كيف يستفيد الحوثيون من مكوّنات صينية لتصنيع صواريخ إيرانية؟

تنشر "المجلة" ترجمة لتقرير "منظمة أبحاث تسليح النزاعات" يكشف مساعي الحوثيين لتصنيع صواريخ باليستية متقدمة باستخدام مكونات صينية وتكنولوجيا إيرانية

"منظمة أبحاث تسليح النزاعات" / "المجلة"
"منظمة أبحاث تسليح النزاعات" / "المجلة"
سبعة مكوّنات لصواريخ من سلسلة "خيبر شكن" ضمن الشحنات المضبوطة في عدن حددتها "منظمة أبحاث تسليح النزاعات" موضحة في النموذج

كيف يستفيد الحوثيون من مكوّنات صينية لتصنيع صواريخ إيرانية؟

تنشر "المجلة" ترجمة لتقرير "منظمة أبحاث تسليح النزاعات" يكشف مساعي الحوثيين لتصنيع صواريخ باليستية متقدمة باستخدام مكونات صينية وتكنولوجيا إيرانية، وتوسيع سلاسل إمدادهم وقدراتهم الإنتاجية المحلية خارج الشبكات المرتبطة بإيران:

خلصت "منظمة أبحاث تسليح النزاعات" (Conflict Armament Research – CAR) إلى أن الحوثيين يحاولون إنتاج صواريخ باليستية متقدمة متوسطة المدى. ويشير هذا الاكتشاف إلى قفزة كبيرة في طموحات الجماعة في مجال الإنتاج المحلي، وله تداعيات كبيرة على الأمن الإقليمي في وقت تكثّف فيه قوات الحوثيين حملة ضرباتها في العمق ضد البنية التحتية الحيوية في المملكة العربية السعودية.

كما يقدّم دليلاً على أن الحوثيين، الذين يخضعون لحظر أسلحة محدد الأهداف فرضه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يوسّعون سلاسل إمدادهم إلى ما وراء الشبكات المرتبطة بإيران، إذ عُثر على عدة مكوّنات صاروخية مصنّعة لأغراض محددة إلى جانب وثائق شحن أدرجت مورّداً صينياً.

في يوليو/تموز 2026، وثّقت السلطات في اليمن محتويات أربع حاويات شحن كانت قد اعترضتها في طريقها إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين

ويُظهر تحديد "منظمة أبحاث تسليح النزاعات" مكوّنات صاروخية مصنّعة خصيصاً، إلى جانب مواد خام وأدوات ومعدات اختبار، ضمن شحنات حديثة كانت متجهة إلى الحوثيين، أن الجماعة تسعى الآن إلى تصنيع جزء على الأقل من سلسلة صواريخ "خيبر شكن" الباليستية، التي يزيد مداها على 1000 كيلومتر.

ولا تمتلك سوى دول قليلة في العالم القدرة على تصنيع صواريخ ذات مديات مماثلة محلياً.

وقد أظهرت تحقيقات سابقة أجرتها "منظمة أبحاث تسليح النزاعات" في اليمن أن الحوثيين كانوا يعيدون تجميع صواريخ متقدمة شحنتها إلى الجماعة شبكات إمداد مرتبطة بإيران، ضمن طرود تحمل ملصقات وأرقاماً تسلسلية، في حين كانت الأدلة على قدراتهم الإنتاجية المحلية تقتصر على منظومات أقل تطوراً، مثل صواريخ "سلسلة بدر" .

إن اكتشاف أن الحوثيين يسعون الآن إلى تصنيع جزء على الأقل من سلسلة صواريخ "خيبر شكن" الباليستية يشير إلى قفزة كبيرة في طموحات الجماعة للإنتاج المحلي، وله تداعيات كبيرة على الأمن الإقليمي.

المضبوطات في عدن

في يوليو/تموز 2026، وثّقت السلطات في اليمن محتويات أربع حاويات شحن كانت قد اعترضتها في طريقها إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين. وتُظهر وثائق الشحن أن هذه الحاويات وصلت أولاً إلى المنطقة الحرة في عدن في يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول 2025، على متن سفينتين مختلفتين، كانتا تنقلان شحنات من الصين، وكانت الحديدة الوجهة المقصودة لهما.

