انتخابات إسرائيل بعيون فلسطينية... وحدود الرهان على رحيل نتنياهو

هل يكفي تغيير الحكومة؟

 AHMAD GHARABLI / AFP
AHMAD GHARABLI / AFP
نصب تذكاري للشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم في رام الله بالضفة الغربية المحتلة، 31 يناير 2025

انتخابات إسرائيل بعيون فلسطينية... وحدود الرهان على رحيل نتنياهو

لا يملك ملايين الفلسطينيين صوتاً في انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، لكن نتائجها قد تعيد رسم مستقبلهم أكثر من مستقبل كثير ممن سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع. ففي رام الله وغزة، لا تُقرأ الانتخابات باعتبارها استحقاقاً إسرائيلياً داخلياً، بل محطة قد تحدد وتيرة الضم الفعلي المتسارع في الضفة الغربية، ومصير السلطة الفلسطينية المختنقة مالياً وسياسياً، والمرحلة الثانية المتعثرة من وقف إطلاق النار في غزة، وشروط الانسحاب والإعمار ونزع سلاح "حماس".

وتكتسب الانتخابات وزناً استثنائياً لأنها الأولى منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والأولى التي تُجرى في موعدها منذ عام 1988، فيما تصبح حكومة بنيامين نتنياهو الحالية أول حكومة إسرائيلية تكمل ولايتها منذ أكثر من نصف قرن. وبين رهان رام الله على حكومة تخفف الضغط السياسي والاقتصادي والأمني، وحسابات "حماس" في غزة، وواقع استيطاني يواصل التقدم حتى عشية الاقتراع، يراقب الفلسطينيون ما قد يتغير بعدها في الوتيرة أو الاتجاه، وما أصبح أعمق من أن تغيّره حكومة واحدة.

ففي كل مرة تقترب فيها إسرائيل من انتخابات عامة، يعود الفلسطينيون إلى واحدة من أقدم عاداتهم السياسية: الانتظار. ينتظرون سقوط رئيس حكومة، أو تفكك ائتلاف، أو صعود "وسط" يبدو أكثر استعداداً للتسوية، ثم يكتشفون مرة بعد أخرى أن تبدل الوجوه في تل أبيب لا يعني بالضرورة تبدل البنية التي تحكم الاحتلال والاستيطان والحرب والحصار. ولهذا، فإن السؤال الفلسطيني الأهم هذه المرة ليس: هل سيسقط نتنياهو؟ بل: ماذا سيتغير فعلاً إذا سقط؟

الانتظار هذه المرة يبدو أكثر إغراءً وأكثر خطورة في آنٍ واحد، والإجابة عن هذا السؤال أقل راحة من الوهم السياسي الذي رافق الفلسطينيين طويلاً. وهو أن رحيل نتنياهو قد يفتح وحده باباً لمسار مختلف. فنتنياهو، بكل ما يمثله من يمين قومي وتحالف مع قوى دينية واستيطانية متشددة، لم يعد وحده جوهر المشكلة، بعدما تجاوزت التحولات داخل المجتمع والسياسة في إسرائيل شخصه وحكومته. وما ترسخ خلال السنوات الأخيرة من مزاج أمني أكثر تشدداً، وتراجع لمعسكر السلام، وضعف لليسار، وصعود للخطاب القومي، إلى جانب تحول القضية الفلسطينية في قطاعات واسعة من الخطاب السياسي الإسرائيلي من نزاع قابل للتسوية إلى تهديد أمني مزمن تنبغي إدارته أو احتواؤه بالقوة. لذلك، فإن الرهان الفلسطيني على تغيير الاسم في مكتب رئيس الحكومة قد يكون أسهل كثيراً من مواجهة السؤال الأصعب: هل لا يزال تغيير الحكومة قادراً على تغيير الاتجاه أصلاً؟

لذلك، لا تنظر رام الله وغزة إلى انتخابات الكنيست السادسة والعشرين باعتبارها منافسة إسرائيلية بين بنيامين نتنياهو وخصومه فحسب، بل باعتبارها اختباراً لاتجاه إسرائيل نفسها: حدود المشروع الاستيطاني، ومستقبل السلطة الفلسطينية، ومآلات الحرب والتسوية في غزة. أما المواطنون العرب في إسرائيل، فيملكون ما لا يملكه الفلسطينيون في الضفة والقطاع: صوتاً داخل الصندوق، وسط محاولة القوى العربية تحويله إلى وزن سياسي قادر على التأثير في هوية الحكومة المقبلة ومنع عودة الحكومة الحالية. وهكذا يدخل الفلسطينيون الانتخابات الإسرائيلية من خارج صناديقها. لا يملكون حق اختيار الحكومة، لكنهم قد يكونون الأكثر تأثراً بمن ستختاره.

