هل تدعم المكاسب الميدانية لحكومة اليمن استعادة إنتاج النفط؟

التطورات العسكرية تضع عودة التدفقات أمام اختبارات جديدة

رويترز
رويترز
آلات حفر وتنقيب في صحراء مأرب، اليمن، 30 سبتمبر/أيلول 2020

هل تدعم المكاسب الميدانية لحكومة اليمن استعادة إنتاج النفط؟

يشهد اليمن منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026 تحوّلا عسكريا وسياسيا مهما، مع انتقال الحكومة الشرعية، بقيادة مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، من احتواء هجمات الحوثيين إلى إطلاق عملية عسكرية واسعة لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

ولعل أبرز التطورات هو إعلان الحكومة استعادة مواقع استراتيجية على الساحل الغربي، ولا سيما محيط مضيق باب المندب والمخا، والتقدم في جبهات تعز. لكن هذه المكاسب لا تعني استعادة السيطرة على اليمن بأكمله، إذ لا يزال الحوثيون يسيطرون على صنعاء ومناطق واسعة في شمال البلاد، فيما تستمر المعارك والهجمات المضادة.

ومما لا شك فيه أن هذا التطور الميداني يخدم مصالح الحكومة اليمنية التي سبق وأعلنتها لجهة استئناف تصدير النفط. ففي 20 يوليو/تموز 2026 أعلن العليمي استئناف تصدير النفط الخام من المناطق الخاضعة للحكومة، بعد توقف الصادرات منذ هجمات الحوثيين على موانئ التصدير في حضرموت وشبوة في أكتوبر/تشرين الأول 2022. وقالت الحكومة إن العائدات ستُستخدم في دفع الرواتب وتمويل الخدمات ودعم الاستقرار الاقتصادي.

كم كانت تبلغ الصادرات النفطية؟

كان النفط كان قبل توقف الصادرات المصدر الرئيس للعملة الأجنبية والإيرادات الحكومية. وقدرت مصادر حكومية أن توقف صادرات النفط حرم الدولة من مورد أساس لتمويل الرواتب والخدمات، فيما تشير تقديرات منشورة إلى أن النفط كان يمثل نحو 70 في المئة من إيرادات الدولة قبل توقفه.

وتعود أهمية النفط للاقتصاد اليمني إلى كونه مصدرا رئيسا للعملة الأجنبية؛ فقد بدأ إنتاجه عام 1986 بمعدل نحو 10 آلاف برميل يوميا، قبل أن ترتفع الصادرات سريعا. وأسهمت عائدات النفط في توفير النقد الأجنبي اللازم لتمويل الواردات ودعم موارد الدولة وميزان المدفوعات، ومن ثم الحد من الضغوط على الاحتياطيات وسعر الصرف.

ودخل قطاع النفط اليمني "عصره الذهبي" مع مطلع الألفية، إذ تجاوز الإنتاج عتبة الـ 400 ألف برميل يوميا لأول مرة في عام 1999، قبل أن يسجل ذروته التاريخية عند 457 ألف برميل يوميا في عام 2002.

إلا أن إنتاج النفط بدأ يتراجع نتيجة تداخل عوامل هيكلية وسياسية وأمنية، بداية مع التراجع الطبيعي ونضوب الحقول الرئيسة مثل مأرب والمسيلة، وتزامن ذلك مع ضعف الاستثمار والاستكشاف وارتفاع تكلفة تطوير الاحتياطيات المتبقية. ثم أدت الهجمات المتكررة على أنابيب ومنشآت النفط الى توقف إنتاجها قبل أن تتسبب حرب 2015 في انسحاب الشركات الأجنبية وتعطّل الإنتاج والصيانة والاستثمار وتضرر البنية التحتية. وعلى الرغم من تعافٍ جزئي للإنتاج بعد 2016، ظل دون مستويات ما قبل الحرب، قبل أن تؤدي هجمات الحوثيين على موانئ التصدير في 2022 إلى توقف صادرات الخام، وتفاقم التراجع بسبب غياب منفذ تصدير آمن ومجدٍ اقتصاديا.

