ما إن يعن في البال معترك البحر روائيّا، حتى تبرق عناوين نصوص عالمية أمست علامات تحيل على متخيل المحيطات وأهوالها، كرواية "موبي ديك" لهرمان ملفيل التي عدّها جيل دولوز التجربة الكبرى لأدب خطوط الانفلات، وتخطي الحدود، والرهان على المجهول، وما يعنينا من تخييل المياه المالحة، هي الروايات التي اختارت السفن فضاء لمعترك وقائعها وتقاطعات مصائر شخصياتها، وهذا ما يمكن التمثيل له بثلاث علامات روائية حوارية، راسخة الأثر، في تاريخ السرد العالمي والعربي، أمست معادلا موضوعيا لمائيات السفر الأويديسي مقابل الحنين إلى طين اليابسة اللاعج.
وأولى هذه العلامات السردية، الرواية الثانية للكاتب الأميركي وليام فوكنر "البعوض"، الصادرة عام 1927، ومدار أحداثها على متن سفينة نوسيكيا في نيو أورليانز، في بحيرة بونتشارتين، التي تحمل مجموعة من المثقفين، في رحلة تستغرق أربعة أيام، أبرزهم الروائي داوسون فيرتشايلد، المفرط النرجسية، وباتريشيا الثرية راعية الفنون، والنحات الصامت غوردون، والناقد الفني كوفمان، والشاعر الشاب مارك فروست، والرسامة دوروثي جيمسون وغيرهم، يشتركون في سعيهم الفني علنا، والإيمان بقيم الجمال من حرية واستقلالية فكرية، لكن في المضمر تجمح بهم مساع أنانية، من النزوات الجنسية اللافحة، والحاجة المحتدمة للاعتراف، هي شخصيات وفق استعارة الرواية ما أشبهها بالبعوض، بإصدارها لنشاز طنين غير منقطع، ما هو بسجال فكري، ولا هو بثرثرة مرضية مغرقة في الادعاء.
تسلك الرواية منحى بناء مفكك غير تقليدي، إذ يجرب فوكنر أسلوبا متشظيا على مقاس تشظي شخصيات السفينة، في محاولة لتخطي إرث الروائي شيرود أندرسون وألدوس هكسلي، بالمقابل هي محض عمل تجريبي حواري يستند إلى السخرية اللاذعة، من خلال جوقة المثقفين في إثر تهريجهم ككائنات طنانة، وطفيليات لاسعة لا غير، وبذا اعتمد تشريح طموح الفنان المشدود إلى غروره وانحطاطه الجنسي في تأرجح بين عالم مثالي رمزي وعالم المال والنفوذ والسلطة.
وكأن الماء في الرواية الذي تجري فيه سفينة مصائرهم، محض مرايا لكشف أقنعتهم، وإذ يغادرون اليابسة، فهم يغادرون أيضا أقنعتهم حيث تتعرى ذواتهم في حضرة التموجات المائية الشبيهة بطقس تطهير واغتسال.
كأن الماء في الرواية الذي تجري فيه سفينة مصائرهم، محض مرايا لكشف أقنعتهم
وهذا ما لا تبتعد عنه رواية "الرابحون" للكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاثار الصادرة عام 1960، عن مجموعة أشخاص يفوزون برحلة بحرية على متن سفينة مالكولم، وبقدر ما هي رحلة سياحية، يتضح أنها تجربة وجودية أيضا، بالغة القلق والغرابة، خاصة مع المنع المشهر في وجوههم بعدم الاقتراب من مؤخرة السفينة، دون الحصول على سبب مقنع من هذا الحظر، وألمع الشخصيات بيرسيو المستغرق في التفكير الفلسفي عن نظام كوني، يلحم شتات الأشياء وتشظيها، وغابرييل ميدرانو طبيب الأسنان الذي لا يتقيد بالقواعد، جامح الفضول ومتأهب بشجاعة للاكتشاف والخرق، ولهذا شكل لغز مؤخرة السفينة حافزا للبحث عن الحقيقة، وأتيليو بريسوتي الذي خبر معنى الإنسان خارج بيئته المعتادة، فضلا عن الثري المتعالي غالو بورينو القادم من عالم المال والسلطة، وغيرهم، فتتشابك هذه الخطوط الإنسانية في حيز ضيق، أكثر من ذلك، حاول خوليو كورتاثار أن يمسخها إلى أشكال حيوانية لافتة، ويصير الماء تجربة في الانفصال عن حياة سابقة، وعتبة طارئة لاستغوار معنى الحرية، ومعايشة الخوف والتوسل بالمعرفة والحرية في محاولة لاكتشاف المجهول.
ما تمثله جوائز الفوز برحلة بحرية هو اختبار الحرية ومعنى الوجود.
في المنحى الهادر ذاته، لكن مع اختلاف دامغ، تطفو عربيا، رواية "السفينة" للروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، الصادرة عام 1969، إذ تشتبك وقائعها على متن سفينة تقلع من بيروت في اتجاه نابولي، ومن الوجوه المتألقة لمسافريها وديع عساف رجل الأعمال الفلسطيني وعصام السلمان المهندس العراقي والطبيب فالح وإيميليا ولمى ومها.
توهمنا الرواية في البداية بأن المصادفة وحدها ما يجمع بين هؤلاء، ثم سرعان ما يتضح أن تواطؤا أشبه ما يكون بمؤامرة ما يشبك هؤلاء بعضهم إلى بعض، في مهب المنفى، واسترجاعات الذاكرة، والتوتر الحاد بين الحب والموت.
تتقلب الوقائع وفق تقلب أمواج البحر، ولا يغدو الحاضر أن يكون سوى عتبة للغرق في الماضي
تتقلب الوقائع وفق تقلب أمواج البحر، ولا يغدو الحاضر أن يكون سوى عتبة للغرق في الماضي، باستحضار ما يتكدس في لاوعي الشخصيات السحيق، ما يفور في قرارة الذاكرة من حمم، فوديع عساف دائم الحلم بالعودة إلى أرضه المسلوبة، وما المنفى إلا تجربة جحيم لا يلطف من جرح هويته بل يلهبه، وما يضاعف من حنينه إلى فلسطين هو طفو علاقته بمها، هذه المتوقدة التي تشحذ حنينه للمكان الضائع، للعودة والانتماء البكر، وغير بعيد، عصام السلمان الذي لا يفلح في هجرته إلى الغرب كي يتخلص من ندوب علاقة حب جارفة جمعته بلمى، إذ يلتقيها على متن السفينة ذاتها وقد أصبحت زوجة للطبيب فالح، إنها شرارة الرغبة والذاكرة معا، في استحالة للخلاص من جرحها الغائر، وأما الطبيب فالح المنهار داخليا فدائم التفكير بالانتحار في عالم بلا معنى.
هي سفينة هادئة علنا، صاخبة في المضمر، توجز عالما متناقضا لبلدان هؤلاء، وذواتهم في آن، وقدرهم المشترك هو الاغتراب الدائم، ولا يعدو البحر نفسه أن يكون إلا رمزا لغموض المصائر، والفقدان والقلق المزمن.