قضية التجسس الألمانية... مخاوف من انكشاف أسرار الحلفاء

الأسئلة المفتوحة في قضية هانينغ

أ.ب
أ.ب
أوغست هانينغ، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الاتحادية الألماني، بصفته شاهداً أمام لجنة التحقيق الخاصة بوكالة الأمن القومي في البرلمان الألماني ببرلين، في الأول من أكتوبر 2015

قضية التجسس الألمانية... مخاوف من انكشاف أسرار الحلفاء

لم يقتصر وقع الاعتقال المفاجئ لأوغست هانينغ، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني (BND)، للاشتباه في ضلوعه في أنشطة تجسس وخيانة عظمى، على زعزعة سمعة الجهاز وإخضاعه لتدقيق غير مسبوق، بل امتدت تداعياته إلى ما هو أبعد وأخطر. فقد فجرت هذه القضية، التي تعد أكبر فضيحة تجسس تشهدها الاستخبارات الألمانية منذ عقود، مخاوف جدية من احتمال أن تكون أنشطة المسؤول الاستخباراتي السابق، البالغ من العمر 80 عاما، قد عرّضت أمن التحالف الغربي للخطر.

جاء اعتقال هانينغ على خلفية اتهامات بجمع وثائق سرية بصورة غير قانونية على امتداد 16 عاما، بمساعدة شريك يُدعى مانفريد، وبيع معلومات حساسة لدولة أجنبية. وكشفت وسائل إعلام ألمانية لاحقا أن الشريك المعني هو مانفريد دانكسرايتر، البالغ من العمر64 عاما، والذي سبق أن شغل منصب مدير مكتب هانينغ.

وسبق لهانينغ أن تولى رئاسة جهاز الاستخبارات الفيدرالية الألماني، حيث حظي بمكانة مرموقة طوال سنوات عمله، قبل أن يغادر منصبه في نوفمبر/تشرين الثاني 2005، بعد ست سنوات أمضاها على رأس الجهاز. غير أن مسيرته شهدت لاحقا تحولا لافتا، إذ أفادت مصادر متعددة بأنه واجه شبح الإفلاس.

وبعد تأسيسه شركة استشارية خاصة، اتُهم هانينغ بالحصول على نحو 2000 وثيقة من دانكسرايتر على مدى 16 عاما مقابل مبالغ مالية، شملت ملفات سرية، من بينها أوراق إحاطة لقيادة جهاز الاستخبارات الألماني قبيل الاجتماعات الاستخباراتية الأسبوعية في المستشارية الألمانية، وهي اجتماعات سرية تُناقش خلالها قضايا دولية مهمة، مثل الحرب في أوكرانيا والبرنامج النووي الإيراني.

وأفادت وسائل إعلام ألمانية بأن بعض الوثائق تضمنت معلومات مفصلة عن البرنامج النووي الإيراني والجيش الروسي، إلى جانب ملفات سرية صادرة عن أجهزة استخبارات أجنبية شريكة، مثل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) وجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6).

لا يمكن أن تكون هناك تنازلات عندما يتعلق الأمر بالأمن الداخلي. ولم يتسبب هذا الحادث بإثارة الشكوك حول أي من أهدافي أو أولوياتي

وتعليقا على الاعتقالات، قال مارتن ياغر، الرئيس الحالي لجهاز الاستخبارات الألماني: "باشر الجهاز إجراء تحقيقات داخلية موسعة فور ظهور الشبهات، وقد أكدت نتائجها صحة تلك الشكوك". وأضاف: "لا مجال للتهاون في مسائل الأمن الداخلي، سواء بالنسبة لي أو لجهاز الاستخبارات الألماني. ولم تدفعني هذه الحادثة إلى إعادة النظر في أي من أهدافي أو أولوياتي".

رويترز
عناصر من الشرطة في مركبة عقب توقيف الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، أوغست هانينغ، للاشتباه في تورطه في محاولة خيانة والحصول على أسرار الدولة، وذلك في مدينة كارلسروه بألمانيا، 7 أكتوبر

وأوضح بيان صادر عن الادعاء العام الفيدرالي أن الكثير من الوثائق التي سُلّمت إلى هانينغ "تتضمن معلومات سرية مخصصة حصريا للاستخدام الداخلي في جهاز الاستخبارات الفيدرالي، ولا سيما في جلسات الإحاطة المقدمة إلى قيادته". ووفقا لمكتب المدعي العام، استغل هانينغ هذه المعلومات في نشاطه الاستشاري الخاص. وجاء في البيان: "وفي إحدى المرات، استعان هانينغ بمعلومات استخباراتية سرية حصل عليها من مانفريد. لإعداد تقرير تحليلي لصالح ضابط في جهاز استخبارات أجنبي". كما يتهمه الادعاء بإقامة "اتصال وثيق بممثل عن جهاز استخبارات أجنبي آخر".