استهداف ميناءي الضبة في حضرموت ورضوم في شبوة مثّل انتقالا للصراع إلى موانئ تصدير النفط في مناطق سيطرة الحكومة، بعدما تحولت تحذيرات الحوثيين من تصدير النفط إلى هجمات بطائرات مسيّرة عطّلت عمليات التصدير

فبعدما بلغ نحو 156 ألف برميل يوميا في 2014، انخفض بشدة في 2015 مع توقف معظم عمليات الإنتاج، قبل أن يصل إلى مستويات متدنية للغاية في 2016.

ومثّلت الفترة بين 2015 و2020 مرحلة تحول استثنائية في قطاع النفط والاقتصاد اليمني، إذ أدت الحرب إلى انسحاب معظم الشركات النفطية الأجنبية من عملياتها، وإعلان عدد من المشغلين حالة القوة القاهرة، وتعليق أو تقليص أعمال الاستكشاف والإنتاج في غالبية القطاعات. وتوقف معظم إنتاج النفط والغاز في 2015، قبل أن يُستأنف إنتاج محدود في بعض القطاعات تدريجيا منذ 2016، الأمر الذي ألحق خسائر كبيرة بالقطاع النفطي والاقتصاد اليمني، وأضعف تدفقات الإيرادات والنقد الأجنبي.

واستمر إنتاج النفط في اليمن عند مستويات منخفضة تاريخيا خلال السنوات التالية، إذ بلغ متوسط إنتاج النفط والغاز الهيدروكربوني نحو 51.4 ألف برميل يوميا عام 2022، مقارنة بنحو 61.6 ألف برميل يوميا عام 2021، وبمستويات أعلى بكثير قبل الحرب. 

رويترز
الرئيس اليمني رشاد العليمي يلقي كلمة متلفزة إلى الشعب من الرياض، السعودية، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026

واستقر إنتاج النفط الخام في اليمن عند مستويات منخفضة جدا خلال السنوات الأخيرة، إذ تراجع إلى نحو 22 ألف برميل يوميا في 2023، ثم إلى نحو 19 ألف برميل يوميا في 2024، وفق أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي. لتصل احتياطيات النفط المؤكدة في اليمن عند ذروتها البالغة نحو 3 مليارات برميل منذ عام 2009، وفق البيانات التاريخية التي تستند إليها "وحدة أبحاث الطاقة".

وتتركز عمليات إنتاج النفط في اليمن حاليا في حوضين رسوبيين رئيسين، هما حوض سيئون–المسيلة في حضرموت وحوض مأرب–شبوة (السبعتين)، من أصل 12 حوضا رسوبيا. ووفق هيئة استكشاف وإنتاج النفط اليمنية، تضم خريطة الامتيازات النفطية 105 قطاعات، منها 13 قطاعا منتجا، فيما لا تزال أحواض ومناطق أخرى قليلة الاستكشاف ولم تدخل الإنتاج النفطي التجاري.

كيف أثرت هجمات حضرموت وشبوة؟

في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2022، صعّد الحوثيون هجماتهم على موانئ تصدير النفط في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية، مستهدفين ميناء رضوم/النشيمة في شبوة وميناء الضبة في حضرموت، ثم واصلوا الهجمات في نوفمبر/تشرين الثاني.

وفي الضبة، استُهدفت ناقلة "نيسوس كيا" (Nissos Kea) بطائرتين مسيّرتين في 21 أكتوبر/تشرين الأول بينما كانت تستعد لتحميل نحو مليوني برميل من الخام، بعد تهديد مالك الناقلة "ماران كانوبوس" (Maran Canopus) الذي دفعه إلى عدم دخول الميناء.

ولم تسفر الهجمات عن أضرار بشرية أو مادية كبيرة، لكنها أدت عمليا إلى تعطيل صادرات النفط، إذ أحجمت الناقلات عن الرسو في الموانئ اليمنية، قبل أن تتكرر الهجمات في نوفمبر/تشرين الثاني وتمنع ناقلات أخرى من تحميل الخام.

وخلص تقرير "نار الحرب تمتد إلى حقول النفط شرقا"، الصادر عن مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي في ديسمبر/كانون الأول 2022، إلى أن استهداف ميناءي الضبة في حضرموت ورضوم في شبوة مثّل انتقالا للصراع إلى موانئ تصدير النفط في مناطق سيطرة الحكومة، بعدما تحولت تحذيرات الحوثيين من تصدير النفط إلى هجمات بطائرات مسيّرة عطلت عمليات التصدير. وبحسب التقرير، كانت الهجمات، وفقا للتصريحات الحكومية آنذاك، تهدف إلى الضغط لانتزاع مطالب الجماعة المرتبطة بعائدات النفط ومسار التفاوض حول الهدنة.