في رام الله، يُنظر إلى حكومة لا تعتمد على بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير باعتبارها الأقل كلفة. فقد جمع سموتريتش أدوات الضغط المالي على السلطة والنفوذ في إدارة الاستيطان وشؤون الضفة داخل وزارة الدفاع، وأصبح احتجاز أموال الضرائب، التي تجبيها إسرائيل نيابةً عن السلطة الفلسطينية، يهدد قدرة السلطة على الاستمرار، بالتوازي مع إجراءات تقوّض الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية.

لا تنظر رام الله وغزة إلى انتخابات الكنيست السادسة والعشرين باعتبارها منافسة إسرائيلية بين بنيامين نتنياهو وخصومه فحسب، بل باعتبارها اختباراً لاتجاه إسرائيل نفسها


ويقول محمد أبو الرب، المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية، لـ"المجلة"، إن تقارب موعد الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي الأميركية قد يفتح مجالاً لتعديل بعض السياسات، خصوصاً في ملفات عنف المستوطنين ومحاولات الضم واحتجاز أموال الضرائب الفلسطينية من قبل إسرائيل، لكنه يضع حدوداً واضحة للتوقعات "قد نشهد تحسناً، لكن ليس انفراجة. فالانفراج الحقيقي يحتاج إلى تغيير جذري في السياسات، وهو أمر قد لا يكون متاحاً في المدى القريب".

فإسرائيل عشية انتخابات 2026 ليست إسرائيل ما قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والأهم أن سموتريتش وبن غفير لم يكتفيا بتغيير السياسات، بل عملا على ترسيخ مشروعهما داخل القوانين والمؤسسات التي تدير الواقع في الضفة الغربية. فقد دُفعت خلال ولايتهما تشريعات وإجراءات تعزز قبضة المستوطنين على الأرض، ولن يكون تفكيك بعضها ممكناً بقرار حكومي سريع، بل سيتطلب أغلبية في الكنيست ومسارات تشريعية قد تستغرق وقتاً طويلاً. كما جرى تعيين شخصيات محسوبة على هذا التوجه في مؤسسات معنية بتسجيل الأراضي، وفي الإدارة المدنية، الذراع التابعة لوزارة الدفاع التي تدير جانباً واسعاً من حياة الفلسطينيين في الضفة، فضلاً عن مواقع داخل الأجهزة الأمنية المكلفة بإنفاذ القانون على المستوطنين كالشرطة والمخابرات والجيش. وبذلك، ترك اليمين وراءه بنية مؤسسية ستجعل مهمة أي حكومة مقبلة أكثر صعوبة، حتى لو امتلكت الإرادة السياسية لتغيير المسار.

ولعل أقصى ما تتمناه السلطة الفلسطينية من حكومة إسرائيلية قادمة هو الإفراج عن جزء من الأموال المحتجزة، وإعادة بعض العمال الفلسطينيين إلى سوق العمل الإسرائيلي، وإزالة الحواجز والبوابات التي تقيد الحركة. وهي مطالب تعكس انتقال الأولوية إلى احتواء التدهور الاقتصادي والأمني، لكن قدرة الحكومة الجديدة على تنفيذها ستظل مرتبطة بتركيبتها وباستعدادها لمواجهة الشركاء والمؤسسات التي كرست السياسات القائمة، فيما تبقى إعادة فتح مسار تفاوضي جدي مع القيادة الفلسطينية خطوة أصعب. لكن تخفيف الضغط لا يساوي استعادة الشريك السياسي. فغادي آيزنكوت، أحد أبرز منافسي نتنياهو، أعلن في أغسطس/آب أنه لن تُقام دولة فلسطينية في ظل حكومة يشكلها، مع معارضته بعض خطوات الضم ومشروع "E1". ولذلك، فإن الانتقال إلى حكومة يقودها آيزنكوت أو نفتالي بينيت أو يائير لابيد لا يعني الانتقال في إسرائيل إلى اليسار، ولا عودة تلقائية إلى مفاوضات أوسلو.