"منظمة أبحاث تسليح النزاعات" / "المجلة"
نموذج ثلاثي الأبعاد لصاروخ "خيبر شكن-2" ودروعه الحرارية الاستئصالية، مع راتنج الفينول المستخدم في تصنيعها ليحمي الصواريخ الباليستية من الحرارة الشديدة، أعدته "منظمة أبحاث تسليح النزاعات"

احتوت الحاويات على عدة أجزاء معدنية مشغولة آلياً، يبدو أنها مكوّنات من الهيكل الخارجي للصاروخ ومحرك صاروخي يعمل بالوقود الصلب، تابع لصاروخ من سلسلة "خيبر شكن".

وبالإضافة إلى ذلك، احتوت الشحنة أيضاً على راتنج الفينول، وهو مادة تُستخدم على نطاق واسع في صنع الدروع الحرارية الاستئصالية، التي تحمي الصواريخ الباليستية من الحرارة الشديدة المرتبطة بالطيران داخل الغلاف الجوي بسرعات تفوق سرعة الصوت بدرجات عالية.

مع أن جميع المواد المضبوطة تُستخدم أيضاً لأغراض غير عسكرية، فإن وجودها مع مكوّنات الصواريخ يشير إلى أنها كانت مخصصة لدعم تصنيع الصواريخ

وفي عام 2026، وثّق محققون ميدانيون تابعون لـ"منظمة أبحاث تسليح النزاعات في الشرق الأوسط" جزءاً من مركبة إعادة الدخول إلى الغلاف الجوي والقسم الخلفي لصاروخ "خيبر شكن-2"، وكانا يحتويان على هذه المادة الاستئصالية.

وربما كان جهاز اختبار الالتصاق الأميركي الصنع، الذي كان ضمن الشحنة، مخصصاً لإجراء اختبارات تتعلق بتطبيق المادة الاستئصالية. وشملت الشحنة التي جرى فحصها أيضاً مجموعة متنوعة من الآلات والأدوات ومعدات الاختبار، مثل آلة تحكم رقمي حاسوبي (CNC)، ومكبس ختم صناعي، ومضخة تفريغ، ووحدة قدرة هيدروليكية، ونظام أشعة سينية محمول، وجهاز تصوير حراري.

رويترز
صواريخ باليستية يحملها مقاتلون حوثيون خلال عرض عسكري في صنعاء، اليمن، 21 سبتمبر 2023

ومع أن جميع هذه المواد تُستخدم أيضاً لأغراض غير عسكرية، فإن وجودها مع مكوّنات الصواريخ يشير إلى أنها كانت مخصصة لدعم تصنيع الصواريخ، بما في ذلك مراقبة الجودة والاختبارات غير الإتلافية لمكوّنات الأنظمة الفرعية.

صواريخ سلسلة "خيبر شكن"

يبلغ المدى المعلن لصاروخ "خيبر شكن-1" الباليستي العامل بالوقود الصلب 1450 كيلومتراً، وقد كشفت عنه إيران للمرة الأولى في عام 2022 .

وقُدّم طراز ثانٍ، هو "خيبر شكن-2"، بمدى مُعلن يبلغ 1800 كيلومتر، في عام 2023.

تحدد وثائق الشحن التي جرى تبادلها مع "منظمة أبحاث تسليح النزاعات" منتجاً صينياً للمعادن الدقيقة، يعلن عن نفسه بوصفه شركة متخصصة في تصنيع أجزاء مخصصة لقطاع الطيران والفضاء

وفي العام نفسه، كشفت إيران أيضاً عن تطوير إضافي لصاروخ "خيبر شكن" تحت تسمية "فتاح-1"، يتضمن محركاً صغيراً للمرحلة الثانية.

ويبدو أن الحوثيين يشغّلون النسخ الثلاث جميعها من سلسلة "خيبر شكن"، مستخدمين التسميتين المحليتين "حاتم" و"فلسطين" لصاروخ "خيبر شكن-2"، و"فلسطين-2" للصاروخ المشتق من "فتاح-1" .

وقد استخدموا الأنواع الثلاثة جميعها في النزاع المستمر في الشرق الأوسط.

