محاولة للإجابة عن السؤال البسيط المعقد... ما هي الموسيقى؟

مجالها الفعلي التأثير في المتلقي

Eduardo Ramon
Eduardo Ramon

محاولة للإجابة عن السؤال البسيط المعقد... ما هي الموسيقى؟

إن لم تكن مشتركات اللغة والموسيقى تتجاوز كون كل منهما نظاما صوتيا ذا قواعد، وإن كانت الموسيقى مختلفة عن اللغة على صعد الوظائف والمعاني والاستقبال البيولوجي العصبي المختلف لكل منهما وعلى المستوى الفلسفي والتعريفي لهما، فما تكون؟

الحق أن تعريفنا للموسيقى مهم إذ سيكون له تأثير في استقبالنا لها وحكمنا الجمالي عليها وفهمنا لمغزاها وإمكان معرفتها، كما سيؤثر في طريقة أداء المؤدين لها وعلاقتهم بها. فلا يستوي مثلا أن نظن أن الموسيقى هي "حاملة معان"، فيصير الحكم مرتبطا بالمعاني أو بالرسالة وينتهي الأمر بالحكم على الأغاني وفقا لكلماتها لا لموسيقاها مثلا، أو أن نعتبرها "صانعة لعالم صوتي" فيصير السؤال عن وسائل صناعته وتركيبه ونجاحها او فشلها، أو أن نظنها "تعبيرا عن نفس المؤلف" ويصير السؤال عندئذ حول مدى اتصالنا "بنفس المؤلف" وعن اهتمامنا بتلك النفس أصلا ويتحول المؤدي إلى وسيط شبه شفاف بيننا وبين المؤلف.

لن نتناول في هذا المعرض مسائل الأحكام الجمالية على موسيقى معينة ولا أشكال تأثيرها في السامعين أو مواضع استعمالها في المجتمع أو غير ذلك من جوانب الموسيقى. كذلك لا نستعرض في هذه العجالة مجمل آراء الفلاسفة والنقاد في ماهية الموسيقى، ولا نظن أن في الإمكان آخر الأمر انتاج تعريف واحد موجز جامع مانع لها، وذلك لتعدد زوايا النظر إليها تعددا فائقا.

لكن النظر في بعض النواحي، وبالتحديد لناحية ما هو "موسيقي في نسيج الموسيقى ذاتها"، ضروري وسيكون مقدمة لحديث لاحق عن كيفية الاستماع إلى الموسيقى، وأدوات المؤلفين، ودور المؤدين والنقاد من الجنسين.

الموسيقى تنظيم أصوات في الزمن

ينبغي أولا الإعراض عن ربط الموسيقى بالتدوين الموسيقي، سواء بالنوطة الغربية أو غيرها. فالتدوين بدأ كعامل مساعد للذاكرة وسمح في إطار الموسيقى الغربية بتعقيد النسيج الموسيقي والتوزيع وربط جمل مختلفة في إطار البوليفوني وإنشاء ودراسة الهارموني. لكن الشطر الأعظم من موسيقات العالم لا يعرف سبق التدوين للمسموع، بل وفي غالب الأحيان لم يعرف التدوين أو لم يستعمله. كما أن الارتجالات، في موسيقات العالم المختلفة، أيضا خارجة عن إطار التدوين. فليست النوطة إذن معيار وجود الموسيقى. ولا يمكن حصر العمل في تدوينه، ولا افتراض أنه اصلا في "رأس" المؤلف فلا يتبقى لنا إلا صور باهتة عنه. وإذا ما خرجنا من نطاق الموسيقى الأوروبية المدونة، فإن السؤال عن كون "العمل الموسيقي" المفرد هو مجموع اداءاته "الوفية" أم لا، لا يعود سؤال مهما لتعريف الموسيقى، ففي موسيقى يغلب عليها الارتجال الحر، أو المقيد بقواعد مرجعية، فإن "العمل الموسيقي" ليس مصنوعا أصلا كي يتكرر بحذافيره.

من الخطأ افتراض أن الموسيقى "تحمل" بالضرورة مشاعر أو صورا أو معاني أو أفكارا خارج الموسيقى

وليست مصاحبة الكلام أيضا شرطا في طبيعة الحال، وإن كانت الأغاني في منطقتنا هي أغلب الموسيقى، إلا أن التقاسيم والموسيقات التصويرية ومقدمات الأغاني والمؤلفات للآلات هي كلها أيضا موسيقى. وليست الموسيقى بالضرورة حكرا فقط على الآلات التي تصدر أصواتا على السلم الموسيقي (المختلف بين الحضارات)، إذ في إمكان عازف إيقاع أيضا، وحيدا او مع عازفي إيقاع آخرين، أن ينتج موسيقى.