أ ب
زعيم المعارضة الاسرائيلية يائير لابيد في الكنيست في 27 مارس 2027

وقدّم يائير لبيد، زعيم المعارضة الإسرائيلية، مثالاً أكثر مباشرة على ترتيب الأولويات. ففي مؤتمر صحافي نظمته رابطة الصحافيين الأجانب في القدس، سُئل عما سيفعله تجاه الفلسطينيين إذا أصبح رئيساً للحكومة، فأجاب "سأخصص العام الأول لإصلاح ما أفسده نتنياهو وسموتريش وبن غفير، والثاني لتحسين الاقتصاد الإسرائيلي، والثالث لترميم علاقات إسرائيل الإقليمية والدولية". أما الفلسطينيون، فقال إنه إذا بقي حتى العام الرابع، فحينها سيقول لهم "مرحباً"، حيث يكشف الجواب مقدار المسافة بين إزاحة الحكومة الحالية وإعادة القضية الفلسطينية إلى جدول العمل.

ويختصر مشروع "E1" هذه المعضلة. ففي 17 سبتمبر/أيلول أُضيفت عطاءات لبناء 2167 وحدة سكنية، لترتفع الوحدات المطروحة إلى 3401. وتمسّ حساسية المشروع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها وصلته بالقدس الشرقية. أما تقديم العطاءات قبيل الاقتراع، فيُظهر أن التوسع لا ينتظر معرفة الفائز، وأن الحكومة المقبلة قد تتسلم قرارات قطعت بالفعل شوطاً في التنفيذ. فيما يتوقف احتمال دفع المشروع بعد الانتخابات على حاجة رئيس الحكومة إلى شريك يجعل الضم ثمناً لدعمه. لذلك، لا يكفي تراجع حزب استيطاني انتخابياً لضمان تراجع نفوذه في الحكومة.

ويشرح روني شكيد، منسق وحدة أبحاث الشرق الأوسط والإسلام في معهد هاري ترومان بالجامعة العبرية في القدس، لـ"المجلة"، أن القضية الفلسطينية لا تؤثر في المزاج الانتخابي الإسرائيلي. فالناخبون القادرون على حسم تركيبة الحكومة يميل معظمهم إلى اليمين، وتزاحم قضايا داخلية، أبرزها تجنيد الحريديم على حساب مسألة منح الفلسطينيين دولة. ومع ذلك، يرى أن حكومة تخلو من نتنياهو وسموتريتش وبن غفير ستبدو لشريحة واسعة من الإسرائيليين أفضل من الحالية، وسط تطلعات إلى قيادة "أكثر عقلانية".

وفي السياق ذاته، لا يعلّق اللواء المتقاعد من الاستخبارات العسكرية الفلسطينية ماهر فارس آمالاً كبيرة على الانتخابات، في ظل ضعف اليسار وتراجع خطابه، لكنه يؤكد أن الفلسطينيين، بوصفهم الأكثر تأثراً بسياسات إسرائيل، لا يملكون ترف تجاهلها، حيث يتوقع تغييراً تدفع إليه الأضرار التي ألحقتها الحكومة بصورة إسرائيل ومكانتها الدولية، أكثر مما تدفع إليه مراجعة لموقفها من الحقوق الفلسطينية.

تدرك السلطة الفلسطينية أن أي إشارة منها إلى تأييد أي مرشح إسرائيلي قد تأتي بنتائج عكسية، وتتحول إلى ذخيرة انتخابية يستخدمها اليمين لحشد ناخبيه ضد ذلك المرشح


وتدرك السلطة الفلسطينية أن أي إشارة منها إلى تأييد أي مرشح إسرائيلي قد تأتي بنتائج عكسية، وتتحول إلى ذخيرة انتخابية يستخدمها اليمين لحشد ناخبيه ضد ذلك المرشح. لذلك، تلتزم السلطة هذه المرة صمتاً محسوباً، وتتجنب التدخل عبر تصريحات مسؤوليها السياسيين في خيارات الناخب الإسرائيلي واتجاهاته، حيث يرى اللواء عدنان الضميري أن أقصى ما تستطيع رام الله فعله هو تشجيع المواطنين العرب في إسرائيل على المشاركة، من دون الاصطفاف مع حزب أو مرشح. ويقول لـ"المجلة": "معظم الفلسطينيين في الضفة الغربية لديهم أقارب من العرب في إسرائيل، وإذا شجع كل منهم أقاربه على التصويت، فقد يصبح لذلك أثر ملموس، من دون منح اليمين الإسرائيلي ذريعة لاتهام السلطة بالتدخل في الانتخابات"

