تقطير المعرفة يشعل حرب الذكاء الاصطناعيhttps://www.majalla.com/node/333682/%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85-%D9%88%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7/%D8%AA%D9%82%D8%B7%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%A9-%D9%8A%D8%B4%D8%B9%D9%84-%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A
في الثامن من سبتمبر/أيلول 2026، دخل الصراع الأميركي الصيني على الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة، بعدما أصدرت ثلاث وكالات أمنية أميركية تحذيرا مشتركا من حملات تقودها شركات صينية لاستخراج قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية، باستخدام تقنية تعرف باسم "تقطير المعرفة"، في عمليات وصفتها الوكالات بأنها تجري على نطاق صناعي.
"تقطير المعرفة" تقنية تسمح بتدريب نموذج جديد باستخدام الإجابات والمخرجات التي ينتجها نموذج آخر أكثر تقدما، يُعرف باسم "النموذج المعلم". وتعتمد العملية على توجيه أعداد كبيرة من الأسئلة والمهام إلى النموذج الأقوى، ثم جمع إجاباته واستخدامها لتعليم نموذج آخر كيفية محاكاة بعض قدراته في الاستدلال والبرمجة وحل المشكلات، دون الحاجة إلى معرفة تفاصيل بنائه الداخلية.
وعلى الرغم من أن الممارسة مشروعة وشائعة في القطاع، لكن الجدل يبدأ عندما تستخدمها شركات منافسة على نطاق واسع، عبر ملايين الاستعلامات والحسابات الوهمية، بمخالفة شروط الاستخدام، بهدف اكتساب قدرات متقدمة دون تحمل تكاليف تطويرها من الصفر.
وجاء التحذير الصادر عن وكالة الأمن القومي ومكتب التحقيقات الفيديرالي ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية ليحول خلافا تقنيا بين شركات التكنولوجيا إلى قضية أمن قومي. وبحسب الوكالات الأميركية، تتيح هذه الممارسات للشركات المنافسة اكتساب قدرات متقدمة دون تحمل التكاليف الكاملة للبحث والتطوير والتدريب.
أدانت هيئة محلفين فيديرالية المهندس السابق في شركة "غوغل"، لينوي دينغ، بسبع تهم تتعلق بالتجسس الاقتصادي وسبع أخرى تتعلق بسرقة أسرار تجارية مرتبطة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
لكن بكين رفضت الاتهامات، واعتبرت وزارة التجارة الصينية أن واشنطن تحاول تحويل تقنية شائعة في صناعة الذكاء الاصطناعي إلى ذريعة لتقييد المنافسة، وقالت إن المزاعم الأميركية تفتقر إلى أساس واقعي وقانوني، وتعكس مساعي الولايات المتحدة للحفاظ على تفوقها التكنولوجي.
وبين الروايتين الأميركية والصينية، تتكشف معركة أوسع لا تقتصر على ملكية النماذج أو شروط استخدامها، بل تمتد إلى الأسرار التجارية وأساليب التدريب والبيانات التي تغذي الأنظمة المتقدمة، وحتى المحادثات التي يجريها المستخدمون، بعدما أصبحت المعرفة التقنية نفسها أحد أهم الأصول الاقتصادية والاستراتيجية.
الخطر من الداخل
في يناير/كانون الثاني 2026، كشفت قضية قضائية أميركية عن أحد أخطر جوانب هذه المنافسة، بعدما أدانت هيئة محلفين فيديرالية المهندس السابق في شركة "غوغل"، لينوي دينغ، بسبع تهم تتعلق بالتجسس الاقتصادي وسبع أخرى تتعلق بسرقة أسرار تجارية مرتبطة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
وقالت وزارة العدل الأميركية إن دينغ سرق أكثر من ألفي صفحة من المعلومات السرية، شملت تفاصيل تتعلق بالبنية التحتية المستخدمة لتطوير الذكاء الاصطناعي وتشغيله، بينما كان مرتبطا بمشروعات تكنولوجية في الصين. وأصبحت القضية مثلا موثقا قضائيا على خطر تسرب المعرفة من داخل الشركات.
وتكمن خطورة هذا النوع من التجسس في أن بعض الموظفين يمتلكون صلاحيات مشروعة للوصول إلى معلومات يصعب الحصول عليها من الخارج. ولا تقتصر قيمة الأسرار على الشيفرات البرمجية، بل تشمل طرق التدريب وتصميم الأنظمة وتحسين الأداء والخبرة الهندسية المتراكمة خلال سنوات.