قبل توقف الصادرات في 2022، كان النفط يُنتج ويُصدّر من مناطق الحكومة بمتوسط نحو 50 ألف برميل يوميا، بينما سيطر الحوثيون على موانئ البحر الأحمر، وحققوا إيرادات من الضرائب والجمارك والرسوم على واردات الوقود وتجارة المشتقات النفطية في مناطقهم

وأخذت الأزمة مسارا أكثر تعقيدا عقب الهجمات على موانئ النفط، إذ صنّف مجلس الدفاع الوطني اليمني جماعة الحوثيين منظمة إرهابية في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2022، ووجّه الحكومة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ القرار. لكن التصنيف لم يوقف تهديدات الجماعة للموانئ وشركات النفط. وفي موازاة ذلك، تمحورت مطالب الحوثيين في مفاوضات تمديد الهدنة حول استخدام عائدات النفط والغاز لتمويل رواتب موظفي القطاع العام في مناطق سيطرتهم، بمن في ذلك العسكريون والأمنيون التابعون لهم، وهو ما رفضته الحكومة.

كما تضمنت مطالب الحوثيين الحصول على حصة من عائدات صادرات النفط، وهي مطالب رفضتها الحكومة اليمنية خلال مفاوضات تمديد الهدنة في 2022.

رويترز
ناقلة النفط "نوتيكا"، التي نقلت إليها حمولة الخزان العائم المتداعي "صافر" (FSO Safer)، إلى ميناء الحديدة على البحر الأحمر في اليمن، 17 يوليو/تموز 2023

ويحذّر تقرير "نار الحرب تمتد إلى حقول النفط شرقا" من أن استمرار توقف صادرات النفط وتفاقم الإجراءات الاقتصادية المتبادلة بين أطراف الصراع قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية والإنسانية، وارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة العملة، وتفاقم الفقر وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين.

وأصدر الحوثيون تحذيرات لجميع الشركات النفطية اليمنية والأجنبية، وشركات الخدمات النفطية، وشركات الملاحة، بالوقف الفوري لجميع الأعمال المرتبطة بعمليات إنتاج وتصدير النفط في اليمن.

ثروة لم ينجح الحوثيون في ابتلاعها

منذ سيطرتهم على صنعاء في 2014، أدرك الحوثيون أن النفط يمثل أحد أهم مفاتيح القوة الاقتصادية في اليمن، وحاولوا توسيع نطاق سيطرتهم في اتجاه مناطق الإنتاج الرئيسة، ولا سيما مأرب وشبوة. لكنهم لم يتمكنوا من إخضاع حقول النفط الرئيسة في البلاد؛ إذ بقيت مناطق الإنتاج الأساس، بما فيها حقول مأرب وشبوة وحضرموت، خارج سيطرتهم المباشرة. وكان فشل هجومهم على مأرب عام 2021 مهما في هذا السياق، إذ حال دون سيطرتهم على واحدة من أهم مناطق النفط والغاز اليمنية.

وبالتالي، لم تكن عائدات صادرات الخام الرئيسة مصدرا مباشرا لإيرادات الحوثيين. ففي الفترة التي سبقت توقف الصادرات في 2022، كان النفط يُنتج ويُصدّر من مناطق خاضعة للحكومة، بمتوسط يقارب 50 ألف برميل يوميا، فيما ظل الحوثيون يسيطرون على موانئ الحديدة ورأس عيسى والصليف على البحر الأحمر. ومن هذه الموانئ، تمكنوا من تحصيل إيرادات من الجمارك والضرائب والرسوم المفروضة على واردات الوقود، فضلا عن السيطرة على جزء مهم من تجارة المشتقات النفطية في مناطقهم.

تواصلت شركات نفط أجنبية مع الحكومة في شأن عقود مرتبطة باستئناف التصدير، وإصلاح الأضرار التي لحقت بمحطات النفط كلف الحكومة نحو 40 مليون دولار

رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي

وتحوّل النفط، لذلك، إلى أداة في الصراع أكثر منه مجرد مصدر للإيرادات. فعندما تعذر على الحوثيين السيطرة على حقول الإنتاج، استهدفوا لاحقا البنية التحتية للتصدير، وشنوا هجمات على الضبة ورضوم في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2022، مما أدى إلى توقف صادرات الخام من مناطق الحكومة.

