سلطان المائدة المغربية

سلطان المائدة المغربية

استمع إلى المقال دقيقة

لا يستقيم عرس إن لم يتربع الكسكس على وليمته، ولا يستقيم مأتم إن لم يبيض الكسكس سواد عزائه. في طقوس الأعراس كما في طقوس الموت، يتبوأ الكسكس مقامه العالي، ولا يعلى على حضوره العتيد كطبق شمولي لا بد منه للمناسبة كي تتألق وتسمو، إذ الكسكس ما يسبغ عليها القيمة والمعنى.

كسكس الشيء- بحسب المعجم الوسيط- دقه دقا شديدا، والكسكاس هو إناء من معدن أو فخار، مقعر بثقوب كيما ينفذ منه بخار الطبخ لينضج ما يوضع فيه من لحم وغيره من الزرع.

وفي جمهرة اللغة لابن دريد، كسكس ومن معكوسه الكسكسة، كسكست الخبزة إذا كسرتها، والكسيس لحم يجفف ثم يدق كالسويق فيتزود به في الأسفار.

التسمية الشعبية الشائعة في المغرب هي كسكسو، وبالأمازيغية سكسو، والأكثر تداولا بالموازاة "الطعام" بتسكين حرف الطاء. لا شيء يعادل إمبراطورية الطعام على تعددها وتشعبها سوى الكسكس، جامع ديوان المطبخ، وبجدارة استحق أن يكون سلطان المائدة عن بكرة أبيها.

ومما أورده الحسن ليوسي في كتابه "المحاضرات في الأدب واللغة" في القرن السابع عشر، تسمية الكسكسون، بإضافة النون في مادة: "الكسكسون والتداوي بالشيء المعتاد"، وإذا ما تقصينا عتاقة الكسكس في المصادر التاريخية، سنلفيه لامعا في "كتاب الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب" لابن العديم الحلبي، وفي كتاب ابن رزين التجيبي الأندلسي، الشهير "فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان"، وفي كتاب "وصف أفريقيا" للحسن الوزان الملقب بليون الأفريقي وفي كتاب الطبيب العثماني داوود الأنطاكي، الموسوم بعنوان "تذكرة أولي الألباب"، وذكره باسم كسكسو، بينما أطلق عليه العثمانيون اسم كسكسي، وأبو العباس المقري الذي زار القدس مرتين وأشار إليه في رحلته، وبتفاصيل أكثر استطرادا سيحكي عنه الفرنسي جيرمان مويط في كتابه "رحلة الأسير مويط" 1683، والزياني في رحلته الدبلوماسية، عقب سفارته للباب العالي "الترجمانة الكبرى في أخبار المعمورة برا وبحرا"، وكذا ابن بطوطة. ومن الطبيعي أن نجد له صدى في المنظومات الشعرية، الفصيح منها والعامي، كقصائد بن آجروم والماجري وعلي اليوسفي وعبد القادر بن شقرون وعبد السلام الزموري.

وفق هذه النماذج التاريخية على سبيل المثال لا الحصر، ثمة تأصيل للكسكس من زوايا متعددة، غذائية ذات صلة بثقافة الطبخ، وطبية ذات صلة بثقافة التعافي، واجتماعية ذات صلة بطقوس العلاقات الإنسانية، والمناسبات الاحتفالية فرحا كانت أو حدادا.

دون التغاضي عن كتابين حديثين، الكسكس المغربي المخزني لمحمد عبد الحفيظ خبطة الحسني وهو مستخرج من كتاب الطغراء المغربية، العلامة السعدية أنموذجا، مدخل لدراسة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية، و"كسكسو، رحلة تاريخية مع سلطان الأطعمة المغربية" لرشيد العفاقي.

تتخطى علامات الكسكس مدار حلقته كطقس عائلي احتفالي، إلى ما هو أنثروبولوجي وفني

 طقوس إعداد الكسكس احتفالية، على مشقتها تتفرد بشعرية خاصة وبعلامات سينمائية لافتة، وإيقاع موسيقي ضالع في الهسيس، سواء في المحافل الاجتماعية الكبرى، أو في الصغرى على حدة، إذ أمسى ملازما ليوم الجمعة في المغرب، كأنه مكافأة دينية، والحال أنه متعدد الأشكال بحسب المناطق وفق ذوق النسيج الإنساني القبلي، احتكاما إلى موسم الحبوب شعيرا كانت الغلة أو ذرة وفي شائع الأحوال سميدا، وكذا موسم الحيوان والطير في آن، وأشهر أشكاله على الإطلاق "كسكس السبع خضاري"، والثابت أنه لا يستقيم دون يقطين، وأما أندره فالذي يطهى بالسمك.

ارتبط الكسكس بالزوايا الصوفية أيضا، كما تأسطر في طقوس الشعوذة والسحر، وطالما ترددت على مسامعنا في الطفولة، حكايات نسوة مريبات يتسللن إلى عتمة المقابر، ما إن يصلهن خبر مدفن حديث، إذ يفتلن بيد الميت سميد الكسكس ويا لهول الفكرة الشيطانية المتوغلة في مخيلتنا اليافعة!

أما الصورة الأليفة، الغائرة في الوجدان، فكسكس أمهاتنا الذي لا يعلى على أثر ملذاته، وهن يرفعن أكمام قفاطينهن بخيط رفيع حتى لا تخالط دشيشة الشعير التي يفتلنها في آنية خزف تسمى القصعة، قبل أن يرجعنها إلى آنية الكسكاس لتفور أكثر، وأبدع، وأشهى، وفي الطنجرة يبقبق مرق، عماده لحم خروف مع خضراوات لا يستثنى منها اليقطين واللفت والملفوف والجزر والباذنجان، وقد يضاف إليها الحليب في أوج نضجها. ما يشتاقه النائي منا بضراوة في غيابه عن بلده وأهله؟ في طليعة ما يشتهيه، هو كسكس الأم، في الغالب، والطقس لا يستقيم هو الآخر دون اللمة الحميمة حول القصعة، على الأرض كانت أو فوق المائدة، وفيما ينبري المتحلقون للوجبة بالملاعق، وحدها الأم تأكل بيدها، بارعة في تكوير اللقمة، وهي حارقة كجمرة، تلك الحركة الموشومة، ما يجعل احتفالية الوجبة ذات معنى، أو ما يسبغ قيمة فنية على اللحظة بالأحرى.

تتخطى علامات الكسكس مدار حلقته كطقس عائلي احتفالي، إلى ما هو أنثروبولوجي وفني، فمدار حلقته يفصح عن تلاحم في المسرات والأتراح في آن، وليس أقرب سيميائيا إلى حلقته سوى رقصة الأحيدوس الدائرية، ولأنها دائرة محكمة الطوق الاجتماعي والوجداني، فهي تشبه ميثاقا جماعيا، طاعنا في التاريخ، يؤشر رمزيا على هوية راسخة، على أسلوب حياة متواصل، يتجدد بتجدد الأجيال المتعاقبة.

font change