ثمة نوع من الشخصيات الروائية لا يريد شيئا من العالم، ولا ينتظر منه شيئا، ويبدو مستعدا للتخلي عن كل ما يعتبره الآخرون أسبابا معقولة للحياة، مثل العمل، والعائلة، والعلاقات الاجتماعية، والنجاح، وحتى الرغبة في الاستمرار، جميعها تتحول إلى أعباء ثقيلة تستحق السخرية والرفض. وقد يبدو هذا الموقف نوعا من العدمية السهلة، غير أن الأدب الحديث منح هذه الشخصيات تاريخا طويلا من التعبير عن مأزق الإنسان مع العالم الذي صنعه، ثم وجد نفسه عاجزا عن احتماله.
في هذه المنطقة تتحرك رواية "ترف الانكفاء" للكاتب السعودي وائل هادي الحفظي، الصادرة عن "دار الآداب" (2025)، والحاصلة على جائزة أسماء صديق للرواية الأولى. وهي تجربة روائية لافتة، تتأرجح بين مديح الكسل ومقت الحياة المدنية الحديثة، وبين مقتضيات الفن الروائي واستطرادات المقالة الذاتية ذات الطابع الفلسفي، من دون أن تفقد توازنها الفني، رغم ميلها الواضح إلى التأمل على حساب الحكاية.
تبدأ الرواية من وضع إنساني مأزوم. شاب بلا اسم، استقال من عمله، وانسحب إلى شقة صغيرة مستأجرة، وقرر تقليص علاقته بالعالم إلى الحد الأدنى. لا نعرف الكثير عن مكانه من العالم، ولا حياته الخارجية، لكننا نعرف، عبر ضمير المتكلم، مقدار السخط الذي يحمله تجاه الآخرين، ونكتشف بالتدريج تاريخا عائليا مثقلا بالفقد، وأسبابا نفسية تجعل من عزلته اختيارا مفهوما، وإن كان بالغ التطرف.
الحقيقة أن تعمية المكان بهذه الصورة، مع تجاهل تسمية جميع شخصيات العمل، فيهما إشارة واضحة إلى تعميم النظرة على العالم الحديث. ومع أننا نستطيع أن نتوقع المكان من خلال هوية الكاتب السعودية، إلا أن هذا الفعل يطرح تساؤلا مهما، حول إمكان تحقيق الهدف التعميمي، حتى مع تعيين المكان، لو حصل، ورغم أن هذا اختيار منطقي، إلا أن الكاتب يحرمنا منه، ويحرم السرد المحلي من إضافة بعد مكاني مفقود بشكل كبير في السرد المحلي.
عالم من المرفوضات
يمكن النظر إلى الرواية من خلال كمية المرفوضات الهائلة التي تنتظم خطابها. فالبطل يرفض العمل، والعائلة، والتكاثر، والعلاقات الاجتماعية، والخروج من المنزل، ويرفض قبل ذلك كله الفكرة الحديثة عن الإنسان الناجح، الذي ينبغي أن يكون منتجا، ومتحمسا، وقادرا على تطوير نفسه باستمرار.