ومع ذلك، لا تثبت قضية "غوغل" وجود شبكة مماثلة داخل "أوبن إيه آي" أو "أنثروبيك". ولا تقدم المصادر العلنية المذكورة دليلا على اكتشاف موظف داخل أي منهما يعمل لحساب الاستخبارات الصينية. ما تثبته القضية هو أن سرقة أسرار الذكاء الاصطناعي عبر موظف داخلي حدثت بالفعل.
لا تحتاج الشركات المنافسة دائما إلى اختراق الأنظمة أو تجنيد موظفين للحصول على معرفة تقنية مفيدة. فالذكاء الاصطناعي يتيح طريقا مختلفا، يعتمد على مراقبة إجابات النماذج المتقدمة واستخدامها لتدريب نماذج أخرى، عبر تقنية "تقطير المعرفة"، التي أصبحت محور المواجهة الأخيرة بين واشنطن وبكين.
وتقوم التقنية على استخدام نموذج قوي، يعرف باسم "النموذج المعلم"، لإنتاج إجابات يستفيد منها نموذج آخر خلال التدريب. ويمكن بهذه الطريقة نقل بعض القدرات إلى نموذج أصغر أو أقل تكلفة، دون تكرار جميع مراحل البحث والتطوير التي مر بها النموذج الأصلي.
كشفت "أنثروبيك" في تقرير استخباراتي عن عمليات تقطير قالت إنها استهدفت نموذجها "كلاود" على نطاق واسع. ونسبت أكبر حملة رصدتها إلى جهات مرتبطة بشركة "علي بابا"، موضحة أنها سجلت أكثر من 151 مليون تفاعل مع النموذج بين مايو/أيار ويوليو/تموز.
ولا يعد تقطير المعرفة في ذاته ممارسة غير مشروعة، إذ يستخدم على نطاق واسع لتطوير أنظمة أكثر كفاءة. لكن الخلاف يبدأ عندما تجمع جهة منافسة ملايين الإجابات عبر حسابات وهمية أو شبكات وسيطة، بصورة تخالف شروط استخدام النموذج المستهدف، بهدف استخراج قدرات محمية تجاريا.
وفي فبراير/شباط 2026، قالت "أوبن إيه آي" في مذكرة قدمتها إلى لجنة بمجلس النواب الأميركي إنها رصدت محاولات مرتبطة بشركة "ديب سيك" لاستخراج قدرات نماذجها، باستخدام أساليب للتحايل على القيود المفروضة على الوصول إليها وإخفاء هوية الجهات المسؤولة عن النشاط.
شاشة عملاقة تعرض لقطات إخبارية للرئيس الصيني شي جين بينغ وهو يصافح مؤسس شركة "ديب سيك"، ليانغ وينفنغ
وترى الشركة أن خطورة هذه الممارسات تتجاوز مخالفة شروط الاستخدام، لأنها قد تتيح للمنافسين اكتساب قدرات متقدمة بتكاليف أقل من تطويرها بصورة مستقلة. لكن هذه النتائج تظل تقييمات أعلنتها "أوبن إيه آي"، ولا تعني أن جميع الاتهامات الواردة فيها ثبتت قضائيا.
اتهامات علي بابا
في سبتمبر/أيلول 2026، كشفت "أنثروبيك" في تقرير استخباراتي عن عمليات تقطير قالت إنها استهدفت نموذجها "كلاود" على نطاق واسع. ونسبت أكبر حملة رصدتها إلى جهات مرتبطة بشركة "علي بابا"، موضحة أنها سجلت أكثر من 151 مليون تفاعل مع النموذج بين مايو/أيار ويوليو/تموز.
وبحسب التقرير، استهدفت الحملة استخراج مسارات الاستدلال التي ينتجها "كلاود"، وتحويلها إلى بيانات تستخدم لتحسين نماذج "كيوين" التابعة لعلي بابا. وشملت العمليات مهام البرمجة والهندسة البرمجية، وتطوير بيئات التعلم المعزز، وأبحاث تحسين بنية النماذج.
