لم تكن الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026 مجرد منافسة تقليدية على رئاسة الحكومة، بل جاءت في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، إذ تخوض إسرائيل حرباً مفتوحة مع إيران، وتواصل عملياتها العسكرية وتوغلاتها في الأراضي السورية، محكومة بتداعيات ما بعد السابع من أكتوبر. وقد أسفرت النتائج عن مفارقة سياسية تتمثل في عجز بنيامين نتنياهو عن نيل أغلبية تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده بحصول معسكره على ثلاثة وخمسين مقعداً مقابل ثمانية وأربعين مقعداً لمعارضة غادي آيزنكوت، مما يضع إسرائيل أمام مرحلة من المفاوضات المعقدة أو حكومات الائتلاف الهشة.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه الانتخابات في أنها كشفت عن بنية المجتمع الإسرائيلي وموقفه من السياسات الأمنية المتبعة منذ هجمات السابع من أكتوبر؛ فعموم الناخبين لم يتجهوا نحو مراجعة جذرية لعقيدتهم الأمنية رغم الخلافات الحادة حول مسؤولية نتنياهو عن الإخفاق الأمني وإدارة الحرب ومستقبل الحكم. ولم تكن المنافسة بين نتنياهو وآيزنكوت مواجهة بين معسكر سلام وآخر حرب، فرئيس الأركان السابق لا يمثل تياراً يسارياً يدعو إلى تغيير سياسي جذري، بل يقود معارضين من الوسط واليمين يختلفون مع نتنياهو في طريقة إدارة الدولة والمؤسسات، لا في جوهر العقيدة الأمنية. وهذا يعني أن سقوط نتنياهو السياسي، إن تحقق، لا يعقبه بالضرورة سقوط للنهج الأمني القائم على توسيع حرية العمل العسكري خارج الحدود والاحتفاظ بمناطق عازلة. ومع بلوغ نسبة المشاركة نحو 77.7 في المئة وهي الأعلى منذ عام 1999، تجلت حالة الاستقطاب العميقة، في وقت حافظ فيه نتنياهو على قاعدته الصلبة رغم خسارته للأغلبية البرلمانية المطلقة، مما يجعله رقماً صعباً يصعب تجاوزه في المشهد السياسي.
تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه الانتخابات في أنها كشفت عن بنية المجتمع الإسرائيلي وموقفه من السياسات الأمنية المتبعة منذ هجمات السابع من أكتوبر
وعلى الصعيد السوري، تكتسب نتائج الانتخابات أهمية استثنائية في ظل التغيرات الجذرية التي شهدتها البلاد منذ ديسمبر/كانون الأول 2024؛ فلم تقتصر التحركات الإسرائيلية على استغلال الفراغ أو تغيير قواعد الاشتباك، بل تعدتها إلى تجاوز خطوط فض الاشتباك لعام 1974 والسيطرة على مواقع استراتيجية جبلية في مقدمتها جبل الشيخ، وتنفيذ توغلات متكررة في ريف دمشق والقنيطرة ودرعا. هذا الواقع الميداني يضع السلطة السورية الجديدة أمام تحدٍ وجودي يتمثل في استعادة سيادة الدولة دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية غير محسوبة. وهنا تبرز فرضيتان أساسيتان حول مستقبل السلوك الإسرائيلي تجاه سوريا؛ الأولى تقوم على استمرار سياسة الأمر الواقع وتكريس الوجود العسكري الإسرائيلي في العمق السوري كمنطقة عازلة وضمانة أمنية في حال ترميم نتنياهو لائتلافه اليميني المتشدد. أما الثانية فتفترض التحول نحو تفاوض أمني منتظم إذا أفضت المفاوضات إلى تشكيل حكومة بقيادة آيزنكوت أو ائتلاف وسط-يمين معتدل تفتح قنوات دبلوماسية وأمنية لبحث ترتيبات ضبط الحدود والانتشار العسكري، ورغم أن هذا المسار قد يخفض حدة التوتر الميداني، فإنه لا يعني انسحاباً إسرائيلياً كاملاً أو اعترافاً بالسيادة السورية بالشروط المطلوبة.
ولذلك فإن الاختبار الحقيقي لدمشق يكمن في إدراك أن تغيير الأشخاص في تل أبيب لا يغير الاستراتيجية الإسرائيلية، مما يحتم بناء موقف تفاوضي مدعوم بأوراق إقليمية لرفض تحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم.
وبدوره، شكل الملف الإيراني محوراً مركزياً في الانتخابات الإسرائيلية، إذ استخدمه نتنياهو كورقة لإثبات جدارته الأمنية، بينما اتخذه خصومه مدخلاً لمساءلته عن إدارة الصراع ومحدودية الإنجازات الاستراتيجية. ورغم توقف الضربات العسكرية المباشرة بين الجانبين منذ يونيو/حزيران الماضي بضغط أميركي، فإن الحرب لم تنتهِ. وتتعدد مسارات انعكاس مفرزات الانتخابات على الجبهة الإيرانية، بين استمرار النهج الهجومي في حال بقاء نتنياهو وحلفائه بما يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد المحتمل والضربات الاستباقية ضد البنى التحتية أو الأذرع الإقليمية إذا تعثر المسار الدبلوماسي، وبين إدارة أضيق للمواجهة في حال وصول شخصيات مثل آيزنكوت عبر التركيز على ضرب القدرات النوعية بدلاً من السعي المباشر لتغيير النظام مع الحفاظ على الهدف الاستراتيجي المتمثل بمنع امتلاك السلاح النووي.
وفي المقابل، يثير بقاء حكومة تصريف برئاسة نتنياهو مخاوف إقليمية من لجوء تل أبيب إلى مغامرات عسكرية كبرى لقطع الطريق على أي تسويات. ويبقى العامل الأميركي محدداً كابحاً، إذ لا تبدو إدارة واشنطن متحمسة لحرب إقليمية مفتوحة، مما يربط قدرة أي حكومة إسرائيلية مقبلة على توسيع نطاق الحرب بالتنسيق معها وحسابات الكلفة الإقليمية الباهظة.
خلاصة القول، لا تعكس نتائج الانتخابات الإسرائيلية تحولاً جذرياً في استراتيجية تل أبيب الإقليمية؛ فسقوط نتنياهو- إن حدث- لن يمحو العقيدة الأمنية القائمة على التدخل العسكري الاستباقي وفرض المناطق العازلة وملاحقة النفوذ الإيراني. وبالنسبة لسوريا، يبقى الرهان الحقيقي مرتبطاً بقدرة الدولة على تعزيز جبهتها الداخلية وتثبيت مؤسساتها لمواجهة محاولات فرض الأمر الواقع الإسرائيلي، مع إدراك أن تداخل الساحة السورية بالحسابات الإيرانية الإسرائيلية يجعل أي تسوية مشروطة بقدرة دمشق على حماية استقرارها بمعزل عن ساحات الصراع الإقليمي.