تصادفنا على الطريق، ذهابا وإيابا، كتابات لافتة بين الحين والآخر، مخطوطة بعناية على ناصية مؤخرات الشاحنات خاصة، وهي محض مقولات إما شعبية أو ذات حمولة دينية، وأخرى، ساخرة ذات إرساليات إما مباشرة أو مضمرة، وهي إذ تنتمي كمحتوى نصي بارق إلى صاحبها، سائق الشاحنة، فما إن تخرج إلى العلن، بإشهارها على هذا النحو العام، حتى لا تبقى تحيل عليه وحده، بل يشمل المعنى منظومة اجتماعية بأكملها، ينبري للحكي باسمها صاحب المهنة أي السائق، الذي يتمثل طبقته أولا، ونمط عيشه وتفكيره ثانيا، ولحظته التاريخية والاجتماعية والسياسية، كفرد وكجماعة، ثالثا.
ومما يدخل في السفر على جناح السلامة، فالطبيعي أن يتوسل السائق بالآيات القرآنية ما يدعو لأمانه وسلامه على طول الطريق حتى يصل بلا عثرات، وهذا شائع في كل البلاد العربية، وأما ما يخرج عن عروض الدعاء وتفويض السفر لرعاية السماء، فكتابات لا تخلو من غرابة، مجملها ساخر ولاذع، يتقصد انتقاد الآخرين، أصدقاء وأعداء، مع الإفصاح عن مواقف شخصية ضد عينة من الناس، أو جميعهم، وفي هذا المدار من القيم يكون المجتمع هو المعني بالتشريح على ناصية مؤخرة شاحنته، إذ يختار السائق الكتابة على هذه الحافة بالذات، لأنها الواجهة الخلفية الملائمة كي تسترعي الانتباه، بالنظر إلى أنها تتموقع أمام من يقرأها إن سريعا أو بتريث، بحسب نسق السرعة المتزامن.
عبارات تدين الرقابة، وتشجب عيون المترصدين من الملأ، بمن فيهم الحاسد والحاقد معا، وكذا فاقد الشيء الذي لا هم له سوى متابعة الآخرين، من الذين يعملون بجدية، فيما هو مرتكن لعطالته، يحترف اللسع بالكلام يمينا وشمالا، والحط من أي أسلوب عمل شريف، أو نمط عمل مستمر. تتوجه هذه المقولات بشفراتها لتصد مجتمع الرقابة، وتحصر هؤلاء الشامتين عن غير قيمة وبلا معنى، في ربقة اللارجولة واللاإنسانية واللاحياة.
تتوجه هذه المقولات بشفراتها لتصد مجتمع الرقابة، وتحصر هؤلاء الشامتين عن غير قيمة وبلا معنى، في ربقة اللارجولة واللاإنسانية واللاحياة
وفي مدار مواز، تينع كتابات أخرى، تنتمي لحقل الحكمة، يبدو فيها السائق خبيرا، أو شخصا ممعنا في تجارب الحياة، وهذا ما يخول له مقاما يصدر فيه أحكاما، عبر مقولات يشحذ فيها من نسيج وجوده ومغامراته ومعيشه، ما يشبه إشراقات، وتأملات، من قبيل: أنا والغربة عايش جوال- خليك بحر والناس تعوم- بحر واحد والسمك أنواع- حتى هدف حياتي طلع تسلل- سلامة الإنسان في حفظ اللسان.
هذا المضمون الوجودي المنفطر عن طاحونة الحياة، من صلب معترك العيش، يجعل مثل هذه الإشراقات الممعنة في الحكمة الشعبية، محط إعجاب، بالنظر إلى شحنة الصدق التي تتألق في كهرباء العبارة، وخاصة حينما يتعلق الأمر بفن السياقة وهي ما تترجمه بأمانة من عمق التجربة.
والذي يسترعي الانتباه أكثر، كتابات تتقصد المرأة أو النساء بسياط النقد، إما انتقاصا ودونية في سلم المقام الاجتماعي والإنساني، أو حطا وتبخيسا من منظور شخصي لكنه يضمر رؤية شائعة عامة لدى هذه الشريحة، مصدرها إما فقهي في الغالب، وإما شعبي رعاعي في الأغلب. وما يبدو في هذه العبارات يسري على ذات السائق، على حياته الشخصية، إنما يعكس في الآن ذاته، تمثلا اجتماعيا وشعبيا شائعا، يجمع على شيطنة امرأة، على الزج بها في أفق الخداع واللاأمان، وهي نظرة ذكورية تنحاز لسلطة بطريريكية مغالية.
في كل الأحوال، سواء كانت هذه الكتابات المخطوطة على ناصية خلفيات الشاحنات، مصيبة في أغلبها أو مخطئة في ناحية من نواحيها، فهي محض علامات لا بد من قراءتها وتفكيكها، ما دامت مؤسسة على ثالوث المرسل والرسالة والمرسل إليه، وتتعدد قراءتها حسب السياق، من منظور سيميائي أو غيره.
محض علامات لا بد من قراءتها وتفكيكها، ما دامت مؤسسة على ثالوث المرسل والرسالة والمرسل إليه، وتتعدد قراءتها حسب السياق
ولا يمكن أن نغفل، أيضا، رمزية فنيتها، بالنظر إلى بعد جمالي مصاحب لطرائق كتابتها، إذ تسبغ على جسم الشاحنة وشما يخرج بها من حالة الاعتياد إلى اللامألوف، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، تجعلنا نرتاب في شخصية ما يكونه السائق أمامنا، كيف لا وهو يفصح عبر الإشارة عن جانب من هويته، مما يجعله هو الآخر مستفزا لأفق انتظارنا، أو لأفق تخييلنا، فإن لمحناه ما إن نتخطى شاحنته واسترقنا نظرة جانبية إليه، فحتما نحاول أن نطابق بين وجهه وهيئته وبين رسالته الموشومة على خلفية شاحنته، والنظرة إياها إما تخيب أو تصيب، ما هيئ لنا على سبيل الافتراض والاحتمال، وما لا يمكن التغاضي عنه، هو أن عبارات كهذه، تظل ملازمة لنا، بصورة من الصور، وقد خلدنا إلى نسيان الأشياء في محطة الوصول.