طوفان الأقصى... حين انتصر الآخرون وخسرت فلسطين

طوفان الأقصى... حين انتصر الآخرون وخسرت فلسطين

حلّت قبل أيام الذكرى الثالثة لعملية "طوفان الأقصى"، العملية التي غيّرت وجه الشرق الأوسط، ويخشى كثيرون أن تكون قد وضعت المنطقة على طريق تغيير خرائطها أيضاً.

لا أزال أذكر اللحظات الأولى والأيام الأولى للعملية: هيجاناً جماهيرياً مرحّباً بها، وتصريحات لقادة محور الممانعة وداعميهم تعلن قرب نهاية دولة إسرائيل. ولا أزال أذكر حملات التخوين التي تعرّضنا لها، نحن الذين اتخذنا موقفاً رافضاً للعملية، وذهبنا أبعد من ذلك حين قلنا إن قتل المدنيين عمل إرهابي، لا يمكن تبريره بأي ذريعة.

نُشرت قوائم بأسمائنا، زاعمةً أننا عملاء لإسرائيل، وأن هذه القوائم عُثر عليها في أجهزة كمبيوتر تابعة للعدو. ولكم أن تتخيلوا أن عدوّاً يحتفظ بقوائم بأسماء عملائه، مرفقةً بحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي على كمبيوتر.

أذكر أنني، بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كنت ضيفة على إحدى المحطات التلفزيونية، وقلت، بما معناه، إن قادة "حماس" ارتكبوا جريمة بحق فلسطين والفلسطينيين. يومها، أرسل إليّ زوجي رسالة وأنا على الهواء، قال فيها: "دعكِ من (حماس)، لستِ بحاجة إلى مزيد من الخصوم". وبطبيعة الحال، لم أستمع إلى نصيحته، لأنني كنت على يقين بأن فلسطين ستكون أول من يدفع ثمن ما فعله يحيى السنوار.

قبل أيام، نجونا من كارثة كان من الممكن أن تفوق تداعياتها ما خلّفه "طوفان الأقصى" من كوارث. أعني حادثة "فلاي دبي". وأنا أقرأ التقارير المتتالية عن الحادثة، لم يكن يخطر في بالي سوى سؤال واحد: لو نجحت العملية، كم منّا كان سيحتفل بها، ويعتبرها انتصاراً جديداً؟

بذريعة السابع من أكتوبر، ها هو رئيس الوزراء الإسرائيلي يقتل ويدمّر من دون حساب، فيما تدفع القضية الفلسطينية الثمن، ومعها الفلسطينيون أنفسهم. وها هي أخبار غزة تتراجع إلى نهاية النشرات الإخبارية، فنحن شعوب صرنا نعتاد الموت والقتل.

دخل الأمين العام السابق لـ"حزب الله"، حسن نصرالله، المعركة بذريعة إسناد غزة، فكانت النتيجة تدمير لبنان، وثمناً دفعه الحزب نفسه وقياداته. ومع ذلك، لا تزال بقايا "الحزب"، بإيعاز من طهران، متمسكةً بسياسة لا يبدو أنها ستنتهي إلا بتدمير آخر حجر في لبنان.

أما نتنياهو، فيواصل اعتداءاته اليومية على السيادة السورية، متذرّعاً بالخوف من تكرار ما حدث في ذلك اليوم المشؤوم على الحدود السورية. يحدث ذلك رغم تأكيد السلطة في دمشق، منذ وصولها إلى الحكم، أنها لا تسعى إلى حرب، ولا تشكّل تهديداً لأي طرف، بما في ذلك إسرائيل.

لكن، لنتوقف عند سؤال من نوع آخر: صحيح أن فلسطين والفلسطينيين خسرا الكثير، لكن ألم تُفضِ تداعيات معركة السابع من أكتوبر إلى "انتصارات" من نوع آخر في المنطقة؟ ألم يكن استنزاف "حماس" و"حزب الله" وإضعافهما بداية تراجع محور إيران في المنطقة؟ ألم يستغلّ المقاتلون في سوريا ضعف إيران وميليشياتها وانهيار جيش الأسد، ويلتقطوا اللحظة لتنفيذ عملية "ردع العدوان" التي حرّرت سوريا من إيران والأسد معاً؟ هذا ما يقوله المقاتلون أنفسهم عن تجربتهم.