وفي حين يتمسك محامو هانينغ ببراءته من التهم المنسوبة إليه، أثارت التفاصيل التي كشف عنها الادعاء الفيدرالي حتى الآن موجة من التكهنات في وسائل الإعلام الألمانية حول هوية الجهات الأجنبية التي ربما وصلت إليها المعلومات المسروقة، وسط ترجيحات تضع روسيا والصين وإيران في مقدمة الدول المشتبه بتورطها.

بصرف النظر عما ستؤول إليه التحقيقات في قضية هانينغ، فإن حجم الضرر الذي لحق بسمعة جهاز الاستخبارات الألماني يضعه أمام تحد كبير لاستعادة مصداقيته ومكانته كشريك موثوق في الأوساط الاستخباراتية الغربية

وأفادت وسيلة إعلام ألمانية بأن المحققين يشتبهون في احتمال تسريب هانينغ معلومات إلى جهاز الاستخبارات الأذربيجاني، ما أثار مخاوف من وصولها إلى روسيا في ظل العلاقات الوثيقة بين البلدين. وتستند هذه الشبهات إلى مشاركة هانينغ في منتدى لحقوق الإنسان عُقد في باكو عام 2011، ثم انضمامه لاحقا إلى مجلس إدارة المنتدى الألماني الأذربيجاني، وهو منظمة تنشط في مجال الضغط السياسي (اللوبي).

إلا أن محامي هانينغ نفى هذه الاتهامات، مؤكدا لمجلة "دير شبيغل" أنه رغم حيازة موكله وثائق سرية، فإن الادعاءات بأنه سرب "معلومات تضر بجمهورية ألمانيا الاتحادية لا أساس له من الصحة"، مشددا على أنه لم يتلق أي أموال مقابل ذلك. في المقابل، فإن موقف هانينغ المعروف بتشدده تجاه روسيا يثير الشكوك حول احتمال استعداده لتزويد موسكو بمعلومات استخباراتية حساسة.

وفي سياق التكهنات بشأن صلات هانينغ المحتملة بجهات أجنبية، أشارت تقارير صحافية ألمانية إلى أن رئيس الاستخبارات السابق كان على "اتصال وثيق" بجنرال صيني سابق، يُعتقد أنه زوده على مدى سنوات "بمعلومات سياسية" سرية، استند بعضها إلى ملفات جهاز الاستخبارات الألماني. وكشفت مجلة "دير شبيغل" أن الشخص الذي أشار إليه مكتب المدعي العام الألماني بوصفه "ممثلا عن جهاز استخبارات أجنبي آخر" هو وانغ جيانتشنغ، الذي يُقال إنه حافظ على تواصله مع هانينغ لعدة سنوات. ويعمل وانغ في معهد الصين للدراسات الاستراتيجية الدولية المرتبط بالجيش الصيني، وسبق أن أمضى 23 عاما دبلوماسيا عسكريا في ألمانيا والنمسا وسويسرا.

أ.ف.ب
الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وأوغست هانينغ، خلال اجتماعهما في الضاحية الجنوبية لبيروت في 30 يناير 2004

بدأ وانغ عمله في برلين الشرقية بين عامي 1987 و1990، قبل أن يعود إليها مرتين بعد توحيد شطري المدينة، كانت آخرهما بين عامي 2009 و2013. ويُعتقد أن هانينغ التقى وانغ، الذي يُعد من أبرز الخبراء الصينيين في الشؤون الألمانية، خلال عدد من المؤتمرات. وقد أعرب وانغ عن امتنانه له على "تلميحاته وتفسيراته" في مقدمة كتابه الذي أصدره عام 2007. كما شغل الاثنان عضوية المجلس الاستشاري لحديقة بيئية ألمانية صينية في مدينة تشينغداو الساحلية شرقي الصين.

وردا على هذه الاتهامات، أصدر محامو هانينغ بيانا لمجلة "دير شبيغل" نفوا فيه أن يكون موكلهم قد ألحق أي ضرر بالمصالح الألمانية، مؤكدين أنه يتعرض لملاحقة قضائية ظالمة.