مسارات متقاطعة

ورغم الافتراضات التاريخية حول نشأة الموسيقى، وتعدد مصادرها من الايماء والمسرح والدين والرقص، وهو التعدد أيضا الذي نعثر عليه بيولوجيا، أي إن استقبال الموسيقى يتطلب تقاطع عدة مسارات منفصلة في الدماغ لمعالجتها، فإن الموسيقى ليست منتمية إلى أي من هذه المجالات في ذاته، بل تتضمن عناصر الصوت والايقاع وقد تحولت إلى المادة الأولية التي تتركب منها الموسيقى. كما إن تعريف الموسيقى لا يعتمد على وظائفها المختلفة الأقدم، كالوظيفة الدينية أو زيادة اللحمة الاجتماعية أو تنظيم إيقاع العمل، لأن التعريف ينبغي أن ينطبق على كل ما يمكن أن نسميه، من وجهة نظرنا، الموسيقى.

كذلك من الخطأ افتراض أن الموسيقى "تحمل" بالضرورة مشاعر أو صورا أو معاني أو أفكارا خارج الموسيقى. وسبب الخطأ هو تعميم الجزء على الكل. فبعض الموسيقى، كما في الغناء مثلا وبسبب استعمال الألفاظ  والحنجرة البشرية، يمكن أن يحمل بعض المعاني بسبب الألفاظ. مثلما إن محاكاة عناصر الطبيعة وأصواتها قد يحصل في بعض الموسيقى (وقد لاحظ اريك دوفور، وقبله شابانون، القلة النسبية لحالات المحاكاة وفقرها عموما) لكنه ليس شرطا لها. وفي معظم الحالات فإن "عنوان المقطوعة" هو ما يتسبب في تحميلها الصور والمعاني مثل "البحر" أو "الفصول الأربعة". لكن عنونة القطع تقليد أوروبي متأخر، ولن نعدم أمثلة على السخرية منه مثل اعمال ساتي الموسيقية "على شكل الكمثرى" أو "القوس المدبب" أو "قطع باردة". في المقابل علينا بالتأكيد التوقف مطولا أمام "التقدمة الموسيقية" التي صنعها باخ، وهي من أعظم الأعمال الموسيقية في التاريخ ربما، حيث لا وجود لبرنامج محاكاة خلفها ولا للتعبير عن كلمات ولا عن نفسية مؤلفها الذي نفذ طلبا ملكيا باللعب على جملة الحاكم الموسيقية.

Photo by ATTA KENARE / AFP
عازف العود الإيراني حميد خانساري يجرب آلة جديدة في ورشة لصناعة العود بطهران

وفي العموم، تكمن مشكلة الربط بنيات المؤلف الموسيقي، في أنه لا يمكن تعميمها على الموسيقى جميعا، فقسم هائل منها في الواقع لا نعرف مؤلفيه على الاطلاق، مثلما لا يمكن تخصيص العمل المحدد كله بنية واحدة وخصوصا عندما يستعمل نفس اللحن لكلمات كثيرة متعددة ومتنافرة القصد أحيانا، كما في الغناء الشعبي والقدود والموشحات.

فما نسعى إلى الاقتراب منه إذن، إنما هو التوقف عند ما هو شرط للموسيقى، لا تعميم ما يحصل في بعض أنواعها أو قطعها. أي التفكير في موسيقى غير مرتبطة بالضرورة بنص أو بعنوان وبمعزل عن مناسباتها، التي قد نعرفها أو نجهلها، ولا في طبيعة الحال باعتبارات قروسطية تعسفية، من نوع ربط أوتار العود القديم الأربعة بالطبائع الأربعة، والمقامات الاثنتي عشرة بالأفلاك والأبراج، والدرجات السبع بالكواكب، حيث كان تفكير القرون الوسطى يعتمد على تفسير العالم باللجوء إلى المشابهات الرقمية خصوصا.

