اقتصاد مصر.. تعاف في زمن التوترات

تدفقات استثمارية وتحويلات قياسية واحتياطيات أعلى تمنح الاقتصاد المصري هامشا أوسع لامتصاص الصدمات، فيما تظل استدامة التعافي رهنا بمعالجة الاختلالات المالية وتسريع الإصلاحات الاقتصادية

ديانا إستيفانيا روبيو
ديانا إستيفانيا روبيو

اقتصاد مصر.. تعاف في زمن التوترات

دخل الاقتصاد المصري المواجهة الإقليمية الأخيرة بقدرة أكبر على امتصاص الاضطرابات مقارنة بما كان عليه قبل أربع سنوات، حين كشفت الحرب الروسية الأوكرانية اختلالات عميقة في سوق الصرف وأدت إلى أزمة حادة في توفير الدولار. ويظهر الأداء المسجل في السنة المالية 2025/2026 تغيرا في أدوات إدارة الضغوط الخارجية، لكنه لا يعني أن الاقتصاد تجاوز مواطن الضعف الهيكلية.

فقد تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 5.1 في المئة، بالتزامن مع تحسن تدفقات النقد الأجنبي وارتفاع الاستثمارات. وأسهمت تحويلات المصريين العاملين في الخارج، إلى جانب عائدات السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر، في تعزيز موارد البلاد الدولارية. كما بلغت الاحتياطيات الأجنبية 57.3 مليار دولار في سبتمبر/أيلول 2026، بما يوفر هامشا أكبر لمواجهة التقلبات والوفاء بالالتزامات الخارجية.

في السياحة، استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح في 2025، فيما تراهن السلطات على تجاوز إيرادات القطاع 20 مليار دولار في 2026، رغم التوترات الإقليمية. أما قناة السويس، على الرغم من ارتفاع إيراداتها إلى 4.67 مليارات دولار في السنة المالية 2025/2026، بزيادة 23 في المئة عن السنة السابقة، فلا تزال بعيدة من مستوياتها القياسية. فقد بلغت الإيرادات نحو 10.25 مليارات دولار في 2023، قبل أن تتسبب هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر، منذ أواخر ذلك العام، في اضطراب الملاحة عبر مضيق باب المندب، ودفعت شركات شحن دولية إلى تحويل مسارات سفنها نحو رأس الرجاء الصالح تفاديا للأخطار الأمنية. وأدت هذه الاضطرابات إلى تراجع حركة العبور وإيرادات القناة، حارمة مصر من جزء مهم من مواردها من النقد الأجنبي، في وقت كانت فيه البلاد تسعى إلى تعزيز احتياطياتها الدولارية وتخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات.

واذ تكشف هذه المؤشرات عن تحسن في قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية، فهي لا تقدم صورة مكتملة عن توازنه المالي. فقد ارتفع عجز الحساب الجاري إلى 22.5 مليار دولار في السنة المالية 2025/2026، مقارنة بـ15.4 مليار دولار قبل عام. وبلغ الدين الخارجي 164.8 مليار دولار في نهاية مارس/آذار 2026، على الرغم من تراجع نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 38.9 في المئة.

وشكل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي نقطة تحول في إدارة الأزمة الاقتصادية، فبالإضافة إلى توسيع التمويل المتاح لمصر من 3 مليارات إلى 8 مليارات دولار في مارس/آذار 2024، ارتبط الاتفاق بإعادة ضبط السياسات النقدية والمالية، والانتقال إلى سعر صرف أكثر مرونة، والحد من الاختلالات التي غذت النقص في العملة الأجنبية. وأسهمت هذه الإجراءات، إلى جانب تدفقات الاستثمار والتحويلات، في تخفيف بعض الضغوط الخارجية، لكنها جاءت بتكلفة داخلية تمثلت في ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، فيما بقيت قدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي مرتبطة بإصلاحات أعمق، في صلبها تقليص الدور الاقتصادي للدولة وتوسيع المجال أمام القطاع الخاص، عبر طرح حصص في شركات مملوكة للدولة، وجذب مستثمرين استراتيجيين، وتحسين المنافسة وبيئة الأعمال. غير أن الصندوق، في مراجعاته للبرنامج، أشار إلى أن التقدم في التخارج من الأصول الحكومية لا يزال محدودا، وأن تسريع هذه العملية ضروري لتعزيز دور الاستثمار الخاص وتخفيف أعباء التمويل والدين.

font change