العبث السياسي الفلسطيني

انتخابات مؤجلة وحوار مسدود

العبث السياسي الفلسطيني

لا أحد يعرف ما الذي تغير في واقع الفلسطينيين، بين إصدار الرئيس الفلسطيني مرسوما يقضي بإجراء انتخابات تشريعية (كان يفترض إجراؤها أواخر نوفمبر/تشرين الثاني القادم)، وإصداره مرسوما بتأجيلها، في غضون ثلاثة أشهر (بين يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول، 2026)، علما أن ذلك حصل مرتين، في العام (2011) ثم في العام (2021)، إضافة إلى تجاوزه استحقاقات الانتخابات الرئاسية والتشريعية على مدار قرابة عقدين من الزمن، باتت فيه الشرعية الفلسطينية موضع تساؤل.

لا تفسير حقيقيا لذلك، وبيان "اللجنة التنفيذية" التبريري لا يضيف جديدا أو معبرا، فكل شيء على حاله، احتلال إسرائيل، بحربها الإبادية في غزة، وتغولها في الضفة، وممانعتها إجراء الانتخابات في القدس، وحصارها للسلطة الفلسطينية والتضييق عليها في كل المجالات.

وفي الواقع فإن ذلك ينم عن استمرار استهتار الطبقة السياسية الفلسطينية، في المنظمة والسلطة والفصائل، بالعملية الانتخابية، وبإرادة الفلسطينيين، واعتبار ذاتها وصية عليهم، وهذا ليس أمرا جديدا، بحكم افتقاد تلك الكيانات للمأسسة، وللإطارات التشريعية، والحياة الديمقراطية (كان الرئيس عباس في عام 2018 قد أصدر قرارا بحل المجلس التشريعي المنتخب)، ولأن الانتخابات دخيلة على الثقافة الفصائلية، وعلى النظام الفلسطيني (مقالتي: "العطب السياسي الفلسطيني في الشرعيتين الثورية والانتخابية"، 2/10/2026)، كونها فرضت من الخارج، بموجب "اتفاق أوسلو" (1993)، وتتابع بالضغط الخارجي؛ مع التنويه للبيان الصادر، مؤخرا، بشأن ضرورة الانتخابات من دول فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا، الداعمة لحق الفلسطينيين بإقامة دولة مستقلة لهم، في وجه إسرائيل والإدارة الأميركية.

أيضا، يمكن تفسير ذلك بسيادة القيادة الفردية في العمل الوطني الفلسطيني، إذ يجمع الرئيس محمود عباس (انتخب عام 2005) في شخصه، رئاسة المنظمة والسلطة و"فتح"، علما أنه كان ينتقد سلفه، الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، في هذا الأمر بالذات.

بيد أن أسباب التأجيل والمراوغة تلك لا تغطي على انحسار مكانة الكيانات السياسية الفلسطينية في مجتمعات الفلسطينيين، في الداخل والخارج، وأفول دورها، وتمحورها حول الفصيلين الرئيسين، أي "فتح" و"حماس"، اللتين باتتا سلطة، كل في إقليمه، الأولى في الضفة، والثانية في غزة، ما يفسر أن كل الفصائل، وبمستويات مختلفة، وجهت للرئيس بتأجيل الانتخابات، ما يبطن دونية إزاء "فتح"، علما أن أغلب الفصائل (الـ14) لا تمتلك تمثيلا حقيقيا، ولا نسبة أصوات تؤهلها للحصول على مقعد واحد، في المجلس التشريعي في أية انتخابات.

لا شيء يمكن أن يتمخض عنه الحوار بين فصائل باتت تعيش على تاريخها، وأخفقت في خياراتها السياسية والكفاحية، ولم تجر ولا مرة مراجعة لخياراتها وتجاربها، وفي واقع لا يبشر بإمكان تخليق إجماعات وطنية جديدة

مثلا، في تجربة الانتخابات التشريعية الثانية (2006)، ومن أصل 132 مقعدا، حصدت "حماس" و"فتح" على معظم المقاعد (119 مع أغلبية لـ"حماس")، و"الجبهة الشعبية" على ثلاثة مقاعد، في حين حصدت ثلاث كيانات ("الجبهة الديمقراطية"، و"فدا"، و"حزب الشعب") على مقعدين فقط؛ وهذا يدل على أن معظم الكيانات الفلسطينية، مجرد هياكل شكلية.