شعوب ومسميات

كذلك ينبغي التوضيح أننا نحاول فهم ما نطلق عليه نحن اسم "الموسيقى". ذلك لأن الشعوب المختلفة ربما تطلق هذا الاسم أو ما يوازيه على أجزاء من عالمها الصوتي وتنفيه عن أجزاء أخرى، كقول البعض بأن التلاوة القرآنية أو الألحان المصاحبة للطقوس الدينية ليست من الموسيقى، أو افتراض بعض الشعوب أن المناسبات التي يتنافس فيها المؤدون على أداء بعض الأنغام والايقاعات إنما تنتمي إلى عالم اللعب لا فن الموسيقى. أما بالنسبة لنا، فهنالك عنصر موسيقي لا يمكن انكاره، مثلا في الأذان أو التلاوة، حتى وإن وضع هذا العنصر في خدمة هدف ديني. الفارق هنا بين هذا العنصر الموسيقي وبين إشارة الهجوم العسكرية الصوتية هو وجود معادل واضح ومحدد مسبقا للإشارات هذه، بينما تأثير العنصر الموسيقي متروك للمتلقي.

جزء من تعريف الموسيقى يتطلب أيضا أن نحدد كيفية الانصات إليها، وهل السامع يسعى إلى التعرف على إشارات أو أوامر أو إلى مصدر الأصوات

بالتالي فإن جزءا من تعريف الموسيقى يتطلب أيضا أن نحدد كيفية الانصات إليها، وهل السامع يسعى إلى التعرف على إشارات أو أوامر (كما في المثل العسكري)، أو إلى مصدر الأصوات (كالسامع دبيب خطى السارق في الليل أو صوت الوحش في البرية)، أم يسعى إلى الانصات إلى الأصوات في معزل عن مصدرها وعن تحويلها إلى معادل لفظي مباشر. أو كما يقول ألان، فإن قدرة الموسيقى منعدمة على الوصف، لكنها فائقة في الاستثارة، أي في اثارة المشاعر لدى المتلقي. فلا ينبغي أن نخلط، هنا أيضا، بين "تأثير" الموسيقى على السامع، وبين ما "تحمله" هي بالضرورة في نسيجها الصوتي.

ما ينتهي إليه إذن اختزال الموسيقى إلى ما هو ضروري من الحد الأدنى من عناصرها، ودون اللجوء إلى حكم جمالي حول العمل الموسيقي، هو القول بأنها فن يعتمد على أصوات (بما فيها الأصوات البشرية والالكترونية وغيرها) ويندرج في الزمن. إذ لا تتصور موسيقى خارج الصوت (والحديث عن موسيقى اللوحات مثلا هو مجاز فقط) ولا خارج الزمن فتستنفد في أقل من لحظة.

غير إن ضجة الشارع خارج النافذة، أو أصوات أقدام كتيبة المشاة، أو الطبع على الآلة الكاتبة، لا تشكل موسيقى في حد ذاتها، بينما تسجيلها ومعالجتها وإعادة استخدامها في عمل موسيقي يمكن أن تصير موسيقى. أي أن على شخص ما أن يختار الأصوات من بين ضجيج الكون ويقدمها إلينا في سياق حتى تصير بالنسبة لنا موسيقى. وكذلك الحال في أصوات العصافير أو الحيوانات أو الطبيعة، فإنها في ذاتها ليست عملا موسيقيا، إلا أن محاولات استخدامها أو استلهامها أو محاكاتها يمكنها أن تصير موسيقى بإدراجها في سياق مخصوص.

  Saudi General Culture Authority / AFP
فرقة الموسيقى العربية التابعة لدار الأوبرا المصرية تحيي حفلا في الرياض

أي أن لكل ثقافة، وفي العصر ما بعد الحديث لكل مؤلف موسيقي، تحديد مجموعة من الأصوات التي تندرج بالنسبة إليهم في مجال الموسيقى، وكذلك مجموعة من التركيبات الإيقاعية، ومن الأدوات لإنتاج الأصوات، وربما في بعض الثقافات أيضا إنشاء خطاب يسمح بالحديث عن الموسيقى وبإقامة تراتبية بين أنواعها ومعايير للحكم عليها جماليا، وإن كان هذا الأمر الأخير ليس معيارا، إذ ان غياب الخطاب على الموسيقى أو جهلنا به لا يمنعنا من التفاعل مع موسيقات نجهلها بالكامل كالموسيقى الصينية أو الاندونيسية على سبيل المثل، والاعجاب بها اعجابا عميقا.

فالموسيقى إذن هي في اختزالها الأقصى عملية اختيار وتنظيم مقصود، أو إنشاء سياق، للأصوات في الزمن، أو بقول دولوز "ادخال علاقات إنسانية بين الأصوات".