إجراءات تلت إعلان استئناف تصدير النفط

صرّح وزير النفط والمعادن اليمني محمد عبدالله بامقاء في يوليو/تموز الماضي لوسائل إعلامية بأن القدرة التصديرية المستهدفة في المرحلة الأولى ستبلغ نحو 60 ألف برميل يوميا، من قطاعات "بترومسيلة" و"العقلة" و"جنة هنت" و"صافر" و"كالفالي".

وتحاول الحكومة أيضا استثمار المخزونات المتراكمة، وقال بامقاء إن هناك أكثر من 1.7 مليون برميل مخزنة وجاهزة للتصدير.

رويترز
حقل نفطي في مأرب، اليمن، 30 سبتمبر/أيلول 2020

وأوضح أن الوزارة وجّهت الشركات المنتجة إلى إعداد خطط زمنية لزيادة الإنتاج وتطوير الحقول، بهدف رفع القدرة الإنتاجية بنحو 25 في المئة خلال الشهر الأول من استئناف التصدير، مع إمكان مضاعفة الإنتاج في بعض الحقول خلال الأشهر التالية.

وقال العليمي في سبتمبر/أيلول إن شركات نفط أجنبية تواصلت مع الحكومة في شأن عقود مرتبطة باستئناف التصدير، وإن إصلاح الأضرار التي لحقت بمحطات النفط كلف الحكومة نحو 40 مليون دولار.

لكن الإعلان لم يتحول فورا إلى عودة منتظمة للصادرات. فقد بدأت الحكومة إجراءات فنية وإدارية ولوجستية لإعادة تشغيل المنظومة. ففي 21 من يوليو/تموز عقد رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني، في "العاصمة المؤقتة" عدن، اجتماعا لـ"اللجنة العليا لتسويق النفط الخام"، كرّس لمناقشة الإجراءات التنفيذية للعمل على استئناف تصدير النفط، تنفيذا لإعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي.

واستعرضت اللجنة، بمشاركة محافظ البنك المركزي اليمني أحمد غالب، الخطوات الفنية والإدارية واللوجستية اللازمة لاستئناف عمليات التصدير، وآليات التنسيق بين مختلف الجهات المختصة، بما يضمن التنفيذ الفاعل والسريع للإجراءات، والاستفادة من أحد أهم الموارد السيادية للدولة، لتعزيز الاستقرار الاقتصادي وتمكين الحكومة من الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.

في تقديري أن الغرض من الإعلان كان إحراج جماعة الحوثيين وإظهار أنها تقف أمام استفادة الشعب اليمني من عائدات النفط، وأنها سبب في توقف صادرات النفط

رئيس "مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي" اليمني مصطفى نصر

وناقشت اللجنة حجم الخسائر الاقتصادية والمالية التي تكبدتها الدولة منذ توقف تصدير النفط في أكتوبر/تشرين الأول 2022، إثر الهجمات العسكرية التي نفذتها ميليشيا الحوثي على منشآت وموانئ تصدير النفط، وما ترتب عليها من حرمان الخزينة العامة من أهم مواردها، وانعكاسات ذلك على قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها، وفي مقدمتها صرف رواتب الموظفين، وتحسين الخدمات الأساس.

والأهم أن وزير النفط محمد بامقاء قال في 23 يوليو/تموز الماضي إن الوزارة وضعت خطة أمنية لحماية المنشآت وموانئ التصدير، وإنها تعمل على إعادة تشغيل المنظومة التي ظلت متوقفة لفترة طويلة، مضيفا أن الحكومة كانت تنتظر الإخطار الرسمي من الشركة المتعاقدة لبدء التصدير.

الظروف معقدة والمهمة صعبة

"المجلة" سألت رئيس "مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي" اليمني مصطفى نصر، حول قدرة الحكومة اليمنية على استئناف تصدير النفط في ظل الظروف الأمنية المعقدة في اليمن والمنطقة، فأجاب: "من الصعب أن تستأنف الحكومة تصدير النفط... فهو يتطلب حماية منشآت الإنتاج والتصدير من أي هجمات وهذا غير ممكن حاليا في ظل التصعيد الأخير. دون تغيير ميزان القوة لصالح الحكومة، فإن أي تصريح من هذا القبيل لا يتعدى الأمنيات".

