أبو زرعة المحرمي... من هو؟ ما دوره في استعادة باب المندب؟

من صفوف الدراسة إلى ميادين القتال

"المجلة"
"المجلة"

أبو زرعة المحرمي... من هو؟ ما دوره في استعادة باب المندب؟

في خضم الأحداث والخطوب والشدائد التي عاشها اليمن خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، بزغ نجم عبد الرحمن صالح المحرمي، المعروف باسم "أبو زرعة"، الذي انتقل من الدراسة الدينية في مركز دماج السلفي إلى ميادين القتال ضد الحوثيين، قبل أن يصبح قائداً لـ"ألوية العمالقة الجنوبية" وعضواً في مجلس القيادة الرئاسي اليمني.

بدأت إحدى المحطات المهمة في حياته عندما كان طالباً في مركز دماج، المعروف باسم "دار الحديث السلفية"، في محافظة صعدة شمالي اليمن، والذي اختص بتدريس العلوم الشرعية وفق مناهج "أهل السنة والجماعة". وشهد المركز مواجهات مسلحة بين السلفيين والحوثيين، تخللتها فترات حصار، وانتهت بإجلاء طلاب المركز والقائمين عليه في يناير/كانون الثاني 2014.

واتهم الحوثيون القائمين على المركز بتدريب مقاتلين وتخزين الأسلحة، وهي اتهامات نفاها مسؤولو الدار، مؤكدين أن الحصار كان محاولة لتقويض نشاطهم العلمي والدعوي. وأسفرت المواجهات بين الطرفين عن سقوط قتلى وجرحى، فضلاً عن تضرر مرافق المركز ومحتوياته.

لكن تلك الأحداث قادت لاحقاً إلى تحول في حياة أبو زرعة وتفكيره وأسلوب نشاطه، إذ انتقل من فصول الدراسة إلى ميادين القتال، وانخرط عام 2015 في صفوف "المقاومة الجنوبية" التي تصدت لاجتياح الحوثيين مدينة عدن، عقب سيطرتهم على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014 وتوسعهم العسكري باتجاه المحافظات الجنوبية.

وشارك المحرمي في المعارك التي شهدتها عدن حتى خروج الحوثيين منها ومن مناطق واسعة في جنوب اليمن. وبعد استعادة المدينة، اتسع نشاطه ليشمل الملفات الأمنية، إذ شارك في تأسيس تشكيلات أمنية، بينها قوات الأحزمة الأمنية والدعم والإسناد، وفي عمليات استهدفت تنظيمي "القاعدة" و"داعش" في عدن وأبين ولحج، ومنها العمليات التي انتهت باستعادة مناطق في مديرية المنصورة بعد سيطرة مسلحين من تنظيم "القاعدة" عليها.

رويترز
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي وأعضاء آخرون من الوفد اليمني يقفون أثناء عزف النشيد الوطني اليمني خلال الاجتماع التشاوري الجنوبي في الرياض، السعودية، 18 يناير 2026

ومع انتقال المعارك من عدن إلى الساحل الغربي، دخل المحرمي مرحلة جديدة من العمل العسكري. ففي أواخر عام 2016 وخلال عام 2017، شارك في العمليات التي انطلقت من منطقة باب المندب وذوباب باتجاه مدينة المخا، ضمن معركة "الرمح الذهبي"، التي انتهت باستعادة المدينة ومينائها ومناطق واسعة من الساحل الغربي.

وشهد عام 2017 أيضاً معارك للسيطرة على معسكر خالد بن الوليد الاستراتيجي، أحد أبرز المواقع العسكرية في المنطقة، في وقت كانت تتشكل فيه نواة "ألوية العمالقة" التي تولى المحرمي قيادتها، وأصبحت لاحقاً من أبرز القوات المشاركة في جبهات الساحل الغربي.

وفي مقابلة سابقة مع صحيفة "عكاظ" السعودية، روى المحرمي تفاصيل تأسيس "ألوية العمالقة الجنوبية"، موضحاً أن نواتها الأولى تشكلت من كتائب "المقاومة الجنوبية" التي واجهت الحوثيين في عدن والمحافظات الجنوبية عام 2015. وأشار إلى الدور البارز الذي أداه اللواء أحمد سيف اليافعي، قائد المنطقة العسكرية الرابعة ثم نائب رئيس هيئة الأركان، في العمليات التي امتدت من باب المندب باتجاه الساحل الغربي، قبل مقتله بعد استعادة المخا.

مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي انطلاق عملية عسكرية تحت اسم "فجر اليمن"، بهدف استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، عاد اسم المحرمي إلى واجهة التطورات العسكرية

وأضاف المحرمي أنه بعد السيطرة على المخا، جرى تشكيل أربعة ألوية من كتائب المقاومة بدعم من قيادة التحالف العربي، حملت اسم "ألوية العمالقة"، قبل أن يتوسع تشكيلها مع امتداد العمليات العسكرية إلى الساحل الغربي والمحافظات المجاورة. وأكد أنه تولى قيادتها منذ تأسيسها، معتبراً أن دعم التحالف ومشاركته كانا عاملين أساسيين في نجاح عملياتها.

وفي عام 2018، قاد المحرمي "ألوية العمالقة" في سلسلة من العمليات العسكرية على امتداد الساحل الغربي، تقدمت خلالها القوات باتجاه مدينة الحديدة، ووصلت إلى مشارفها بعد معارك واسعة ضد الحوثيين.

رويترز
تجمّع جنود أمام مقر المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن، اليمن، 8 يناير 2026

وكان أبو زرعة المحرمي قد برز قائداً لقوات تلقت دعماً من دولة الإمارات، التي تولى ضباطها تسليح وتدريب عدد من ألويتها العسكرية. وتقدر بعض المصادر عديد مقاتلي هذه القوات بما يتراوح بين 30 ألفاً ونحو 70 ألف مقاتل، يتوزعون على ما بين 12 و15 لواءً عسكرياً، وهي تقديرات تتفاوت بحسب المصادر والفترات الزمنية.

وفي يناير/كانون الثاني 2022، برز اسم المحرمي مجدداً عندما قاد "ألوية العمالقة" في عملية "إعصار الجنوب"، التي استعادت خلالها القوات مناطق في محافظة شبوة كانت تحت سيطرة الحوثيين، قبل أن تمتد العمليات إلى جبهات جنوب محافظة مأرب. وشكلت هذه العملية محطة مهمة في صعوده العسكري، بعدما أصبحت القوات التي يقودها طرفاً مؤثراً في موازين القوى على أكثر من جبهة.

من القيادة العسكرية إلى مجلس القيادة الرئاسي

في أبريل/نيسان 2022، انتقل المحرمي إلى موقع سياسي بارز، عندما اختير عضواً في مجلس القيادة الرئاسي الذي تشكل عقب نقل الرئيس عبد ربه منصور هادي صلاحياته إلى المجلس. وفي 19 أبريل/نيسان من العام نفسه، أدى اليمين الدستورية مع رئيس المجلس وأعضائه أمام مجلس النواب في عدن.

وجاء انضمامه إلى المجلس بعد سلسلة من العمليات العسكرية التي عززت مكانته قائداً لـ"ألوية العمالقة"، ولا سيما معارك الساحل الغربي وعملية "إعصار الجنوب" في شبوة ومأرب.

وفي 29 أغسطس/آب 2024، كُلف المحرمي بملف الأمن ومكافحة الإرهاب، بحسب ما أورده موقع "الشرق"، بما يشمل الإشراف على القوات الأمنية وإعادة تنظيمها وهيكلتها. وبذلك اتسعت مسؤولياته من قيادة تشكيل عسكري إلى المشاركة في إدارة ملفات أمنية وعسكرية على مستوى الدولة.

وبعد إعلان الإمارات انسحابها العسكري من المشهد اليمني أواخر العام الماضي، عقب انكسار زحف قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة، تعزز الدور السعودي في دعم "قوات العمالقة" وبقية التشكيلات العسكرية الجنوبية التي كانت مدعومة سابقاً من أبوظبي، في إطار التحولات التي شهدتها علاقات القوى اليمنية بالتحالف.

إلا أن المحرمي لا يزال، في نظر بعض الأطراف، شخصية تثير تساؤلات حول طبيعة علاقاته السياسية والعسكرية، ومدى انسجام مواقفه مع بقية المكونات المنضوية في مجلس القيادة الرئاسي، خصوصاً في ضوء ارتباطاته السابقة وخلفيته السلفية، وعلاقته بالقوى السياسية الأخرى، ومنها "حزب التجمع اليمني للإصلاح". غير أن الحكم على هذه العلاقة يظل مرهوناً بالمواقف والممارسات الفعلية، وليس بالظنون والهواجس.