يفترض هذا القول إخراج أعمال "مفهومية" مثل عمل جون كايج، أربع دقائق وثلاث وثلاثون ثانية، حيث يفتح البيانو لهذه المدة ثم يقفل ويمتلئ هذا الزمن بأصوات الصالة نفسها، من حيز الموسيقى إلى حيز "التجارب الحدية" التي تسائل الموسيقى عن ماهيتها وحدودها. لكن هذا القول نفسه لا يعني بالضرورة أن على المؤلف مسبقا تنظيم كل صوت سيتم إدخاله في العمل. فهنالك مساحة متاحة مثلا للارتجال أو لاختيارات العازفين، كما في الجاز أو في بعض أنواع الموسيقى التجريبية التي تترك لكل من العازفين إمكانات الاختيار بين عدد من الاحتمالات، ولا يعني هذا خروج العمل عن طبيعة الموسيقى ولا عن كونه عمل صاحبه الذي يترك قاصدا مثل هذه المساحات في بعض الأعمال، مثلما يقبل حكما باحتمالات الخطأ أو التفسير الشخصي للمؤدين في الأعمال المدونة مثلا.

شبكة العلاقات الصوتية

عملية تنظيم الأصوات تعني إنشاء علاقات في الزمن بين أصوات ذات اهتزازات مختلفة، مثل الارتفاعات المختلفة لدرجات السلم أو للدرجات الميكروتونالية، وذات لون (مصدر) أو نبرة تشديد أو تخفيف أو جهارة، أو الاختلاف بين الضربات الإيقاعية الغليظة والحادة وما بينهما. هذه العلاقات التي ينظمها مؤلف أو عازف، تقدم إلى المستمع الذي يتولى دماغه عملية الربط بين الأصوات المتعددة التي تموت في اللحظة بحيث تتبين بينها شبكة من العلاقات التي تصمد حتى بعد انقضاء الصوت الأسبق، فيتبين، في أبسط الأمثلة، انتقال العازف من درجة إلى أخرى ثم العودة إلى المستقر، وتنشئ الأذن عندها علاقة بين هاتين الدرجتين، المختارتين ربما عبر آلاف السنين، لتكونا درجة وخامستها على سبيل المثل (وتشير دراسات حديثة إلى أن الربط بين درجة والاوكتاف فوقها ـ أي الدرجة الثامنة بعدها كمثل درجتي دو خفيضة ودو حادة ـ هو ربط مكتسب ثقافي وليس بالضرورة بيولوجيا).

هناك في سياق الموسيقى الشرقية الطربية قبول ضمني بأهمية الارتجال والزخرفة وحق المؤدي في الإضافة إلى العمل الأصلي لاستثارة المفاجأة

إذا ما أخذنا شبكة العلاقات في شكل مجرد، أي بكونها مجموعة من الارتباطات بين الأصوات في الزمن، فهي  تطرح سؤالا إضافيا: هل نحن أمام عمل مختلف إذا عزفنا مثلا رقصة لباخ على العود أو على الفيولا بدلا من عزفها على التشيلو؟ هل تظل القطعة نفسها إن عزفت بسرعة مختلفة عما قصده صاحبها، لا سيما أن باخ مثلا لم يدون السرعة، وفي بعض الأحيان ليس من الواضح لأي آلة قد ألف عمله، مثلما أن هناك كثيرا من الاختلاف حول الدوزان الفعلي الذي كان يستعمله وهل كان متساويا بالفعل أم لا؟ أو، في منطقتنا، هل علينا أن نؤدي أغنية لعبد الوهاب مثلا أو لسيد درويش بالضبط مثلما سجلت على أسطوانة قبل مئة عام، أو أن نعزف عملا لسعيد الشرايبي مثلا بنفس الزخرفات التي قدمه بها على المسرح؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست واحدة في الحقيقة. ففي سياق الموسيقى الشرقية الطربية هناك قبول ضمني بأهمية الارتجال والزخرفة وحق ـ بل واجب ـ المؤدي في الإضافة إلى العمل الأصلي لاستثارة المفاجأة، بل إن المؤدين الأول لهذه الأعمال كانوا ينوعون فيها كل مرة قدموها. أي أن السياق الذي تنشأ فيه شبكة العلاقات يحكم إلى حد ما إمكان التنويع عليها. ما يظل ضروريا هو حد أدنى من العلاقات الضرورية، مثل عدم تحويل إيقاع المحجر إلى المصمودي مثلا أو عدم تحويل عمل الشرايبي من مقام إلى مقام آخر، أو عدم اهمال الملامح الأساس للجملة الأصلية، التي يمكن الزخرفة حول مفاصلها وليس تغيير هذه المفاصل. ذلك وإن سمحت قواعد هذا السياق بهامش أكبر من الإضافات في بعض القوالب: مثلا من الصعب قبول ارتجالات تضيف جملا إلى معزوفة آلية في قالب السماعي، في حين أن هنالك مساحة مخصصة للارتجال بين جمل ثابتة في قالب التحميلة العزفي. أما على صعيد الغناء فإن تقاليده تبيح مثلا لمطربة مثل أم كلثوم أن تقدم ارتجالاتها وجملها الخاصة، مع وضوح الفارق للمستمع بين عمل الملحن وإضافاتها هي. وفي هذا السياق أيضا يفترض بالارتجالات والتقاسيم أن تكون خاصة، ووليدة اللحظة، بحيث تكون عملا موسيقيا ناجزا لا يفترض إعادة تكراره. لذا لا معنى للحديث، خارج حدود التمرين واكتساب التقنيات، عن عزف فلان لتقسيمة "الربيع" لفريد الأطرش مثلا.