صواريخ هذه السلسلة مجهّزة بأنظمة توجيه دقيقة، ويبدو أنها مصممة على نحو أمثل للإنتاج بكميات كبيرة وبتكلفة معقولة.

وتتضمن الأنواع الثلاثة جميعها خصائص يُقال إنها تساعد على التغلب على الدفاعات الصاروخية، مثل القدرة على المناورة داخل الغلاف الجوي؛ كما يمتلك "فتاح-1" قدرة على المناورة خارج الغلاف الجوي.

ومع أن المدى الدقيق لهذه القدرات لا يزال غير معروف، فإن الادعاء الأوسع بشأن القدرة على المناورة يبدو متسقاً مع الملاحظات الأميركية بشأن الضربات الصاروخية الإيرانية في عام 2026.

أ.ف.ب
صاروخ "خيبر شكن" الإيراني خلال العرض العسكري السنوي الذي يُقام في العاصمة طهران إحياءً لذكرى اندلاع الحرب بين إيران والعراق (1980–1988) ، في 22 سبتمبر 2022

وبالإضافة إلى ذلك، سبق أن نشرت إيران مواصفات لصاروخ "خيبر شكن-1" تشير إلى أن الصاروخ يمتلك القدرة على اتباع مسار منخفض، يمكن أن يقلل زمن الطيران ويقصّر مدة الإنذار المتاحة لأنظمة الدفاع الصاروخي.

وعليه، فإن نقل تكنولوجيا "خيبر شكن" يفيد كلاً من إيران والحوثيين؛ إذ تمكّن الأولى شريكاً في وقت ذي أهمية استراتيجية، بينما تتلقى جماعة الحوثي تكنولوجيا تعزز نمطاً من المنظومات المتزايدة تطوراً.

الأجزاء "المصنّعة حسب الطلب"

يبدو أن الأجزاء المعدنية المشغولة آلياً قد صُنعت خصيصاً بواسطة شركة صينية.

وتحدد وثائق الشحن التي جرى تبادلها مع "منظمة أبحاث تسليح النزاعات" منتجاً صينياً للمعادن الدقيقة، يعلن عن نفسه بوصفه شركة متخصصة في تصنيع أجزاء مخصصة لقطاع الطيران والفضاء.

ولم تتتبّع "منظمة أبحاث تسليح النزاعات" هذه المكوّنات لدى الشركة المصنّعة، ولا تستطيع التحقق بصورة مستقلة من المعلومات الواردة في الوثيقة.

تُظهر المواد الموثّقة داخل حاويات الشحن الأربع في عدن أن الحوثيين يحصلون الآن على أجزاء أكثر تخصصاً لبناء الصواريخ، على ما يبدو بصورة مستقلة عن شبكات الإمداد المرتبطة بإيران

ووفقاً للسلطات اليمنية، فقد وُزّعت هذه الأجزاء عمداً على حاويات متعددة لجعل اكتشافها أكثر صعوبة.

وكان المحققون الميدانيون التابعون لـ"منظمة أبحاث تسليح النزاعات" قد وثّقوا سابقاً مكوّنات معدنية مشغولة آلياً بطريقة مماثلة، ضمن شحنة السفينة "الزهراء-1" في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

وحددت المنظمة هذه المكوّنات بأنها أغلفة لقسم التوجيه، وأسطح التحكم الديناميكي الهوائي، وزعانف التثبيت لصاروخ مدفعي من سلسلة "بدر" بعيار 270 ملم .

وكما في حالة المضبوطات الأخيرة في عدن، فقد عُثر على مكوّنات سلسلة بدر في شحنة "الزهراء-1" إلى جانب مكوّنات أخرى مورّدة مباشرة من شركات مقرها الصين، على الرغم من أن "منظمة أبحاث تسليح النزاعات" لم تحدد الشركة المصنّعة في هذه الحالة السابقة.

ومن المعروف منذ فترة طويلة أن الحوثيين ينتجون، على الأقل، أجزاءً من هذه الأسلحة في اليمن، إذ أفاد خبراء الأمم المتحدة في عام 2019 بأن الأسلحة المبكرة من طراز "بدر" كانت ذات جودة رديئة.