أحدثت الفضيحة التي عصفت بجهاز الاستخبارات الألماني صدمة في الأوساط الاستخباراتية الغربية، لا سيما بعدما أشار مسؤولون أمنيون ألمان إلى أن بعض المعلومات الحساسة التي حصل عليها هانينغ ربما جاءت من اتفاقات طويلة الأمد لتبادل المعلومات الاستخباراتية بين القوى الغربية الكبرى

أحدثت الفضيحة التي عصفت بجهاز الاستخبارات الألماني صدمة في الأوساط الاستخباراتية الغربية، لا سيما بعدما أشار مسؤولون أمنيون ألمان إلى أن بعض المعلومات الحساسة التي حصل عليها هانينغ ربما جاءت من اتفاقات طويلة الأمد لتبادل المعلومات الاستخباراتية بين القوى الغربية الكبرى، ما يثير مخاوف من احتمال اختراق معلومات استخباراتية أميركية وبريطانية أيضا.

وتتزايد المخاوف من أن يؤدي وقوع هذه المعلومات في أيدي جهات معادية إلى كشف هويات العملاء السريين والمخبرين الذين يعملون لصالح أجهزة الاستخبارات الغربية، ما قد يعرض حياتهم لخطر جسيم.

ودفعت الاعتقالات في ألمانيا أجهزة الاستخبارات البريطانية إلى فتح تحقيقات لتقييم حجم الأضرار المحتملة، والتحقق مما إذا كانت التسريبات قد كشفت هويات بعض عملائها أو عرّضت وثائقها السرية للاختراق. وفي هذا السياق، باشر كل من جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) ومقر الاتصالات الحكومية (GCHQ) مراجعات عاجلة للمعلومات التي سبق تبادلها مع الاستخبارات الألمانية، لتحديد ما إذا كانت قد تعرضت للاختراق في إطار الفضيحة. كما شرعت معظم أجهزة الاستخبارات الأميركية في إجراء مراجعات مماثلة، ركزت بصورة أساسية على تحديد المصادر الاستخباراتية التي قد تؤدي التسريبات إلى كشف هوياتها وتعريضها للخطر.

يمثل اعتقال هانينغ تحولا جذريا في مسيرة الرجل الذي حظي بتقدير واسع في الأوساط الاستخباراتية الألمانية والدولية خلال رئاسته جهاز الاستخبارات الألماني بين عامي 1998 و2005، إذ عُرف بكفاءته المهنية وإسهاماته البارزة في تحديث الجهاز طوال فترة توليه المنصب.

أ.ب
أوغست هانينغ، يصل إلى مبنى البرلمان الألماني (البوندستاغ) في برلين في 2 أكتوبر 2015

وفيما تتواصل التحقيقات في أنشطة هانينغ، سارع عدد من زملائه السابقين إلى الدفاع عنه، لا سيما في مواجهة الشبهات حول احتمال تسريبه معلومات حساسة إلى روسيا. ومن بينهم السير ريتشارد ديرلوف، الذي تولى رئاسة جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) بالتزامن مع رئاسة هانينغ للاستخبارات الألمانية، إذ وصفه بأنه زميل "متميز" و"بارز" أسهم في تحديث الجهاز الألماني. كما استذكر موقفه "المتشدد للغاية تجاه روسيا"، معتبرا أن ذلك يجعل احتمال تسريبه معلومات استخباراتية إلى موسكو أمرا مستبعدا.

وعكست مقابلة أجرتها صحيفة "التلغراف" مع هانينغ عام 2024 مدى تشدده تجاه روسيا، إذ وصف موقف ألمانيا منها بأنه كان "ساذجا"، داعيا البلاد إلى "الاستيقاظ" من غفلتها وإدراك أن خطر الحرب بات واقعا محتملا. ومن أبرز تصريحاته في تلك المقابلة:

- "لم يستوعب كثيرون أننا في صراع مع روسيا؛ لقد استهان الجميع بخطورة الموقف"...

- "يتجنب الناس مواجهة الحقيقة. فروسيا تخوض صراعا مع حلف "الناتو"، وألمانيا بطبيعة الحال طرف في هذا الصراع"...

- "لم يستوعب الناس حجم الخطر المحدق، فما زال هناك تعاطف حقيقي مع روسيا، لا سيما في شرق ألمانيا، وفي أوساط اليسار المتطرف واليمين المتطرف المتمثل في حزب البديل من أجل ألمانيا، حيث تدعو عدة تيارات إلى رفع العقوبات المفروضة على روسيا".

وبصرف النظر عما ستؤول إليه التحقيقات في قضية هانينغ، فإن حجم الضرر الذي لحق بسمعة جهاز الاستخبارات الألماني يضعه أمام تحد كبير لاستعادة مصداقيته ومكانته كشريك موثوق في الأوساط الاستخباراتية الغربية.

font change