وفي القدس الشرقية، تأخذ المخاوف شكلاً إدارياً وأمنياً متداخلاً. إذ يقول عماد منى، أحد قيادات المجتمع المقدسي، لـ"المجلة"، إن ممثلي الحكومة الحالية تغلغلوا في المؤسسات التي تمس حياة الفلسطينيين، من التأمين الوطني والضرائب إلى تسجيل الأراضي، بينما ترصد جمعيات يمينية البناء الفلسطيني غير المرخص وتزود السلطات بالمعلومات تمهيداً لإصدار أوامر هدم.

ويربط عماد منى ذلك بسياسة أوسع لتقليص الوجود الفلسطيني، تشمل إجراءات بن غفير في المسجد الأقصى والضغط على تجار البلدة القديمة. وفي مواجهة ما يصفه بمحاولات تهويد المدينة بأدوات إدارية وأمنية واقتصادية، ينحصر أمله في أن تتراجع الحكومة المقبلة "خطوة واحدة إلى الوراء" وتوقف هذه السياسات، حيث يعكس هذا المطلب المتواضع مدى انكماش التوقعات إلى حماية ما تبقى قبل البحث عما يمكن استعادته.

أ.ف.ب
تُظهر هذه الصورة، الملتقطة من "الممر E1" شمال شرق القدس في الضفة الغربية المحتلة، مركبات تسير على طول طريق سريع بالقرب من مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية (أعلى الصورة) في 4 فبراير 2026

وفي داخل إسرائيل يسعى المواطنون العرب إلى التأثير المباشر في النتيجة، حيث يقول يوسف جبارين، رئيس القائمة المشتركة التي تضم ثلاثة من أبرز الأحزاب العربية في إسرائيل، لـ"المجلة"، إن السنوات الأربع الماضية عمّقت لدى نحو مليوني فلسطيني يحملون الجنسية الإسرائيلية الشعور بالتمييز والاستهداف في ظل حكومة اليمين المتطرف، وجعلت الانتخابات المقبلة استحقاقاً مصيرياً.

ويضيف: "هدفنا هو منع عودة هذه الحكومة ووقف تصعيد سياساتها العنصرية تجاه المواطنين العرب. نحن أمام مرحلة تاريخية، ونشعر بمسؤولية كبيرة. لأننا، كمواطنين، نملك حق التصويت، ونملك أيضاً القدرة على التأثير في النتيجة". ويراهن جبارين على أن وجود القائمة المشتركة سيرفع نسبة المشاركة في التصويت، وسيمنح المجتمع العربي كتلة برلمانية أكبر وزناً وتأثيراً في موازين القوى السياسية في إسرائيل بعد الانتخابات.

ولهذا، تتابع رام الله التمثيل العربي باهتمام يتجاوز عدد المقاعد. فطبيعة الائتلاف، ومدى اعتماده على الأحزاب الاستيطانية أو حاجته إلى أصوات الأحزاب العربية أو امتناعها، قد تحددان مساحة المناورة في التعامل مع الفلسطينيين، بحيث يصبح السؤال الحاسم بعد الفرز: من يستطيع تشكيل الحكومة وبأي ثمن سياسي؟ غير أن وزن الأحزاب العربية لن يتحدد بوحدتها وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل الشعور بالاستهداف إلى مشاركة واسعة، وهذا ما يجعل دعوة الضميري لتشجيع الأقارب على التصويت متقاطعة مع رهان جبارين على رفع الإقبال: محاولة للتأثير في النتيجة من خلال الناخبين العرب، في وقت تخشى فيه السلطة أن يتحول تدخلها العلني إلى أداة تعبئة لخصومها.