ويتوافق تقييم "منظمة أبحاث تسليح النزاعات" بأن الحوثيين يسعون إلى إنتاج صواريخ أكثر طموحاً داخل اليمن مع أدلة أخرى على الجهود الظاهرة للجماعة لإجراء أبحاث وتطوير بصورة مستقلة، بما في ذلك تقرير حديث عن التهديدات صادر عن شركة "أنثروبيك"، حدد إساءة استخدام نموذجها اللغوي الكبير "كلود".

وفي سبتمبر/أيلول 2026، أصدرت الشركة تقريراً أمنياً وصف جهة تهديد فاعلة مقرها شمال اليمن تستخدم "كلود كود" لدعم تطوير صاروخ باليستي متعدد المراحل، بهدف تحقيق مدى يتجاوز 2000 كيلومتر، فضلاً عن مشروع صاروخي منفصل تضمن طرازاً مجهزاً بمركبة انزلاقية فرط صوتية.

طموحات بعيدة المدى

تُظهر المواد الموثّقة داخل حاويات الشحن الأربع في عدن أن الحوثيين يحصلون الآن على أجزاء أكثر تخصصاً لبناء الصواريخ، على ما يبدو بصورة مستقلة عن شبكات الإمداد المرتبطة بإيران.

والمكوّنات الهيكلية التي جرى تحديدها لكلٍّ من سلسلتي "بدر" و"خيبر شكن" شديدة التخصّص لمنظومات بعينها، وتتطلب توفير معلومات تصميم تفصيلية.

ستسلط المراقبة الميدانية المستمرة للشحنات المضبوطة والذخائر المستعادة ضوءاً بالغ الأهمية على طموحات الحوثيين المتزايدة باستمرار في مجال الإنتاج المحلي للصواريخ

ونهج الإنتاج هذا- الذي يُسند التصنيع إلى جهات خارجية- يمكن أن يتيح للحوثيين إجراء عمليات تصنيع بكميات أكبر داخل اليمن، والقيام بذلك من دون اعتماد كبير إلى هذا الحد على شبكات الإمداد المرتبطة بإيران.

وتعكس المواد الموثّقة أيضاً حجم طموحات الحوثيين في التصنيع المحلي.

فبينما سبق أن أبلغت "منظمة أبحاث تسليح النزاعات" عن قدرة الحوثيين على تصنيع منظومات أسلحة أبسط محلياً، بما في ذلك المركبات الهجومية غير المأهولة أحادية الاتجاه والصواريخ المدفعية، فإن انتقالهم الأخير إلى إنتاج صواريخ باليستية متقدمة متوسطة المدى يُعد تطوراً لافتاً.

ولا يزال النطاق الدقيق لهذه القدرة غير واضح، لكن المكوّنات الموثّقة تشير إلى أن الحوثيين، فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية الأطول مدى، قد تجاوزوا مجرد إعادة تجميع المنظومات الإيرانية.

أ.ف.ب
صاروخ أطلق عليه الحوثيون اسم "فلسطين 2"، وقالوا إنه استُخدم في هجوم استهدف وسط إسرائيل، 16 سبتمبر 2024

وعلى أقل تقدير، تشير الأدلة إلى تجميع محلي لهياكل الصواريخ ومحركاتها، وتطبيق المواد الاستئصالية، وإجراء عمليات أوسع لتكامل المنظومة ككل واختبارها.

عليه، فان الحوثيين يحصلون الآن على أجزاء أكثر تخصصاً لبناء صواريخ متقدمة، على ما يبدو بصورة مستقلة عن شبكات الإمداد المرتبطة بإيران. وتُظهر الهجمات الصاروخية التي وقعت الأسبوع الماضي، أن الحوثيين يوسّعون حملة ضرباتهم في العمق ضد البنية التحتية في الدول المجاورة والمنطقة الأوسع. وتسلط المراقبة الميدانية المستمرة للشحنات المضبوطة والذخائر المستعادة ضوءاً بالغ الأهمية على طموحات الحوثيين المتزايدة باستمرار في مجال الإنتاج المحلي للصواريخ.

font change

مقالات ذات صلة