مع كل مفتتح سنوي، يصدح العنوان الموسمي الملحاح: الدخول الثقافي. لا بالنظر إليه كتقليد رسمي وحسب، وإنما كإشراقة لنمط حياة قبل أن يكون نمطا أدبيا حافلا، لا تقاس به القيمة الثقافية والمعرفية والفنية وحدها، بل منظومة القيم جميعها، سياسية كانت أو اجتماعية أو تربوية. وقس على ذلك ما يتشعب من شجرتها الرمزية والمادية في آن.
لا وجود لعنوان من هذا القبيل يدنو من سراب الدخول الثقافي في المغرب وفي العالم العربي عن بكرة أبيه، لا استنادا إلى ما هو مكرس في الغرب، أوروبا وأميركا بالضرورة، لنقل فرنسا على وجه التخصيص، ولكن احتكاما إلى سياسة ثقافية خاصة بنا، تعنى بالكتاب في مخططها السنوي، لا مؤسسيا على نحو رسمي، ولا عناية من مجمل دور النشر ومعظمها تجاري محض، ولا من كيانات ثقافية مستقلة إلا فيما ندر، جماعية كانت أو فردية.
يعتد بالكتاب وسياسته أيما اعتداد في استشراف خرائط السنة في ألمع البلدان التي تحترم إرثها الحضاري، والكتاب بجلالة قدره هو حجر الزاوية في التخطيط لمشاريع وجماليات ومعارف الموسم الثقافي، والاحتفال به ليس مجرد بهرجة يتوسل بها السياسي ذر الرماد في العيون، على النقيض من ذلك كله، الاحتفال به، هو ما يتوسل به مجتمع برمته، أن يرسم لأفقه دليلا أو يهتدي ببوصلة أخلاقية وجمالية لمعترك وجوده.
وطرافة الأمر، أن يتزامن الدخول الثقافي هذا العام في المغرب مع الموسم الانتخابي، مع انطلاق حملات البهرجة الانتخابية التشريعية، على حافة منعطفات اجتماعية حادة واقتصادية مزمنة وإقليمية لاهبة، وتكفي نزهة طفيفة في برامج هذه الدكاكين السياسية، كي تلفي الرهان الثقافي غائبا في مجمل استراتيجيات الأجندات الجاهزة، التي تشابه علينا بقرها المستنسخ، لا وجود لأثر ثقافي داخل اللعبة، لا قيمة ولا معنى، وهذا يفصح عن تأبيد إفلاس الخطاب السياسي في معترك هذه الاستحقاقات الحزبية الواهنة، والوعي التنموي مهترئ في منسوب يقظة الفاعلين ما دامت الرؤية تفتقر بفداحة لبوصلة ثقافية عتيدة وطليعية.
تكفي نزهة طفيفة في برامج هذه الدكاكين السياسية، كي تلفي الرهان الثقافي غائبا في مجمل استراتيجيات الأجندات الجاهزة
والكاريكاتيري أن يتواطأ معظم السياسيين، قادة أحزاب أو غيرهم من المؤثرين في مكاتب تكتلات اقتراعية كهذه، على الارتزاق بصور احتفالية شعبية تستعير لغة الرقص والموسيقى الشعبيين، وهذه الصورة الركيكة لمحاولة هؤلاء احتواء القيمة والمعنى للرقص والموسيقى، لصالح أهداف سياسية وضيعة، إنما تكشف عن ضحالة عمقهم الفني، والمسألة محض ادعاء قبل أن تكون ارتزاقا يرتد على زيف النوايا وغبش النظر، وأغلب من رقصوا حسب هذا الزعم، من ممثلي الكتل السياسية ذات المرجعية الإسلامية أو اليسارية أو اليمينية، وهلم انتساب واه، اختلط على المواطن المغربي غباره المسموم، إنما أبانوا عن ركاكة الموهبة في أشكالهم الفرجوية، وعن تفاعل أخرق مع النزوع الفني أو الموسيقى المختارة بعناية، بحسب خصوصية الجهات، وفي علامات الفرجة المدعية يستفحل القش في عجينهم الفاسد.
وأما الممعن في "البهرجان"، استنادا إلى هذا الرقص الزائف، فحتما يخطر في باله قاموس التمويه لسفر الرقص السياسي من ألفه ليائه، بدءا بما يسمى بالرقص على الصفيح الساخن، ورقصة الديك المذبوح، ورقصة المطرقة والسندان، ورقصة مطاردة الظل، ورقصة إمساك الثور من قرنيه، ورقصة الشمعة في مهب الريح، ورقصة شد الحصيرة من الناصيتين، والرقص فوق حافة السكين، والرقص فوق الجمر، ورقصة العربة أمام الحصان، ورقصة الغرق في كوب ماء، ورقصة الحلقة المفرغة، ورقصة النفخ في قربة مثقوبة، ورقصة الفأر في بيت القط، ورقصة من يطفئ حريقا هائلا بحفنة قش، ورقصة المشي على حبل مشدود، ورقصة القفز من مركب إلى آخر، ورقصة قلب الأقمصة، والرقص فوق الألغام، والرقص على شفير الهاوية، ورقصة الكراسي، وهكذا دواليك.
في المجمل رقصة الحرباء هي ما يوجز أشكال هذه الفرجة الانتخابية المبتذلة، وهي رقصة لا تحكمها هارمونيا الموسيقى فعلا، بقدر ما يحكمها الاستقطاب الرخيص، وهي غير معنية بالإيقاع بقدر ما هي معنية بحساب الربح والخسارة.
رقصة الوصول إلى جوف الصندوق أمام شحذ عاطفة جماهير يراها هؤلاء قابلة لفن التدوير، وفي هذا السيرك يستشري المهرجون، ولا عملة لكسب الرهان سوى الاستعراض، بالتمام والكمال، السياسي الضحل ثقافيا، البائس معرفيا، والفقير فنيا، هو المنذور لمنزلة البهلوان.
من العبث الاستمرار في الحديث عن أكذوبة الدخول الثقافي، في غياب كلي لما يؤهله من منظومة راسخة واعية تضع الكتاب والقارئ في صلب الاهتمامات البنيوية
دخول سياسي مبتذل يخرج فيه ما هو ثقافي من أوسع الأبواب، وهو لذلك يطابق خروجا ثقافيا دامغا لا عند هؤلاء، لأن التحصيل حاصل وفاقد الشيء لا يعطيه، أو بلسان جورج برناردشو: "هو لا يعرف شيئا ويظن أنه يعرف الكثير، إذن فهو يمتهن السياسة"، ولكن بالمقابل الخطاب المأمول مرفوع إلى من قال فيهم المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
في المفكرة السياسية للأدب لا يمكن القفز على ناخب جوزيه ساراماغو الذي يتمرد بالصمت والورقة البيضاء في روايته الشهيرة "البصيرة"، وقبلها التشريح الساخر لجورج أورويل في روايته 1984.
وعودا على بدء، من العبث الاستمرار في الحديث عن أكذوبة الدخول الثقافي، في غياب كلي لما يؤهله من منظومة راسخة واعية، وإرادة نبيهة وفلسفة عملية ونبوغ في التدبير الشمولي والتخطيط الاستراتيجي، تضع الكتاب والقارئ في صلب الاهتمامات البنيوية، وقياسا إلى ذلك فالخروج الثقافي هو العنوان اللائق والأدهى.