"ها أنا بعد بضعة أيام أغادر مكتب الجراح متسلحا بعناد روح مزيفة"، يهجس السارد في الفصل الثاني، من الرواية المكثفة "اعترافات روح مزيفة" للكاتب الروماني الطليعي إيلاري فورونكا (1903-1946)، التي ترجمها الكاتب السوري زياد عبد الله، رفقة رسومات دلدار فلمز، الصادرة حديثا عن "دار أوكسيجين" 2026.
وكان السارد قد عرج على جراح غريب الأطوار، في مناخ تستفحل فيه الحرب، مقترحا عليه أن ينزع روحه المعطوبة، وهذا ما أنجزه في رمشة عين. أكثر من ذلك، سيعوضها بروح مزيفة، بعدما أغراه الأمر في حوار مع زبون بقاعة الانتظار، ولأن الزمن زمن حرب، وحصاد الأرواح وفير، في كل الأحوال لن يعوض روحه بروح خنزير وهي الروح الأشد طلبا، بعدما انقرضت الحيوانات من فرط وحشية الاقتتال، سيمنحه في المقابل روح جندي. أما التفكير الجدي المستقبلي لهذا النوع من الجراحة، فمداره أرواح الآلات، كأن يضع الجراح روح محرك قطار في ذات مهندس، وروح دينامو في جسد تقني، وروح سفينة في جسد بحار، وهكذا دواليك.
عصر الأرواح المصطنعة
هو عصر ارتداء الأرواح المصطنعة إذن، والفكرة سوريالية ضالعة في اللامعقول، تنزاح بالرواية إلى أدب ويلات الحرب ومضاعفاتها الوخيمة، وهذا ما تتمثله حالة البطل الذي أمسى يتكيف مع روحه الطارئة، المنتحلة، بالتدريج، حد أنه أصبح معافى من أعراض روحه السابقة. لا ندم، لا غم، لا أرق، لا انتكاسات، ولا وخزات الضمير حتى. كيف لا، وهي لجندي من المحتمل أنه قضى نحبه في أرض الجبهة، وسواء كان الجندي نافخ بوق في كتيبة أو غيره من الرتب الشبيهة، فالأهم أن من فضائلها المعافاة والجسارة فوق ذلك، وقد تأكد له ذلك، في أول تجربة مع امتحان مغازلة حسناء أعربت له عن حبها في الحين.
أما التجربة الأكثر رعبا بالنسبة للبطل دائما، ففي جلسة تحضير أرواح تحت إشراف صديقة له، حين جاء دوره ليتكلم، فطفق الجندي يتكلم بدله، وأفصح عن سيرته الموجزة كخريج للمدارس العسكرية، توجته رامي مدفع رشاش، خاض معارك ماحقة في الحرب القائمة، سينتهي بأن تخترق صدره رصاصة، فانبرت له الممرضات في مخيم بالحقن مستخلصات روحه المخدرة. عند هذه النقطة ينتفض البطل ويغادر الجلسة محتجا، خشية أن يكتشفوا بأن روحه مزيفة وليست أصلية.
ستتجسد له روح الجندي في شجرة داخل مرآة بغرفة نومه، وتتواصل الاعترافات، بدءا بسخطه من أن روح الجندي الطموح، المتوقد شبابا، تصير في النهاية بديلا لروح البطل، وهو مجرد موظف في أدنى السلم ضمن شركة مالية، بجسد محدودب وحياة بائسة، كل ما يفعله انتظار مواعيد الطعام والإخلاد إلى النوم.
نقطة التحول في الرواية حينما تعترف له روح الجندي، بأنه عاش تجربة غرامية مع عازفة بيانو، وكان الحلم هو الزواج بعد الانتهاء من خدمته في الحرب، لكن النهاية باغتته مع اختراق رصاصة لصدره وحالت بينه وبين ذلك، فكان رد فعل بطل الرواية أنه طلب من روح الجندي موافاته بتفاصيل المرأة كي يبحث عنها في الغد. وهذا ما سيشرع فيه بأن يقصد القطاع الشمالي، بحثا عن عازفة البيانو.