على ذلك، وتبعا للتجربة، يمكن الجزم، بأن الانتخابات لن تتم، على الأغلب، لسبب مفاده ادعاء الفصائل، ومنها "فتح" وحماس"، بضرورة التأجيل بحجة الحاجة لإجراء حوارات، للتوصل إلى توافقات سياسية، وبانتظار ظروف مناسبة، أي إنها قد تتم فقط لدى حصول توافقات لا تغير في الواقع، وتوازناته السياسية، وتضمن تجديد الشرعية السائدة.

ولعل هذه التبريرات تأخذنا إلى قصة أخرى، كدلالة على تهافت القيادات، واستهتارها بوعي شعبها، وتعاملها معه بطريقة وصائية، إذ إن كل جولات الحوار، التي بدأت عام 2005 باءت بفشل ذريع، وتبينت عن طبخات "بحص"، إذ كل الاتفاقات ظلت حبرا على ورق.

وللتذكير فإن تلك الحوارات استهلكت عقدين من الزمن، وشملت كثيرا من عواصم العالم، وضمنها القاهرة (عدة مرات)، ومكة، وصنعاء، والدوحة (عدة مرات)، وغزة، ورام الله، وبيروت، وموسكو، والجزائر، وإسطنبول، وبكين، فما الذي يضمن نجاح الحوار هذه المرة، في عشرة أشهر، إذا تم تضييع عشرين عاما في حوارات ذهبت أدراج الرياح؟

وبصراحة فلا شيء يمكن أن يتمخض عنه الحوار بين فصائل باتت تعيش على تاريخها، وأخفقت في خياراتها السياسية والكفاحية، ولم تجر ولا مرة مراجعة لخياراتها وتجاربها، وفي واقع لا يبشر بإمكان تخليق إجماعات وطنية جديدة، بخاصة في ظل ما آلت إليه "فتح"، باستهلاكها لدورها كحركة وطنية وكسلطة، وافتقادها لإجماعات داخلية، وفي ظل تدهور أحوال "حماس"، بعد خراب غزة، وانهيار تحالفاتها الخارجية، وتآكل قدراتها السياسية والعسكرية، خاصة أن منتسبي أو مؤيدي وحتى بعض قياديي كل طرف من الفصيلين الأكبرين يخوّن الطرف الآخر؛ ما يستنتج منه أن ما يجري مجرد "ملهاة مملة، أو "طبخة بحص"، جديدة.

المعنى أن قرار التأجيل هو دلالة على عمق وشمولية واستعصاء الأزمة الوطنية، وهي أزمة كيانات وخطابات وأشكال عمل، استهلكت وشاخت وتآكلت، وتعيش على تاريخها، وعلى الظروف العربية والدولية التي لا تريد فراغا سياسيا، ولا ولادة حالة فلسطينية جديدة.

بيد أن ذلك لا يعني الاستنتاج بأن الانتخابات ستخرج الساحة الفلسطينية من أزمتها (راجع مقالتي عن "تكلس الوضع الفلسطيني بانتخابات... ومن دونها"، 4/9/2026)، إذ يفترض النظر للانتخابات كجزء من الكينونة السياسية لشعب فلسطين، وكحالة صراعية ضد إسرائيل، في تأكيد حضوره، وأيضا كجزء من مسار تعزيز الثقافة السياسية الفلسطينية.

هكذا، فإن حل الأزمة الوطنية الفلسطينية يستلزم القطع مع التجربة الماضية، بكياناتها وخطاباتها وأشكال عملها وخياراتها، وتاليا الاستفادة من دروس تلك التجربة في إعادة بناء البيت الفلسطيني، على قواعد وطنية جديدة، بصوغ إجماعات سياسية تقوم على المطابقة بين الشعب والأرض والقضية والسردية التاريخية، على قاعدتي الحقيقة والعدالة، وإعادة تعريف الفصائل، والانطلاق من مصلحة الشعب، في كافة أماكن وجوده، وفقا لأولوياته وحاجاته وقدرته على التحمل، مع إيلاء الأولوية لتمكين الفلسطينيين من الصمود في أرضهم، قبل أي شيء آخر، والبقية قد تأتي فيما بعد.

باختصار، ففي عهد الرئيس محمود عباس، تدهورت أحوال الكيانات الفلسطينية (المنظمة والسلطة و"فتح")، التي خضعت لرئاسته لعقدين، أكثر بكثير من ذي قبل، في حين كان الأولى به أن يشكل رافعة لتطور حال تلك الكيانات، أقله وفقا لمضمون انتقاداته للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، لا أن يفعل عكس ذلك.

font change