ألم يكن إضعاف "حزب الله" وسقوط الأسد عاملين أساسيين في وصول حكومة إلى لبنان تعلن أن استعادة سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية باتت أولوية؟

القضية الفلسطينية أكبر من "حماس"، وأكبر من "حزب الله"، وأكبر من إيران، كما أنها أكبر من كل من يتاجر بها باسم المقاومة. فلسطين ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا وقوداً لمشاريع الآخرين

كانت لحظة تقاطعت فيها مصالح الأصدقاء والأعداء، وهذا ليس عيباً ولا خيانة. فالتقاء المصالح لا يعني تطابق الأهداف، كما أن الاستفادة من لحظة سياسية لا تعني الارتهان لمن يستفيد منها معك. لقد أعلنت دول في المنطقة الحرب على الميليشيات التي تنازع الدولة سلطتها وتفرض على المجتمعات حروباً لا تقررها بنفسها. وهذه المواجهة، التي يحاول البعض تصويرها على أنها خدمة لإسرائيل، تصبّ في مصلحة الدولة، في سوريا ولبنان والعراق واليمن، وفي كل مكان ظلّ تحت تهديد ميليشيات إيران.

وإذا نظرنا إلى المشهد أبعد قليلاً، فسنجد أن نجاح الدولة في هذه المواجهة لا يعني إضعاف تطرف ميليشيات الإسلام السياسي بشقّيه الشيعي والسني فحسب، ولا سيما القوى المتحالفة مع طهران التي تواجه اليوم تراجعاً واضحاً في نفوذها؛ بل قد يفتح أيضاً الباب أمام إضعاف التطرف الإسرائيلي، الذي يستفيد من وجود خصوم مسلّحين ومن حروب مفتوحة ليبرّر سياساته التوسعية ويتهرّب من أي مساءلة.

لكن هذا المسار لن يكتمل من دون يقظة فلسطينية؛ يقظة تنقذ قضية عادلة يتولى الدفاع عنها محامون فاشلون، بل إن بعضهم حوّلها إلى تجارة مربحة، فيما يواصل الشعب الفلسطيني دفع الفاتورة من دمه وأرضه ومستقبله.

على الفلسطينيين استعادة قضيتهم من تجّارها. فعندما جلس هؤلاء التجار إلى طاولات المفاوضات، نسوا القضية، ونسوا شعب غزة، ولم يدخلوا إلى أطفالها علبة حليب واحدة. وبينما كان الفلسطينيون يواجهون الموت والجوع والتهجير، كان من يفترض أنهم يمثلونهم يتعاملون مع مأساتهم بوصفها ورقة تفاوض، ومع تضحياتهم بوصفها رصيداً سياسياً.

بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، لم يعد السؤال مَن انتصر في الساعات الأولى، ولا مَن أطلق الصاروخ الأول، ولا مَن رفع الشعارات الأعلى. السؤال الحقيقي هو: مَن بقي له وطن، ومَن خسر شعبه مستقبله، ومَن حوّل الدم إلى نفوذ، والخراب إلى مكاسب سياسية؟

قد تتغير موازين القوى، وقد تسقط أنظمة وتتراجع ميليشيات، وقد تجد الدول فرصة لاستعادة سيادتها. لكن لا شيء من ذلك يُعدّ انتصاراً كاملاً ما لم يستعد الفلسطينيون حقهم في الحياة والحرية والدولة، وما لم تتحرر قضيتهم من أولئك الذين يختبئون خلف عدالتها لتبرير مغامراتهم، ثم يتركون شعبها وحيداً في مواجهة النتائج.

فالقضية الفلسطينية أكبر من "حماس"، وأكبر من "حزب الله"، وأكبر من إيران، كما أنها أكبر من كل من يتاجر بها باسم المقاومة. فلسطين ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا وقوداً لمشاريع الآخرين، ولا ورقة في يد من يقرر الحرب ثم يترك شعبها يدفع الثمن. وإذا كان السابع من أكتوبر قد غيّر الشرق الأوسط، فإن الامتحان الحقيقي اليوم هو ما إذا كان الفلسطينيون سيستعيدون قرارهم وقضيتهم، أم سيتركون الآخرين يكتبون مستقبلهم مرة أخرى، بدمهم هذه المرة أيضاً.

إلى ذلك الحين، على دول المنطقة جميعاً الاستمرار في المعركة، المعركة بين الدولة والساحة، بين السيادة والميليشيات العابرة للحدود، فأياً كان ثمن المعركة كبيرا تبقى التكلفة أقل من تكلفة بقاء الميليشيات مهيمنة على القرار.

font change