كذلك الأمر مثلا في التقليدين الفارسي أو الهندي حيث تتجاور حدود دنيا من النغمات اللازمة والجمل الشارطة للانتماء إلى دستكاه معين أو إلى راجا محدد، مع مساحات متفاوتة بحسب القوالب والقطع، من الارتجال والزخرفة والإضافة الشخصية.

 KENZO TRIBOUILLARD / AFP
صفحة أصلية بخط يد فولفغانغ أماديوس موزارت في المكتبة الوطنية الفرنسية

أما في السياق الغربي فقد كانت بعض المؤلفات مثلا تترك للعازفين، لا للمؤلفين، كتابة "الكودا" التي يفترض أن تظهر كأنها شبه مرتجلة. ومع مرور الزمن وتعقد الكتابة الموسيقية، قلت المساحة المتروكة للعازفين حتى عادت مع المحاولات التجريبية في القرن العشرين، وفي الجاز بالطبع. في المقابل، يسمح السياق الغربي للعازفين ولقادة الأوركسترا بتقديم "تأويل" للموسيقى المكتوبة. ونضع "تأويل" بين مزدوجات لأنها التعبير الشائع ترجمة لـinterpretation التي قد تعني أيضا "تشخيص" أو "تجسيد" بمعنى التمثيل في المسرح والسينما. أي أننا نعتبر ما يقوم به العازفون وقادة الأوركسترا في الواقع إنما هو تجسيد أو منح وجود فعلي لما لم يكن قبلهم إلا احتمالا لشبكة علاقات صوتية مكتوبا على الورق ولم "يخلق" ـ على ما تقول العبارة الغربية ـ  لأول مرة إلا حين عزف حقا. أي أن العبارة الغربية تشدد على أن الكتابة على الورق ليست الموسيقى، بل هي الاحتمال الذي لا يتحقق إلا حين يتحول صوتا بوساطة العازفين وتوجيه قادة الأوركسترا إن وجدوا.

وهذا السياق الغربي نفسه هو ما يقبل بقواعد ضمنية تجيز مثلا في حال سكوت "الورق" (أو أحيانا حتى ضد المكتوب على ما رأى فاغنر أن يجيز لنفسه) تعديلات في السرعة مثلا أو في التشديد أو في تقطيع الجمل، لإبراز الفهم الخاص لشبكة العلاقات الصوتية في الزمن هذه، ولإيضاحها إلى المستمع. فالتأويل والتجسيد إذن إنما هما تعزيز شبكة العلاقات وإبرازها، وفهم الموسيقى إنما هو إدراك هذه الشبكة.

المستمع الذي لا يهتم إلا لكلمات النص المقدس لن يتأثر بصوت القارئ المتفنن بل قد يرفضه مثلما تفعل بعض النظرات الدينية تجاه التلاوات القرآنية المنغمة

من هنا تبرز مدارس مختلفة في حدود الإجازة، بين مدرسة أقدم سمحت مثلا بتقديم الأعمال الباروكية بنفس رومنطيقي، وأخرى تطالب بالاقتراب قدر الإمكان من فهم الموسيقى وإعادة انتاجها وفق ما كانت عليه زمن الباروك نفسه مثلا، بآلاته وزخرفاته وطريقة تقطيع جمله. في المقابل، فإن نقل شبكة العلاقات من صوت آلة إلى صوت آلة أخرى، في السياق الغربي، لا ينفي ملكية صاحب العمل (باخ مثلا) لكنه يشترط أحيانا توضيح عملية النقل والإعداد لما تتطلبه ربما من تغييرات أو تعديلات لمواءمة طبيعة آلة أخرى، فيقال مثلا إن هذا العمل شاكون لباخ بإعداد بوزوني للبيانو أو بإعداد انيسيموفا للتشيلو.