رويترز
عناصر تابعة لمليشيا الحوثي يقفون خارج أسوار شركة بترومسيلة النفطية، في صنعاء، اليمن، 19 يناير/كانون الثاني 2014

وشرح نصر: "في تقديري أن الغرض من الإعلان كان إحراج جماعة الحوثيين وإظهار أنها تقف أمام استفادة الشعب اليمني من عائدات النفط، وأنها سبب في توقف صادرات النفط".

وأضاف: "فعليا، من الصعب استئناف عمليات التصدير وجماعة الحوثيين ما زالت تمتلك مقومات ضرب الموانئ اليمنية كما فعلت سابقا عندما هاجمت ميناءي الضبة في محافظة حضرموت ورضوم في محافظة شبوة عام 2022".

وبالنظر إلى التصعيد العسكري الحاصل في اليمن، وتهديدات الحوثيين بمنع الحكومة من تصدير النفط، وهجماتهم عبر الحدود مع المملكة العربية السعودية، وغياب أي تسوية سياسية للأزمة، فإنه من المستبعد أن تتمكن الحكومة على الأقل حتى نهاية العام الجاري من استئناف تصدير النفط.

التطورات العسكرية الحالية يمكن أن تساعد الحكومة في إعادة فرض سيطرة أمنية أوسع على البنية التحتية ومسارات النقل، وهو أمر ضروري لاستدامة التصدير

وفي ظل أزمة الطاقة الحالية فإن من شأن الهجمات التي تستهدف إمدادات الطاقة والسفن التجارية في مضيق هرمز وبحر العرب والمحيط الهندي والبحر الأحمر، أن تصعّب مهمة الحكومة اليمنية لاستئناف تصدير النفط.

ويأتي هذا التصعيد في ظل أزمة إنسانية صعبة للغاية ونقص حاد في التمويل. ويقدّر عدد المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية والحماية هذا العام بنحو 22.3 مليون شخص، من بينهم 12.2 مليون طفل.

وعلى الرغم من تصاعد الاحتياجات الإنسانية، لا تزال خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 تعاني نقصا حادا في التمويل. وفي نهاية سبتمبر/أيلول، لم تكن قد حصلت سوى على نحو 19 في المئة من التمويل المطلوب البالغ 2.16 مليار دولار، لتبقى فجوة التمويل عند نحو 1.75 مليار دولار، أي ما يعادل 81 في المئة من الاحتياجات.

رويترز
عسكري يمني يقف أمام مخازن نفطية تحترق، في عدن، اليمن، 12 يناير/كانون الثاني 2019

وتحذّر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن تصاعد الأعمال العدائية بسرعة على طول الساحل الغربي لليمن قد تسبب في نزوح أكثر من 100 ألف شخص داخل البلاد، وأجبر آلافاً آخرين على البحث عن الأمان عبر مضيق باب المندب في جيبوتي.

ماذا غيّرت التطورات العسكرية الأخيرة؟

تعزز استعادة القوات الحكومية مواقع على الساحل الغربي وباب المندب في أكتوبر/تشرين الأول الجاري البيئة الأمنية للحكومة، لكنها لا تعني تلقائيا أن موانئ النفط الرئيسة أصبحت جاهزة للتصدير. فموانئ تصدير النفط التي تركز عليها الحكومة تقع أساسا على بحر العرب، ولا سيما الضبة في حضرموت والنشيمة في شبوة، وليس في باب المندب. لذلك فإن استعادة المخا وباب المندب مهمة استراتيجيا لأمن الملاحة، لكنها ليست في حد ذاتها إعادة فتح لموانئ النفط اليمنية.

في المقابل، يمكن التطورات العسكرية الحالية أن تساعد الحكومة في إعادة فرض سيطرة أمنية أوسع على البنية التحتية ومسارات النقل، وهو أمر ضروري لاستدامة التصدير.

ومن اللافت أن وزير النفط أصدر في 5 أكتوبر/تشرين الأول، بالتزامن مع المكاسب العسكرية، توجيهات لشركتي النفط والغاز برفع الجاهزية وتأمين احتياجات المواطنين، وهو ما يشير إلى أن قطاع الطاقة جزء من ترتيبات الحكومة لإدارة المرحلة الجديدة، وإن لم يكن إعلانا لبدء شحنات تصدير جديدة.

