار عربي موثوق يساندها في إعادة البناء واستعادة الدولة. وبين عمان ودمشق مصالح جغرافية وتاريخية واقتصادية وأمنية لا يمكن تجاهلها أو التفريط بها.
إن الرهان الحقيقي ليس على تجاوز أزمة إعلامية أو احتواء حادث أمني فحسب، بل على حماية العلاقة من محاولات الاستنزاف، وإدراك أن المستفيد الأول من الخلاف هو كل من يريد لسوريا أن تبقى ضعيفة، وللأردن أن يواجه حدوداً مضطربة. لذلك، فإن مستقبل العلاقة بين البلدين ينبغي أن يُبنى على الثقة والتنسيق والاحترام المتبادل، وعلى قناعة راسخة بأن استقرار سوريا مصلحة أردنية، كما أن استقرار الأردن مصلحة سورية. فسوريا والأردن أبعد من مسألة الجنوب، وأكبر من أن تختصر علاقتهما في لحظة توتر.