 Alberto PIZZOLI / AFP
طلاب يتدربون على البيانو تحت لوحة للموسيقار يوهان سيباستيان باخ في القدس

يعني كل هذا أن عملية "إعادة انتاج" شبكة العلاقات، أي إعادة تقديم الموسيقى، في نفس الصورة وبدقة، إنما تخضع لمستوى تطلب متفاوت بحسب السياق الثقافي لانتاجها، حيث تضيق مساحة التغير والإضافة أو تتسع بين الثقافات المختلفة.

الموسيقى إذن "إنشاء" شبكة العلاقات في آذاننا، سواء كانت بنية هذه الشبكة موجودة من قبل وإن في حدها الأدنى (في حال عزف عمل مدون أو مسجل أو محفوظ من قبل)، بالتالي "تحيين" أو "تحقيق" هذه الشبكة، أو إنشاؤها مباشرة وفي الآن في حالة الارتجالات. ولا تنشأ هذه الشبكة رغما عن الآذان، بل بفضلها وبفضل دور الإنصات في جمعها وربطها بعضها ببعض.

دور الإنصات إلى الأصوات

القول بأن طبيعة الموسيقى هي تنظيم شبكة علاقات صوتية في الزمن غير كاف ربما لتعريفها. فاستعمال النغمات الموسيقية مثلا كإشارة في الحروب، أو للتنبيه على العمال في المصنع للتجمع، أو كأداة لجذب انتباه المسافرين في المطار، يخرجها في ظن الغالبية الأعم من إطار الموسيقى لتحويلها إلى "كود" أو مجموعة من الرموز التي تخرجنا من الاستماع إليها إلى حالة التواصل مع القصد من استخدام هذه الأصوات في هذه الحالة، ويمكن بسهولة تخيل استعمال كلمات التنبيه او التحذير او الهجوم محل استخدام آلات البوق أو الأصوات المسجلة في هذه الحالة بنفس النتيجة.  

لذا قد يضيف البعض أن على الأصوات المنظمة هذه أن تقدم في إطار يمنح الأولوية للإنصات إليها "كأصوات" وليس كإشارات نحو "قصد" غير صوتي.

لا ينفي هذا وجود عناصر موسيقية في الإشارات والتنبيهات الآنفة الذكر، كما لا ينفي وجودها مثلا في الاستعمالات اللغوية (مثل تشديد النبرات في الأمر، أو رفع طبقته في نهاية السؤال)، لكن استخدام عناصر من الموسيقى كالنبر واختلاف الطبقات والتنغيم والإيقاع في سياق غير موسيقي، مثل الخطابة، لا يحوله إلى موسيقى. بالطبع يمكن الموسيقى أن "تؤثر" في تلقينا مثلا كلمات النص المقدس بأن نشعر بخشوع أعلى، أو مشاهد الأفلام بين التشويق والغرام بأن نتضامن أكثر مع الممثلين، أو كلمات الأغاني في بعض الأحيان وفي بعض التقاليد الموسيقية. لكن هذا التأثير نفسه مشروط أولا بالاستماع إلى الموسيقى كأصوات للسماح لها بحيازة هذا التأثير. فالمستمع الذي لا يهتم إلا لكلمات النص المقدس، لن يتأثر بصوت القارئ المتفنن بل قد يرفضه مثلما تفعل بعض النظرات الدينية تجاه التلاوات القرآنية المنغمة على سبيل المثل.

 REUTERS/Khaled Abdullah
رجل يتلو القرآن في الجامع الكبير بصنعاء خلال شهر رمضان

هنا أيضا لا يشترط في المستمعين أن يكونوا خبراء وأن يعرفوا تفاصيل العمل الموسيقي لحصول التأثير، بل يشترط حدا أدنى من إيلاء السمع للأصوات، في وصفها اصواتا لا إشارات كودية ولا حركة طبيعية تستدعي معرفة مخاطرها، وبالتالي افساح المجال لها كي تلعب دورها في "التأثير" الذي يحصل وإن بشكل غير مفكر فيه. وسحر الموسيقى وفتنتها هما بالضبط في هذا "التأثر" الذي هو وليد التفاعل بين شبكة العلاقات الصوتية المنظمة في الزمن وبين إنصات المتلقي. ولهذا مثلا لا يمكن من ليس مستعدا، أو لا يملك الألفة الكافية أو المعرفة، ولا منصتا، أن يطرب حتى لأعظم الأداءات.