عقبات جديدة في المرصاد

يبدو أيضا أن التوقيت الحالي أكثر تعقيدا مما كان عليه في يوليو/تموز الماضي. فقد أدت الحرب الإقليمية وتوترات البحر الأحمر وباب المندب إلى ارتفاع مخاطر الشحن والتأمين. ووفق "ستاندرد آند بورز غلوبال" (S&P Global)، انخفضت كميات الخام والمكثفات العابرة لباب المندب إلى 1.5 مليون برميل يوميا في أغسطس/آب الماضي، مقابل 3.14 مليون برميل يوميا في يوليو/تموز، بعدما أعادت ناقلات عديدة توجيه مساراتها بعيدا من المنطقة.

مع استمرار توقف صادرات النفط، ارتفع التقدير الحكومي التراكمي للإيرادات النفطية المفقودة إلى نحو 7.5 مليار دولار منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022

وهذا يعني أن الحكومة، حتى إذا نجحت في إعادة تشغيل حقولها وموانئها، ستظل بحاجة إلى ضمان أمني للمنشآت، وتأمين الناقلات، وخفض مخاطر التأمين والشحن حتى يصبح التصدير قابلا للاستمرار تجاريا.

ولا يتعلق استئناف التصدير بالحوثيين فقط. فالسلطة المحلية في حضرموت أعلنت تأييدها لاستئناف صادرات النفط، لكنها طالبت بضمان حقوق المحافظة، بما في ذلك حصة الـ20 في المئة التي تقول إنها مستحقة لها من النفط الخام المنتج والمصدر، ووضع برنامج واضح وضمانات قبل استئناف التصدير. وهذا مهم جدا في ضوء التطورات العسكرية الأخيرة. فاستعادة الحكومة زمام المبادرة عسكريا لا تحل تلقائيا مشكلة تقاسم عائدات النفط داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

خسائر وتحديات

في فبراير/شباط 2023، قدّر رئيس الوزراء اليمني آنذاك معين عبد الملك خسائر البلاد الناجمة عن هجمات الحوثيين على المنشآت والموانئ النفطية بنحو 800 مليون إلى مليار دولار. ومع استمرار توقف صادرات النفط، ارتفع التقدير الحكومي التراكمي للإيرادات النفطية المفقودة إلى نحو 7.5 مليار دولار منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022، وفق ما أبلغت به الحكومة اليمنية الأمم المتحدة في 2025.

أ.ف.ب
أرصفة التحميل في ميناء مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر في اليمن، 28 مايو/أيار 2022

ويكشف أحدث إصدار من تقرير "المرصد الاقتصادي لليمن" الصادر عن البنك الدولي أن الاقتصاد اليمني يواصل مساره الحافل بالتحديات، إذ سجل انكماشا جديدا في عام 2025، فيما يعاني الآن من وطأة ضغوط متصاعدة مرتبطة بالصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط.

ويوضح إصدار ربيع 2026 من هذا التقرير بعنوان "السباحة ضد التيار" أن إجمالي الناتج المحلي الحقيقي تراجع بنسبة 1.5 في المئة في عام 2025، ويرجّح أن يواصل انكماشه بنسبة 0.5 في المئة إضافية في عام 2026، تحت ثقل القيود الهيكلية المتجذرة والصدمات الخارجية المتلاحقة. وظلت الأوضاع الاقتصادية تلقي بظلال ثقيلة طوال عام 2025، فصادرات النفط لا تزال مجمدة، ولا يزال النشاط في مختلف القطاعات رهين بيئة أعمال طاردة ومليئة بالتحديات، ناهيك بشح قنوات التمويل، وطلب محلي شديد الضعف، وفقا لتقرير البنك الدولي.

واشتدت الضغوط على المالية العامة في مناطق الحكومة اليمنية، إذ تراجعت الإيرادات إلى 5.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، مقارنةً بـ8.6 في المئة في 2024، نتيجة انخفاض المنح الخارجية بصورة رئيسة. وأدى انكماش الإيرادات إلى تقليص الإنفاق، مما انعكس على مدفوعات الرواتب والدعم والإنفاق الأساس، في ظل ضيق شديد في الحيز المالي المتاح للحكومة.

font change

مقالات ذات صلة