تدخل غزة الحسابات الانتخابية من بوابة الحرب وشروط إنهائها. إذ يبقى الانتقال إلى المرحلة التالية وإطلاق الإعمار معلقين على الخلاف بشأن تسلسل نزع سلاح "حماس" والانسحاب الإسرائيلي


أما غزة، فتدخل الحسابات الانتخابية من بوابة الحرب وشروط إنهائها. إذ يبقى الانتقال إلى المرحلة التالية وإطلاق الإعمار معلقين على الخلاف بشأن تسلسل نزع سلاح "حماس" والانسحاب الإسرائيلي. ويمنح اقتراب الانتخابات الطرفين دافعاً للتريث. فـ"حماس" تترقب احتمال تغير الحكومة قبل تقديم تنازل استراتيجي، فيما يحاذر نتنياهو انسحاباً قد يستغله خصومه ضده. وبين الحسابين، يدفع سكان القطاع كلفة الانتظار يومياً، في ظل قيود المساعدات والإعمار واستمرار القصف المتقطع. وقد تملك حكومة أقل اعتماداً على دعاة الضغط العسكري هامشاً أوسع للتقدم في الانسحاب والإعمار، لكن تغيير الائتلاف وحده لن يحسم معضلة السلاح، فيما يعزز استمرار نتنياهو وشركائه دوافع "حماس" للاحتفاظ به كورقة ضغط.

وتحمل علاقة "حماس" بهذا الاستحقاق مفارقة تاريخية. ففي انتخابات 1996، أسهمت تفجيرات الحركة في إضعاف الثقة بمسار أوسلو والإضرار بحظوظ شيمعون بيريز، ليفوز نتنياهو بفارق ضئيل. أما اليوم، فيواجه نتنياهو إرث هجوم 7 أكتوبر الذي قامت به "حماس" وتداعيات إدارة الحرب. فالخوف من "حماس"، الذي ساعده على الصعود قبل ثلاثين عاماً، بات مرتبطاً أيضاً بإخفاق قد يهدد بقاءه، من دون أن يعني ذلك استعداد خصومه لتقديم التنازلات التي تنتظرها الحركة.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، بدأت شبكات السلام الفلسطينية والإسرائيلية تستعيد نشاطها بعد سنوات من الانكماش، في محاولة للتأثير في المناخ السياسي وخلق بديل عن المسار الذي قاده الائتلاف الحالي. وبرز ذلك في مؤتمر جنيف للسلام، الذي عقدته مؤسسة "مبادئ من أجل السلام" و"منظومة جنيف للسلام والأمن" في 29 و30 سبتمبر الماضي، بمشاركة شخصيات سياسية وأمنية وجنرالات سابقين من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. حيث يعكس هذا الحراك رهاناً متجدداً على أن الانتخابات قد تفتح نافذة لإعادة بناء معسكر سياسي "عابر للجانبين"، قادر على الضغط باتجاه تسوية سياسية ووقف السياسات التي عمّقت الصراع خلال السنوات الأخيرة. ويقول نضال الفقهاء، المدير العام لتحالف السلام الفلسطيني، لـ"المجلة"، إن على القوى الفلسطينية والإسرائيلية الداعمة للسلام بدء حوار يحدد المطلوب من الحكومة المقبلة في عامها الأول. كوقف التوسع الاستيطاني وإجراءات الضم، والتراجع عن سياسات الحكومة الحالية، والإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة، وتهيئة مسار جاد ينهي الاحتلال ويفضي إلى حل الدولتين.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يُظهر ورقة اقتراعه قبل الإدلاء بصوته في مركز اقتراع بالقدس، في الانتخابات العامة الإسرائيلية التاسعة عشرة، في 22 يناير 2013

ويربط نضال الفقهاء الاستعداد لأي تحول بتجديد شرعية النظام السياسي الفلسطيني عبر انتخابات تشريعية، باعتبارها استحقاقاً وطنياً وديمقراطياً مستقلاً، لا مجرد استجابة لنتائج الاقتراع الإسرائيلي، وهو موقف ينقل النقاش من انتظار ما يفعله الآخرون إلى قدرة الفلسطينيين على استثمار أي فرصة.

ومن الزاوية نفسها، يرى وزير الخارجية الفلسطيني الأسبق ناصر القدوة، في حديثه لـ"المجلة"، أن الرهان على هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية القادم وحده مضلل. فالمكاسب الممكنة ترتبط باستعداد القيادة الفلسطينية لاتخاذ موقف أكثر صلابة وتغيير أدواتها السياسية، حيث يعتبر أن استمرار التعامل مع السياسات الإسرائيلية من دون معارضة جدية سيحد من الاستفادة حتى من وزراء أكثر استعداداً للتعامل مع الملف الفلسطيني.

