مجلس الشعب السوري... أين التشريع؟

مجلس الشعب السوري... أين التشريع؟

استمع إلى المقال دقيقة

كان يفترض أن يكون مجلس الشعب واحداً من أكثر مؤسسات المرحلة الانتقالية نشاطاً. هكذا قيل للسوريين قبل انتخابه: أعضاء متفرغون، عمل تشريعي كبير، قوانين تحتاج إلى مراجعة، ومرحلة جديدة تتطلب تشريعات تواكبها. لكن بعد كل هذا الكلام، يبقى السؤال الأكثر بساطة وإلحاحاً: أين العمل؟

اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب لم تتحدث عن وظيفة شرفية، رئيسها محمد طه الأحمد قال إن عضوية المجلس تتطلب "التفرغ الكامل" لأنها "وظيفة تشريعية بامتياز". بل إن التفرغ أُدرج ضمن شروط الترشح، وطُلب من المرشح أن يتعهد بالتفرغ لعمل المجلس في حال فوزه. وقد يكون الكثير من الأعضاء اليوم متفرغين فعلاً، لكنهم ينتظرون ورشة العمل التي قيل إنها تنتظرهم.

إذن، نحن أمام مجلس قيل إن عليه أن يعمل بكامل طاقته، وفي مرحلة قيل إنها تحتاج إلى ورشة تشريعية واسعة. لكن حتى قبل أن يبدأ المجلس عمله، ظهرت مشكلة أخرى، فالمواعيد التي أعلنتها اللجنة لم تصمد أمام الواقع.

قيل إن الجلسة الأولى ستكون في مطلع سبتمبر/أيلول 2025. ثم تأخرت العملية الانتخابية نفسها، وانتقلت إلى أكتوبر/تشرين الأول، واستمر التأجيل والتسويف نحو عام. وقد تكون هناك أسباب موضوعية لهذا التأخير، لكن ما لم يحصل بالقدر الكافي هو أن تُشرح هذه الأسباب للرأي العام بوضوح: لماذا تغيرت المواعيد؟ ماذا حدث؟ ومن وضع الجدول الأول؟ ولماذا لم يتحقق؟

بل كنا نسمع تبريرات متضاربة، بدءاً من انتظار حل نهائي لملف "قوات سوريا الديمقراطية"، وصولاً إلى القول إن الأعضاء ينتظرون انتهاء أعمال تجديد وترميم مبنى البرلمان كي يجتمعوا؛ وكأن سوريا تملك رفاهية تأجيل العمل التشريعي إلى حين انتهاء أعمال الترميم والديكور.

هذه ليست تفاصيل إجرائية هامشية. عندما تعلن مؤسسة رسمية موعداً لبدء عمل مؤسسة تشريعية، يصبح من حق المواطن أن يعرف لماذا لم يُلتزم بالموعد؟ ومتى بدأ المجلس عمله فعلياً، وماذا أنجز منذ ذلك الحين؟

هذه ليست تفاصيل إجرائية هامشية. عندما تعلن مؤسسة رسمية موعداً لبدء عمل مؤسسة تشريعية، يصبح من حق المواطن أن يعرف لماذا لم يُلتزم بالموعد


ثم تأتي المفارقة الأكبر: إذا كان أعضاء المجلس مطالبين بالتفرغ، وإذا كان أمامهم هذا الكم من القوانين التي تحتاج إلى المراجعة، وإذا كانت المرحلة الانتقالية تحتاج إلى تشريعات جديدة، فأين ورشة التشريع؟

صلاحيات المجلس ليست محدودة. فهو معني بالتشريع ومراجعة القوانين وتعديلها أو إلغائها، وإقرار الموازنة والمصادقة على المعاهدات، إضافة إلى أدوات الرقابة البرلمانية، ومنها جلسات الاستماع للوزراء.

وقد بدأ المجلس بممارسة بعض مهامه فعلاً، وعقد جلسات استماع لوزراء. لكن جلسات الاستماع، مهما كانت مهمة، لا يمكن أن تحل محل الوظيفة الأساسية للمجلس: التشريع والعمل على القوانين التي قيل إن البلاد تنتظرها.

المطلوب ليس أن يشرّع المجلس بسرعة، أو أن يحوّل كل جلسة إلى سباق مع الزمن. المطلوب أن يرى المواطن أين يعمل المجلس وماذا يعمل.

ما هي القوانين الموجودة على طاولة اللجان؟ ما أولوياتها؟ كم مشروع قانون أُنجز؟ كم مشروعاً لا يزال قيد الدراسة؟ متى تجتمع اللجان؟ وما الذي خرجت به اجتماعاتها؟

هنا تحديداً تبدأ الشفافية الحقيقية.

فالشفافية ليست أن نعرف أن جلسة انعقدت، أو أن وزيراً دخل قاعة المجلس وخرج منها. الشفافية أن يعرف المواطن ماذا نوقش، وماذا تقرر، وماذا أُنجز، وماذا تعطل، ولماذا.

وفي مؤسسة قيل إن أعضاءها متفرغون للعمل التشريعي، لا ينبغي أن يضطر المواطن إلى البحث بنفسه عن إجابة سؤال بسيط: ماذا يفعل مجلس الشعب؟

السؤال ليس معقداً: أين الورشة؟

وكم سينتظر السوريون كي تتغير قوانين عهد بشار الأسد التي لا تزال سارية؟ وكيف سيبدأ بناء المؤسسات إذا لم تصدر القوانين والتشريعات الناظمة لعملها؟ وكيف ستبدأ ورشة إعادة الإعمار من دون ورشة تشريعية تسبقها، تضع القواعد التي تحمي المستثمر والمواطن والدولة معاً؟

ويبقى غياب الشفافية أحد أبرز مكامن الخلل. فالمواطن يسمع الكثير من التصريحات والوعود المتضاربة، حتى إن قضايا أساسية تمس حياته اليومية تتحول إلى "ترند" سرعان ما يختفي ليحل مكانه "ترند" آخر، من دون أن يحصل السوري على إجابات واضحة أو معلومات موثوقة.

الشفافية لا تعني أن على الحكومة أن تطلع الشعب على كل تفاصيل الحكم، ولا على الملفات التي لا يصح الإفصاح عنها. لكنها تعني، في الحد الأدنى، أن لا تصدر تصريحات متضاربة على ألسنة المسؤولين، وأن لا يخرج مسؤول ليعلن بلغة الأرقام معلومات أو مواعيد، ثم نسمع بعد أيام أرقاماً ومواعيد مختلفة من الجهة نفسها من دون تفسير واضح.

سوريا اليوم بحاجة إلى ورش عمل لا تتوقف، وإلى مجلس تشريعي ومؤسسات تعمل بوتيرة تتناسب مع حجم المرحلة. رفاهية الوقت ليست ترفاً تملكه البلاد.

لا يملكها الاقتصاد المنهك، ولا المواطن الذي ينتظر القوانين التي تنظم حياته، ولا المستثمر الذي يحتاج إلى بيئة قانونية واضحة، ولا الدولة التي تحاول بناء مؤسساتها من جديد.

ولهذا، فإن السؤال عن مجلس الشعب ليس فقط: كم جلسة عقد؟ السؤال الأهم هو: ماذا أنجز في كل جلسة، وماذا ينتظر السوريون من الجلسة التالية؟

فقد قيل لنا إن أمام المجلس عملاً كثيراً. وقيل لنا إن أعضاءه متفرغون. وقيل لنا إن البلاد تحتاج إلى ورشة تشريعية واسعة.

إذن أين خلية النحل؟

font change