العودة إلى باب المندب

في أكتوبر/تشرين الأول 2026، ومع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي انطلاق عملية عسكرية تحت اسم "فجر اليمن"، بهدف استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، عاد اسم المحرمي إلى واجهة التطورات العسكرية، هذه المرة في معارك باب المندب والساحل الغربي.

وشاركت "قوات العمالقة" بقيادته في العمليات العسكرية ضد الحوثيين في مناطق المضاربة والوازعية وكهبوب وباب المندب، بالتزامن مع تحركات تشكيلات عسكرية أخرى موالية للحكومة اليمنية، وبدعم من التحالف الذي تقوده السعودية.

تعكس مسيرة أبو زرعة المحرمي جانباً من التحولات التي أحدثتها الحرب في بنية القوة السياسية والعسكرية في اليمن

وتمكنت القوات الحكومية، وفي مقدمتها "العمالقة"، من استعادة مواقع استراتيجية في منطقة باب المندب في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول، بينها مطار ذوباب والطريق البري الذي يربط المنطقة بمدينة المخا والساحل الغربي، في معارك هدفت إلى إبعاد الحوثيين عن أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في مسيرة المحرمي، الذي شارك قبل نحو عقد في العمليات العسكرية التي انطلقت من باب المندب باتجاه المخا، قبل أن يعود إلى المنطقة قائداً لقوة عسكرية أكبر، وعضواً في أعلى سلطة سياسية في البلاد.

ومع استمرار المعارك على الساحل الغربي، يبرز دور "ألوية العمالقة" في تثبيت المواقع المستعادة، وتأمين الطرق البرية المؤدية إلى المضيق، والمشاركة في العمليات الرامية إلى منع الحوثيين من استعادة مواقعهم السابقة.

أ ف ب
لقطة من تسجيل مصور نشرته "ألوية العمالقة الجنوبية" الموالية للحكومة اليمنية وتُظهر مركبة تتحرك ضمن رتل على طريق في مديرية ذوباب بمحافظة تعز، في 6 أكتوبر 2026

الميلاد والنشأة والشخصية

ولد عبد الرحمن صالح زين المحرمي، المعروف باسم "أبو زرعة"، في الثالث من فبراير/شباط 1980 بمحافظة أبين، جنوب اليمن. وكان والده، صالح زين عقيل المحرمي، أحد القيادات الأمنية البارزة في المحافظة، وفقد حياته خلال أحداث 13 يناير/كانون الثاني 1986، التي اندلعت في عدن خلال صراع على السلطة بين جناحين في "الحزب الاشتراكي" الحاكم في جنوب البلاد آنذاك.

انتقل المحرمي مع أسرته إلى عدن عام 1986، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى مركز دماج في محافظة صعدة لدراسة اللغة العربية والعلوم الشرعية، ومن ثم يعود إلى عدن.

ويُعرف أبو زرعة بقلة ظهوره في وسائل الإعلام، فيما يوصف في الأوساط القريبة منه بالصرامة والانضباط في أداء مهامه وعلاقاته بالقادة والمقاتلين المنتسبين إلى قواته.

ولعل ذلك يفسر شح المعلومات المتاحة عن هذا القيادي، رغم حضوره اللافت في المشهدين السياسي والعسكري، وربما يرجع أيضاً إلى طبيعته بوصفه شخصية سلفية محافظة، أو إلى اعتبارات أمنية تقتضي ابتعاده عن الأنشطة الجماهيرية والمناسبات الاحتفالية والاجتماعية العامة.

ومن الدراسة الدينية في دماج إلى معارك عدن والساحل الغربي وشبوة ومأرب، ثم عضوية مجلس القيادة الرئاسي، تعكس مسيرة أبو زرعة المحرمي جانباً من التحولات التي أحدثتها الحرب في بنية القوة السياسية والعسكرية في اليمن، حيث صعد قادة ميدانيون إلى مواقع القرار، مستندين إلى نفوذ القوات التي يقودونها وإلى أدوارهم في المعارك التي أعادت رسم خطوط السيطرة على الأرض.

font change

مقالات ذات صلة