لا يملك ملايين الفلسطينيين صوتاً في انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، لكن نتائجها قد تعيد رسم مستقبلهم أكثر من مستقبل كثير ممن سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع. ففي رام الله وغزة، لا تُقرأ الانتخابات باعتبارها استحقاقاً إسرائيلياً داخلياً، بل محطة قد تحدد وتيرة الضم الفعلي المتسارع في الضفة الغربية، ومصير السلطة الفلسطينية المختنقة مالياً وسياسياً، والمرحلة الثانية المتعثرة من وقف إطلاق النار في غزة، وشروط الانسحاب والإعمار ونزع سلاح "حماس".
وتكتسب الانتخابات وزناً استثنائياً لأنها الأولى منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والأولى التي تُجرى في موعدها منذ عام 1988، فيما تصبح حكومة بنيامين نتنياهو الحالية أول حكومة إسرائيلية تكمل ولايتها منذ أكثر من نصف قرن. وبين رهان رام الله على حكومة تخفف الضغط السياسي والاقتصادي والأمني، وحسابات "حماس" في غزة، وواقع استيطاني يواصل التقدم حتى عشية الاقتراع، يراقب الفلسطينيون ما قد يتغير بعدها في الوتيرة أو الاتجاه، وما أصبح أعمق من أن تغيّره حكومة واحدة.
ففي كل مرة تقترب فيها إسرائيل من انتخابات عامة، يعود الفلسطينيون إلى واحدة من أقدم عاداتهم السياسية: الانتظار. ينتظرون سقوط رئيس حكومة، أو تفكك ائتلاف، أو صعود "وسط" يبدو أكثر استعداداً للتسوية، ثم يكتشفون مرة بعد أخرى أن تبدل الوجوه في تل أبيب لا يعني بالضرورة تبدل البنية التي تحكم الاحتلال والاستيطان والحرب والحصار. ولهذا، فإن السؤال الفلسطيني الأهم هذه المرة ليس: هل سيسقط نتنياهو؟ بل: ماذا سيتغير فعلاً إذا سقط؟
الانتظار هذه المرة يبدو أكثر إغراءً وأكثر خطورة في آنٍ واحد، والإجابة عن هذا السؤال أقل راحة من الوهم السياسي الذي رافق الفلسطينيين طويلاً. وهو أن رحيل نتنياهو قد يفتح وحده باباً لمسار مختلف. فنتنياهو، بكل ما يمثله من يمين قومي وتحالف مع قوى دينية واستيطانية متشددة، لم يعد وحده جوهر المشكلة، بعدما تجاوزت التحولات داخل المجتمع والسياسة في إسرائيل شخصه وحكومته. وما ترسخ خلال السنوات الأخيرة من مزاج أمني أكثر تشدداً، وتراجع لمعسكر السلام، وضعف لليسار، وصعود للخطاب القومي، إلى جانب تحول القضية الفلسطينية في قطاعات واسعة من الخطاب السياسي الإسرائيلي من نزاع قابل للتسوية إلى تهديد أمني مزمن تنبغي إدارته أو احتواؤه بالقوة. لذلك، فإن الرهان الفلسطيني على تغيير الاسم في مكتب رئيس الحكومة قد يكون أسهل كثيراً من مواجهة السؤال الأصعب: هل لا يزال تغيير الحكومة قادراً على تغيير الاتجاه أصلاً؟
لذلك، لا تنظر رام الله وغزة إلى انتخابات الكنيست السادسة والعشرين باعتبارها منافسة إسرائيلية بين بنيامين نتنياهو وخصومه فحسب، بل باعتبارها اختباراً لاتجاه إسرائيل نفسها: حدود المشروع الاستيطاني، ومستقبل السلطة الفلسطينية، ومآلات الحرب والتسوية في غزة. أما المواطنون العرب في إسرائيل، فيملكون ما لا يملكه الفلسطينيون في الضفة والقطاع: صوتاً داخل الصندوق، وسط محاولة القوى العربية تحويله إلى وزن سياسي قادر على التأثير في هوية الحكومة المقبلة ومنع عودة الحكومة الحالية. وهكذا يدخل الفلسطينيون الانتخابات الإسرائيلية من خارج صناديقها. لا يملكون حق اختيار الحكومة، لكنهم قد يكونون الأكثر تأثراً بمن ستختاره.
في رام الله، يُنظر إلى حكومة لا تعتمد على بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير باعتبارها الأقل كلفة. فقد جمع سموتريتش أدوات الضغط المالي على السلطة والنفوذ في إدارة الاستيطان وشؤون الضفة داخل وزارة الدفاع، وأصبح احتجاز أموال الضرائب، التي تجبيها إسرائيل نيابةً عن السلطة الفلسطينية، يهدد قدرة السلطة على الاستمرار، بالتوازي مع إجراءات تقوّض الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية.