الموسيقى ينظمها البشر من أجل "مصاحبة" تجاربهم، بما في ذلك لحظات التعب أو الوحدة أو الملل أو الرغبة في اتقان فن أو امتلاك فكرة

لهذا قد يزيد البعض مثل جيرولد ليفنسون أن الموسيقى شبكة علاقات صوتية ينظمها البشر "من أجل اثراء أو تعزيز التجربة" enrichment or intensification of experience  التي يخوضونها، كمثل تقوية الخشوع في الطقوس الدينية أو زيادة الشعور بالعزاء في المآتم او بالسرور في الأفراح أو بالترقب أو الحب في العلاقات أو مشاهد الأفلام وما إلى ذلك. ومشكلة هذا التعريف أنه يتطرف في حده. فيخرج مثلا ما يسميه "موسيقى المصاعد" من تعريفه، دون أن يوضح سببا لذلك. لكنه أيضا لا يوضح كيف يمكن أغاني العمال مثلا او الفلاحين أن "تعزز التجربة"، بل هي ربما "تهونها" عليهم، كذلك ليس من الواضح ما هي التجربة التي تعززها الموسيقى في حال ذهاب شخص غير مؤمن إلى حفلة موسيقى كلاسيكية مثلا لحضور "ريكويم" موتسارت، باستثناء أنها تجربة جمالية، أي تجربة الاستماع إلى الموسيقى في ذاتها؟ كذلك من غير الواضح في مثل هذا التعريف هل العازف الذي يعزف في غرفته، يصنع موسيقى ام لا؟

قد يكون الأوفق القول إن الموسيقى ينظمها البشر من أجل "مصاحبة" تجاربهم، بما في ذلك لحظات التعب أو الوحدة أو الملل أو الرغبة في اتقان فن أو امتلاك فكرة، مما قد يعتري المرء في غرفته. وفي هذه المصاحبة قد تلعب الموسيقى وظائف مختلفة بين تعزيز شعور مطلوب أو تهوين تجربة صعبة أو الاستمتاع المجرد بالجمال أو تقوية الروابط الاجتماعية بين مجموعة أو إراحة الذهن قبل النوم أو غير ذلك. وتنبغي الإشارة إلى أن هذه "المصاحبة" معزولة عن "نيات" المؤلف، إذ يمكن صاحب فندق أن يضع موسيقى شوبرت في المصعد إذا أراد، ويمكن أن يطلب محتضر أن تعزف في مأتمه قطعة راقصة أو حزينة، كما يمكن غير المؤمن تذوق جمال الموسيقى الدينية. وتستعمل أحيانا القطع نفسها في مناسبات مختلفة. لا تفترض الموسيقى إذن أن نلتزم "نيات" المؤلف ولا مشاعره في لحظة التأليف، ولا بالطبع مشاعر العازفين في حفلاتهم المتكررة، كما لا تفترض أن كل البشر سيتأثرون بها بنفس الطريقة ولا سيستعملونها في نفس المناسبات.

REUTERS/Amr Abdallah Dalsh
عازف موسيقي خلال سحور رمضاني في محمية وادي دجلة بالقاهرة

عمليا يقدم المؤلفون والعازفون موسيقاهم لتصاحب البشر، ولتضيف إلى عالمهم الواقعي وزمنهم اليومي، مساحة إضافية ومغايرة للواقعي واليومي، على رأي كليمان روسيه، هي مساحة الفن، ولتسحبهم إلى ايقاعها ونبضها الخاصين، فتنشئ عندئذ عالما يروض الزمن والحوادث تحت خيمة التنظيم، ويخلو من الأشياء الملموسة دون أن يكون ناقصا البتة، على ما يقول فرنسيس وولف. وهذان، أي الإضافة والمغايرة، ما يسمح للموسيقى بامتلاك هذا التأثير الضخم، حتى أنها تفعل بالرؤوس أشد من فعل الخمر على ما قال بعض الفقهاء. أما تأثر البعض بالموسيقى بشكل محدد وخاص، فمرتبط بحالته الآنية وألفته بها وذاكرته معها وبمعاييره الجمالية للحكم على الفن المخصوص وبمكان تقديمها وبعوامل كثيرة أخرى تتفاعل مع ما هو مقدم إليه في نسيج الموسيقى نفسه.

