كيف استطاع دانتي أليغري ، في "الكوميديا الإلهية"، أن يحل معضلة وصف الله؟ بالذات حينما يراه الشاعر في الفردوس. هذا ما يفصح عنه بقوله: "ما هو مبعثر في صفحات الكون، ينتظم بالحب في مجلد واحد". إنه يرى الله بوصفه مكتبة المكتبات قاطبة، بحسب أمبرتو إيكو، مستبقا في ذلك بورخيس بزمن، الذي يرى في المكتبة جنة، أو هكذا يتخيلها بالأحرى، بهذه الكلمة اللافتة، يفتتح الفيلم الوثائقي: "أمبرتو إيكو: مكتبة العالم"، من إخراج ديفيد فيراريو.
يهدينا الفيلم تذكرة للنزهة داخل خرائط مكتبة إيكو الشخصية، المتشعبة والمتاهية، ذات الهندسة الفخمة المهيبة، وداخل أروقة منزله الأنيق، وأما مشاهد الكاتب نفسه قبل وفاته عام 2016، فلحظات استرجاعية، لشذرات من حواراته الممعنة في التأمل والسخرية، الفلسفة وتاريخ الأفكار، والهوية والذاكرة الإنسانية.
30 ألف كتاب بلغها عدد كتب المكتبة قبل أن يمتنع عن عد البقية، من فرط عدم القدرة على متابعة إحصائها، وأما الكتب الأثرية النادرة فتناهز 1500.
كان هدف الفيلم في الأصل هو توثيق المكتبة قبل تسليمها للدولة الإيطالية، قبل أن يتحول الاهتمام ليشمل صورة مقربة من حياة إيكو وتأملاته ورؤاه ومواقفه، إنه بورتريه حاشد لإيكو المتعدد، فيلسوفا وسيميائيا وروائيا وكاتب عمود صحافي، مع الاستعانة بشهادات طريفة لأقربائه، زوجته ريناتا، وكارلوتا ابنته، وستيفانو ابنه، سابغة على مناخ المكتبة بعدا حميما.
ينصرف الفيلم في رصده لمتاهة المكتبة إلى موضوعات إيكو الأشد إلحاحا، عن الذاكرة والعالم، واللغة والتاريخ، وصون الفكر الإنساني، باعتماد إشراقات من محادثاته، في حين صورة المكتبة المتشعبة، إنما تتماهى مع ذاته، كينونته، وهي محض مرآته، أكثر من ذلك، هندسة المكتبة المعقدة هي نفسها هندسة عقل صاحبها.
عودا إلى مسألة الذاكرة، لا حضارة تستقيم من دونها، يستطرد إيكو مقسما إياها ثلاثة أنواع: الذاكرة العضوية (العقل البشري)، والذاكرة النباتية (الكتب الورقية)، والذاكرة المعدنية (شرائح التخزين الرقمية).
لا قيمة ولا معنى لمستقبل إنساني من دون ذاكرة، والتقدم لا يتحقق بالتخلص العشوائي من الماضي، وإنما باستعادة ما خبرته الأجيال السالفة، وتوظيفه توظيفا نقديا لتوجيه العمل في الحاضر وما سيأتي.
يشكك إيكو في الفرضية القائلة بأن زيادة إمكانية الوصول إلى المعلومات تؤدي بالضرورة إلى زيادة الفهم، وبذا يشدد على الفرق الجذري بين المعلومات الحاشدة وبين المعرفة، محذرا بأن العالم سيغرق في رسائل كثيرة لا تنقل إلا القليل من المعنى.
ينصرف الفيلم في رصده لمتاهة المكتبة إلى موضوعات إيكو الأشد إلحاحا، عن الذاكرة والعالم، واللغة والتاريخ، وصون الفكر الإنساني
في هذا المنحى يستحضر إيكو شخصية فونيس، التي ابتكرها خورخي بورخيس، فونيس الذي يتذكر كل شيء، لكنه يصبح سجينا لقدرته الاستثنائية على التذكر لا غير، وليس إنتاج الفهم والمعنى، واستنادا إلى ذلك، يرى إيكو في التدفق الجارف للمعلومات الرقمية، شكلا من أشكال النشاز الفكري.
إنما المعرفة تستلزم فاعلية الفرز، ودينامية الانتقاء، وألمعية المقارنة، وفضيلة التأويل، والقدرة على الفهم والفصل بين الجوهري والهامشي، وعلى التعليم أن يركز على طرق تعليم كيفية انتقاء المعلومات وتأويلها، بدل الاكتفاء بتدريب الناس على تحصيلها ومراكمتها.
ينحاز إيكو للكتاب الورقي، بالنظر إلى قدرته على البقاء، ويستعرض بدعابة سوداء، أن قراءة بروست على جهاز آيباد، تفقده القدرة على وضع الخطوط تحت المقاطع، ومتعة ثني زوايا الصفحات، وترك آثار مادية تدل على فعل القراءة الحميم والفعلي.
يعود إيكو إلى أثناسيوس كيرشر الباحث اليسوعي في القرن السابع عشر ليقدم صورة عن مفارقة سعة الاطلاع والخطأ. فالأخطاء ذات قيمة تاريخية، لأنها تكشف كيف ينظم البشر تجاربهم، ويبنون أنظمة تفسيرية، وقد أفرد لاهتمامه بأنظمة المعرفة الزائفة ومخاطر نظرية المؤامرة، تخييل روايته "بندول فوكو". في نظرية المؤامرة الجاهزة ما يدفع الناس إلى الانشغال الكلي بأخطار وهمية، بينما يغفلون عن التهديدات الحقيقية، وتستفحل هذه الأطروحة الزائفة في عصر التضليل الرقمي.
ومثلما يفتتح الفيلم متنه البصري بوصف الله في "الكوميديا الإلهية"، يختتمه بمقطع من الكتاب المقدس، مفصحا أن الحضور الإلهي لا يبزغ في حدة العواصف والمشاهد العنيفة، بل يزهر في ظلال السكون الذي يعقبها.
لا بد من الصمت لكي يستطيع الإنسان الإنصات إلى الحقيقة التي يبحث عنها، وهذا الشرط ما توفره المكتبة بشكل سحري. ومن وحي صمت المكتبة الفاتن، في الفيلم المحفز على متعة القراءة، أن الذاكرة تحفظ ما يتلاشى، والتأمل يحول المعلومات إلى فهم، وأما مراكمة المعلومات بشكل حاشد فمحض نشاز لا يقود لأي معنى.
الحضارة لا تتقدم بمعرفة كل شيء، بل بصون ما تعلمته، ومساءلة ما تؤمن به
تكشف مكتبة إيكو عن تكوينه المعقد، المتشعب، كصورة متاهية مطابقة لفكره أو عقله، ومن التماعات تخييل المكتبة هذه، أن الحضارة لا تتقدم بمعرفة كل شيء، بل بصون ما تعلمته، ومساءلة ما تؤمن به، وتنمية الأناة الفكرية اللازمة للفصل بين المعرفة والنشاز.
لذلك نأى الفيلم عن تقديم مكتبة إيكو كفضاء أيقوني فولكلوري، أو كنصب تذكاري سياحي، على النقيض من ذلك، قدمها كصرح رمزي وطقوسي لعالم استثنائي، يحرض على عيش الحيوات المضاعفة، ويحث على ضرورة الكتاب ومتعة القراءة، وفضيلة التفكير النقدي والفضول الفكري المحفز على السؤال، إذ من لا فضول معرفيا له، ليس حيا على الإطلاق.