شعرية الروبوتات

شعرية الروبوتات

استمع إلى المقال دقيقة

ما كان محض فرضيات شعرية على سبيل الحلم اليقظ، استنادا إلى نزق الخيال، علميا كان أو أدبيا، أمسى اليوم واقعا دامغا، وأبلغ مثال هو الروبوت وعوالمه، بعد أن تخطى طور الهاجس إلى نمط الوجود، وهذا ما أصبحت شركات صناعته الذكية وتطويره بشكل خارق، تزحزحه إلى مركز مدار حياتنا بشكل طارئ، وما عاد من ارتياب في أن يغدو الروبوت قريناً للإنسان عما قريب، على أهبة أن يكون بديلا لمعظم العمل البشري مع تقلده لعجلة القيادة في طليعة الريادة الكاسحة.

شاع مفهوم الروبوت في مجمل اللغات بعد أن اجترحه أدبياً أو استعمله بالأحرى، أول مرة، الكاتب التشيكي كاريل تشابيك (1890-1938) في مسرحيته الاستشرافية الموسومة بعنوان "إنسان روسوم الآلي" أو "روبوتات روسوم العالمية" والشهيرة بـ"R.U.R" المنشورة عام 1920، وكلمة "روبوت" المعتمدة في الأصل تشيكية وتعني العمل القسري المرتبط بالقنانة.

يبدأ الفصل الأول من مسرحيته بمشهد في المقر المركزي لمصنع الإنسان الآلي، وتطالعنا في فضائه ثلاث يافطات كبرى: أيدي عاملة رخيصة، روبوت روسوم - يجب على كل فرد أن يشتري لنفسه روبوتا- روبوتات للمناطق الاستوائية: 150 دولارا للواحد.

أما مساعي الطلب الملحة هذه على الروبوتات، فتستهدف تخفيض تكاليف الإنتاج، وهذا ما نستشفه من حمى المزايدات على الكميات الهائلة، عبر مراسلة أولية لطلب خمسة عشر ألف إنسان آلي لصالح جهة أوروبية، والمصنع مؤهل لإنتاج عدد لا محدود منها، تقوم مقام الإنسان في العمل، دونما مشاعر، وبلا مستحقات أو أجر، وفيما تعوض الروبوتات الإنسان عن نشاطاته الضرورية كلها، بأبدع ما يكون وبأبهر الصور، بلا أدنى كلل أو استياء، سيتخلى البشر عن العمل أمام تغول أسراب الروبوتات في كل الوظائف بما فيها الجيش.

بالمقابل ستكتسب الروبوتات الوعي بالدونية والاستعباد، وفي هذا المنعطف تثور جحافل الروبوتات على الإنسان وتبادر إلى إفناء وجوده وأثره، ولا يظل على قيد الحياة من كارثة المحو الشاملة إلا "ألكسويت" مدير التوريدات، الذي سيكون مرجعا ضروريا أمام العطب الذي أصاب آلية إنتاج الروبوتات لفقدانها سر التركيب، وهو ما قد يمتلكه "ألكسويت" وحده أو يهتدي إليه، إذ الحل ليس في إعادة تصنيعها بل في فهم طبيعتها، وإثر ذلك، يحدث أن يغرم ذكر روبوت يدعى بريموس بأنثى من جنسه تدعى هيلينا، ومع اكتسابهما القدرة على الحب والخوف بشكل مباغت، سيكون هاجسهما هو اكتشاف سر الحياة، بأن يخضع أحدهما للتشريح من طرف "ألكويست"، لكن بريموس يرفض الرهان بهيلينا إذ تقدم هي نفسها للتضحية من أجله، والشيء ذاته يفعله بريموس بأن يقدم نفسه بدلا منها، وبهذه النهاية المفارقة يغدو الروبوت الذي صنع كأداة باردة للعمل لا غير، قادرا على استشعار قيمتي الحب والتضحية، هاتان الصفتان اللتان فقدتهما منظومة البشر، وبذا تكون إحدى إشراقات المسرحية هي أن استعادة الإنسان لإنسانيته كامنة في تخطي سعار آلية الإنتاجية وهوس النفعية.

أليس العمل ذاته وما يقتضيه من مشقة وتضحية هو ما قد ينقذ الإنسان نفسه من مأزق اللامعنى والمحو؟ 

الأدهى من ذلك، أن النهاية تضع الإنسان على درجة خطورة مصيرية مع خلافة الروبوت، إذ إن استيقاظ المشاعر في الكائن الآلي إشارة إلى بديل للبشر يفصح عن تحول في المصائر، على حافة العلاقة المعقدة والملتبسة بين الكائن الإنساني والروبوت.

المنطلق هو يوتوبيا التحرر من شقاء العمل الذي يفضي إلى تدمير الوجود الإنساني، هكذا يجمح قطار المسرحية على سكة محتدمة الاشتعال: ماذا يبقى من الإنسان إذا أزيلت ضرورة العمل؟ أليس العمل ذاته وما يقتضيه من مشقة وتضحية هو ما قد ينقذ الانسان نفسه من مأزق اللامعنى والمحو؟

يزج بنا كاريل تشابيك في مفارقة لاسعة، يبني صرحها على أرض قلقة هي مفارقة نتاج العقل البشري الفالت من سيطرة اليد الإنسانية، وهي محض كوميديا للعلم سرعان ما تنقلب إلى تراجيديا.

لا يرفع النص المسرحي عقيرته ضد التكنولوجيا والتجييش للعداء ضدها، بقدر ما يلوح بمنديل الغرق الإنساني الشامل إذا ما اختزل معنى الوجود في خندق النفعية المبتذلة والإنتاجية الوضيعة، مع نزع القيمة الإنسانية من جوهري العمل والعامل معا، وفي المحصلة يقرع ناقوسا فلسفي الصدى: ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟

تواجه الروبوتات في المسرحية حدود وجودها الآلي، متمردة على السياج اللاأخلاقي واللاإنساني الذي طوقها به صانعها البشري، محاولة الانتصار لكرامتها وحريتها والأكثر من ذلك، الانحياز إلى مشاعرها المتولدة بشكل طارئ عبر التضحية. بالمقابل يقف صانعها مندهشا أمام تحولها من عقل أداتي عديم المشاعر إلى عقل مفكر ووجدان عاطفي، مما يفتح نهايتها على سديم من الغموض والالتباس، هو ذاته سديم الغموض والالتباس الذي ينخرط فيه الواقع الإنساني والتقني الآن، مستشرفا زمنا وشيكا لتغول الروبوتات واستشرائها في كوكب الأرض عن بكرة مداره.

حفنة ذهبية من بيان الإدهاش لمن ما يزال يرتاب في قيمة الأدب وجدواه

مئة عام ونيف مرت على روبوتات كاريل تشابيك وكأنها كتبت للتو، راسمة خرائط عالم قلق وغرائبي، حد أن المرء يخال ما يحدث الآن في عالم الروبوتات وما سيحدث غدا، خرج من مطبخ مسرحيته هذه، قطعا، هي حفنة ذهبية من بيان الإدهاش لمن ما يزال يرتاب في قيمة الأدب وجدواه.

font change