الرهان على هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية القادم وحده مضلل. فالمكاسب الممكنة ترتبط باستعداد القيادة الفلسطينية لاتخاذ موقف أكثر صلابة وتغيير أدواتها السياسي


وتزداد أهمية هذا النقد مع غياب بديل واضح في رام الله إذا خالفت النتائج توقعاتها. فالرهان على فتح قنوات الاتصال وتخفيف الأزمة المالية يواجه مخاطرتين: بقاء اليمين، أو رحيله من دون مجيء الشريك المنتظر. وفي الحالتين، لا تعوض الانتخابات الإسرائيلية غياب استراتيجية فلسطينية لمواجهة الاستيطان، وتجديد المؤسسات، وترتيب العلاقة بين الضفة وغزة.

وينتظر الفلسطينيون ثلاثة خيارات لنتائج الانتخابات الإسرائيلية: حكومة تتنازل عن سموتريتش وبن غفير، وقد تخفف الضغط المالي وتكبح بعض السياسات الاستيطانية، وتوسع فرص التقدم في غزة، من دون التزام قريب بالدولة الفلسطينية. أو عودة ائتلاف يعتمد عليهما، يعيد الضم إلى المساومات الحكومية ويبقي أدوات الضغط على السلطة. أو تعذر تشكيل حكومة مستقرة، فيتواصل الانتظار بينما تواصل أجهزة التخطيط والاستيطان عملها.

فالشوارع الرئيسة التي يسلكها الفلسطينيون يومياً في أنحاء الضفة الغربية، ويتقاسمونها مع المستوطنين، تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى ساحات للدعاية الانتخابية، تتصدرها صور بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وغيرهم من رموز اليمين المتطرف، وسط خطاب سياسي يدعو إلى توسيع الاستيطان وضم الضفة الغربية. وبينما تتصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، حتى خلال موسم قطف الزيتون، يخشى كثيرون أن تتحول المنافسة الانتخابية الإسرائيلية إلى سباق نحو مزيد من التشدد ضدهم.

لن يقيس الفلسطينيون التغيير باسم الفائز في الانتخابات وحده، بل بما سيتغير فعلياً على الأرض. ففي الضفة الغربية، سيكون المقياس أرضاً تُحمى وطريقاً يُفتح وضغطاً استيطانياً يتراجع. وفي القدس، منزلاً يبقى وسياسات إقصاء تتوقف. وفي غزة، انسحاباً يفتح الطريق أمام الإعمار وحياة أقل ارتهاناً للحرب. وقد يكون الاختبار الأول لأي حكومة إسرائيلية مختلفة ليس قدرتها على إنتاج حل سياسي سريع، بل وقف إنتاج وقائع تجعل ذلك الحل مستحيلاً قبل أن تبدأ المفاوضات بشأنه.

وهنا تكمن المفارقة الأعمق في هذه الانتخابات. فالمواطنون العرب في إسرائيل يستطيعون محاولة التأثير في نتائجها بأصواتهم، فيما يبقى خمسة ملايين فلسطيني في الأراضي المحتلة خارج صندوق الاقتراع الذي قد يعيد رسم شروط حياتهم وأمنهم ومستقبلهم السياسي. لذلك، لن ينتهي الاختبار بإعلان النتائج أو تشكيل الائتلاف الجديد، بل سيبدأ عند السؤال عمّا إذا كانت الحكومة المقبلة ستوقف السياسات والقرارات التي تلتهم الأرض والفرص، بينما ينتظر الجميع تغييراً سياسياً. فكلما طال الفاصل بين تغيير الحكومة وتغيير السياسة، تقلص ما يبقى للفلسطينيين أصلاً كي يتفاوضوا عليه.

ورغم أن الفلسطينيين، قيادةً وشعباً، اعتادوا على مدى عقود ترقّب الانتخابات الإسرائيلية وتعليق آمال متفاوتة على نتائجها، فإن انتخابات هذه المرة تبدو أكثر مصيرية من سابقاتها. فمنذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية عام 1967، لم يواجه الفلسطينيون حكومة إسرائيلية يمينية بهذا القدر من التشدد، ولا ائتلافاً جعل من توسيع الاستيطان وتقويض حل الدولتين وإضعاف السلطة الفلسطينية والدفع نحو الضم والتهجير مكونات معلنة في مشروعه السياسي، بما يهدد بتحويل وقائع الاحتلال من واقع قابل للتفاوض إلى واقع يصعب الرجوع عنه. فالانتخابات تستطيع أن تُغيّر الحكومة في ليلة واحدة، أما الوقائع التي تُرسّخ على الأرض، فقد تبقى طويلاً بعد رحيل الحكومة التي صنعتها

font change