تعقيد الظاهرة الموسيقية

الموسيقى إذن "واقعة اجتماعية شاملة" (بحسب جان مولينو)، وذلك بغض النظر عن افتراض وجود دلالة غير ضمنية لها (الدلالة الضمنية يقصد به هنا موقع الدرجة الموسيقية مثلا ووظيفتها بالنسبة إلى الدرجات الأخرى، كأن تكون مستقرا أو غمازا أو تمهيدا لتحويل... الخ. أي وظيفتها في داخل الموسيقى). فارتباط الموسيقى بالمجتمع لا يشترط المرور بالمعاني اللغوية على ما أسلفنا. و"الواقعة الاجتماعية الشاملة" التي يستعيرها مولينو من مارسيل موس، يقصد بها أن كل حالة منها تستدعي مجموعة من الأنظمة الأخرى الدينية والاجتماعية والتقنية والحقوقية والاقتصادية والجمالية وغيرها، أو عددا معبرا منها.

وفي هذه الواقعة الاجتماعية الشاملة، يميز مولينو بين مستويات ثلاثة من التحليل: مستوى المنتج أو المؤلف، والمستوى المادي المحايد، ومستوى التلقي.

ولئن أمكن في بعض الحالات، لا سيما الغربية، تتبع قصد المؤلف ونيته وزمنه والسياق الرمزي الذي عاش في إطاره وأسلوب عمله، فإن معظم حالات الموسيقى في العالم لا تسمح بذلك، وفي كثير جدا من الحالات لا نعرف أصلا من المؤلف الأول لموسيقات الراجا أو للكوشيهات التي يتألف منها الرديف الإيراني أو للمقامات العراقية ولا لكثير من الموشحات المصرية والشامية.

أما بالنسبة إلى المستويين الآخرين، ففي الإمكان بالطبع تحليل شبكة العلاقات الصوتية في الزمن (أي المستوى المحايد)، وإجراء دراسات حول التلقي واساليبه وتفاعل الدماغ البشري معها ودور الثقافة، لا فقط البيولوجيا، في ذلك.

تندرج الموسيقى كواقعة اجتماعية شاملة في أطر كثيرة تستدعي قضايا الإبداع والتقليد والثقافة والتقنية والأدوات المتاحة

تندرج الموسيقى كواقعة اجتماعية شاملة في أطر كثيرة تستدعي قضايا الإبداع والتقليد والثقافة والتقنية والأدوات المتاحة والاقتصاد وأماكن استهلاكها ومناسباتها والذاكرات الفردية والعمومية والاستخدامات السياسية للفن والنظريات الجمالية المعتمدة في زمن ما وكثير غيرها. وهذا ما يعقد في طبيعة الحال مسائل تعريفها وتحديدها ودراستها، وينشره على قدر كبير من المجالات المعرفية، قبل الدخول حتى في مسألة تقييمها والمفاضلة ما بينها والحكم على نجاح العمل أو فشله. ولهذا فإنها تستدعي النقد، الذي يتجاوز الانطباعية الذاتية والتحليل التقني الميكانيكي والتأريخ الخارجي لصانعيها، ساعيا إلى التقاط التقاطعات بين المجالات المختلفة التي تتماس معها الموسيقى كواقعة اجتماعية شاملة.

وإذ نذكر بأن المؤلف أو العازف المحترف يسعى إلى إنشاء شبكة من العلاقات الصوتية في الزمن لمصاحبة البشر في تجاربهم، فإنما نقول بأن الهدف ليس "التعبير" عن ذاتيته أو أفكاره أو أقواله أو منظر حيوانه الأليف في الصباح، حتى وإن كانت هذه نقطة الانطلاق التي يستوحي منها ليبدأ في صوغ موسيقاه. لكن المجال الفعلي للموسيقى هو "التأثير" في المتلقي (والعازف هو في الحقيقة أول المتلقين، على ما تثبت دراسات في مجال العلوم العصبية)، ومن هذا المنطلق بالتحديد يمكننا أن نبدأ البحث في مسائل أدوات التأثير والبناء لدى المؤلف وأشكال التلقي والاستماع لدى المنصت.

font change