وردة فوكنر

وردة فوكنر

استمع إلى المقال دقيقة

في التاريخ السردي الأثير، يمكن أن تفلح قصة قصيرة بكر لكاتب في تحقيق نجاح نادر قد يحجب قوة وجمالية وسحر قصصه المتعاقبة، والأمر هنا شبيه بأثر القبلة الأولى بين عاشقين. هذا حال أو صنيع "وردة من أجل إيميلي" لوليام فوكنر (1897–1962)، وقد نشرها كباكورة قصصه سنة 1930 قبل أن تظهر في مجموعته الأولى "هذه الثلاث عشرة" سنة 1931، وهي أبدع صورة على هذا النوع من النصوص التي طبقت شهرتها الآفاق منذ إطلالتها اليانعة، بالرغم من جودة قصص بارزة أخرى له مثل "الأوراق الحمراء"، و"شمس ذلك المساء"، و"المهرّج في ثوب الحداد".

قصة "وردة من أجل إيميلي"، مؤسسة على خمس وحدات سردية تتعالق بشكل يستند إلى بلاغة التضمين. في الوحدة الأولى تعلن حادثة وفاة الآنسة إيميلي، وهي المناسبة الجليلة لنساء بلدة جفرسون كي يطّلعن بفضول على بيتها من الداخل.

المنزل الاستثنائي الذي صمد في أحد الشوارع الراقية بالزمن المنصرم للبلدة، والذي ظل شامخا في منأى عن دفع الضرائب بتوصية من الكولونيل سارتوريوس. وحتى بعد مماته ظلت إيميلي تمتنع عن دفع الضرائب رغم أنف البلدية التي فشلت في إرغامها على ذلك.

في الوحدة الثانية تسترجع القصة لحظة قبل ثلاثين سنة بعد موت والدها بسنتين، حيث فشلت البلدية في التجرؤ على إقناع الآنسة إيميلي في معالجة الرائحة العفنة التي تندلع من منزلها، الشيء الذي تطوع له رجال تسللوا ذات ليلة إلى البيت ورشّوا المكان بالكلس. أمّا هي فلاذت بالانعزال في منزلها المريب منذ هجرها حبيبها.

في الوحدة الثالثة تسترجع القصة حكايتها مع حبيبها هومر باردن، الرجل الضخم الذي جاء مع إحدى الشركات لتمهيد وتسوية الأرصفة والذي صار حبيبها فجأة وهذا ما أدهش وأقلق البلدة بسبب خروجها معه، ورماها الكل بالجنون خاصة حين علموا بشرائها السم من الصيدلية فندّت منهم شفقة عليها، ظانّين أنّها ستنتحر.

الخروج مع الرجل الضخم قابله الناس بشعور إهانة البلدة فسارعوا بمراسلة بعض أقربائها في بلدة أخرى وهذا ما تصوره الوحدة الرابعة بالإضافة إلى اختفاء هومر باردن بمجيء ابنتي عمها، ثمّ ظهوره مجدّدا مع مغادرتهما ليختفي بشكل نهائي مرة أخرى، حيث أكد أحد الجيران دخول هومر بيتها ذات مساء داكن وكان آخر مساء يُرى فيه.

لم يستأثر بأسرار البيت إلا خادم أسود كان طباخها وهو الوحيد الذي يدخل ويخرج لإنجاز أغراضها وكانت قد أوصدت الطابق العلوي والتزمت بالعيش في الطابق السفلي الذي قضت نحبها فيه.

في الوحدة الخامسة تستكمل القصة ما بدأته في الوحدة الأولى بالرجوع إلى لحظة موت الآنسة إيميلي والوجوه المترددة على تشييع جثمانها من سيدات البلدة وكهول الكونفدرالية العسكرية.

غير أن طفرة السرد هنا يشتعل أوارها وتمهر توترها الجمالي بإشهار المفاجأة غير المتوقعة مع صعود زوار البيت من المشيعين لجثمانها إلى الطابق العلوي الموصد، بغية استكشاف غرفة لم تفتح من أربعين سنة.

مع اقتحام هذه الغرفة عبر تحطيم الباب ستلفع رائحة الموت والبخور المرتادين لها، فالغرفة تحتفظ بنموذجية احتفال ليلة الزفاف رغم الرطوبة والاهتراء.

كل شيء في مكانه، حتى الرجل المسجى في السرير وهو بوضعية عناق، وهذا ما جعل الجمود يكتسح المرتادين للغرفة من هول الاكتشاف.

تلك كانت عظام جثمان هومر باردن، الذي اختفى من أربعين سنة، والسم الذي اشترته لحظتها كان الأداة المميتة بالتأويل العملي لقرائن القصة وبراهينها التي نبغت في إخفائها على سبيل الإيحاء في أطوار الحكي وأبرزها على الإطلاق الرائحة العفنة التي كانت تفوح من البيت قبل أربعين سنة.

الأثر الجمالي المزدوج الذي يحسب لعراب الميسيسيبي، أو ساحر الجنوب، وليام فوكنر، هو أنه أهدى أجمل وردة في التاريخ للقصة القصيرة، في الآن ذاته الذي أهدي وردة رمزية للسيدة إيميلي

قصة "وردة إلى إيميلي"، لمحة أساسية عن براعة الدقة والصوغ اللؤلؤي للحكاية، لكاتب خاض هذا النوع السردي بقدر هائل من الجدّة، بتجريبه لأشكال حصيفة وطرائق صعبة ومناورات لغوية من أجل اختراع لون تعبيري خاص به في صنع الإيقاع الحكائي وبناء الموضوع بصرامة غير معهودة وهذا ما جعل مركبات بعض أعماله المفرطة في اللعب اللغوي والتكنيك المبهم محطّ انتقاد واسع.

هذه البراعة المتينة في صناعة الحكاية القصصية، جعلت أغلب رواياته تنعت بالأبيسودية، أي روايات تحتكم إلى قصص قصيرة يلحمها نظام عام مؤسس على وحدة المكان والشخصيات كما يتضح بعمق في مبحث مايكل ملجيت حول هذا الكاتب الغريب الذي صنفه ككاتب قصة قصيرة من الطراز الأول ممّن كتبوها باللغة الإنكليزية.

هو الكاتب الذي جعل من الميسيسيبي رافدا خرافيا لتجربته السّردية وارتفع بمنطقة يوكناباتاوفا وحكاياتها الجنوبية إلى مصاف المراجع المكانية الأسطورية في مملكة الأدب الحديث. الشيء الذي يقول عنه روبرت بن وارن بأنها ليست أسطورة مكانية فقط خاصة بالجنوب وإنما تجسد أسطورة مأزق الإنسانية ومشكلتها الشّاملة.

إن الأثر الجمالي المزدوج الذي يحسب لعراب الميسيسيبي، أو ساحر الجنوب، وليام فوكنر، هو أنه أهدى أجمل وردة في التاريخ للقصة القصيرة، في الآن ذاته الذي أهدي وردة رمزية للسيدة إيميلي.

font change