وقالت "أنثروبيك" إن الحملة بلغت ذروتها عند نحو ثلاثة ملايين تفاعل يوميا، واستخدمت آلاف الحسابات المزيفة وشبكات وسيطة لإخفاء مصدر الطلبات. وأضافت أن الجهات المسؤولة انتقلت إلى مجموعات أخرى من الحسابات بعد إغلاق بعضها، في مؤشر الى استمرار النشاط.
لم تقتصر الاتهامات على "علي بابا"، إذ قالت الشركة إنها رصدت أكثر من 23 مليون تفاعل مرتبط بشركة "مون شوت" بين مايو/أيار ويوليو/تموز، وأكثر من 12.1 مليون تفاعل نسبتها إلى "ديب سيك" خلال 14 يوما فقط في يوليو.
وتستند هذه الأرقام إلى تحقيقات داخلية أجرتها "أنثروبيك" باستخدام سجلات الحسابات وأنماط الاستخدام والبيانات التقنية. ورغم أهميتها في تقدير حجم العمليات، فإنها لا تكشف وحدها مقدار التحسن الذي حققته النماذج الصينية نتيجة الاستفادة من المخرجات الأميركية.
لكن الجانب الأكثر حساسية في تقرير "أنثروبيك" يتعلق باحتمال انتقال بيانات المستخدمين بين شركات مختلفة دون علمهم. فقد اتهمت "مون شوت"، المطورة لنماذج "كيمي"، بتمرير بعض طلبات عملائها إلى "كلاود"، ثم تقديم الإجابات كما لو أنها صادرة عن نماذجها الخاصة.
وقالت الشركة إنها رصدت، خلال عشرة أيام، تحويل نحو 300 ألف طلب من مستخدمي "مون شوت" إلى أنظمتها. وأضافت أن الشركة الصينية احتفظت بجزء من التفاعلات واستخدمته لاستخراج مسارات الاستدلال وإنتاج بيانات تدريبية تساعد في تحسين نماذجها.
رغم ضخامة حملات التقطير المعلنة، فإن جمع ملايين الإجابات لا يعني الاستيلاء على النموذج الذي أنتجها. فالتقطير يتيح الاستفادة من المخرجات لتدريب نموذج آخر، لكنه لا يكشف تلقائيا جميع تفاصيل البنية الداخلية أو البيانات الأصلية المستخدمة في التدريب.
وتضمنت الطلبات، بحسب التقرير، معلومات حساسة، بينها بيانات مراقبة مرتبطة بجهة ذات صلة بجيش التحرير الشعبي الصيني، وشيفرات داخلية وبيانات دخول تخص شركات صينية، دون أن يتضح ما إذا كان أصحاب هذه البيانات يعرفون أنها ستنتقل إلى نموذج آخر.
كما اتهمت "أنثروبيك" شركة "ديب سيك" باستخدام أسلوب مشابه، يقوم على اختيار بعض طلبات المستخدمين وتمريرها إلى "كلاود". وأورد التقرير أمثلة تضمنت وثائق داخلية لشركة تكنولوجية صينية، وبيانات مرتبطة بجهة حكومية روسية ذات صلة بوزارة الدفاع، ومعلومات عن نظام شرطي صيني.
أما شركة "شاومي"، فقالت "أنثروبيك" إنها أعادت تشغيل محادثات وجلسات برمجية لمستخدمي نماذج "ميمو" عبر "كلاود"، بهدف إنتاج بيانات للتدريب والضبط الدقيق. ورصد التقرير أكثر من 400 ألف طلب مر عبر ما يزيد على 1500 حساب.
وأضافت الشركة الأميركية أن بعض الطلبات احتوى أسماء وبيانات اتصال ومعلومات تجارية حساسة تعود إلى مئات المستخدمين، لكنها أوضحت أنها لا تملك دليلا على تعرض بيانات أشخاص أميركيين في الحالات التي رصدتها.
استفادة لا استيلاء
وتفتح هذه الادعاءات سؤالا يتجاوز الملكية الفكرية إلى الخصوصية، فعندما يرسل المستخدم وثيقة أو برنامجا أو معلومات شخصية إلى منصة ذكاء اصطناعي، قد لا يعرف ما إذا كانت المنصة تعالج بياناته بنفسها، أو تمررها إلى نموذج آخر، أو تستخدمها لاحقا في عمليات التدريب.
رغم ضخامة حملات التقطير المعلنة، فإن جمع ملايين الإجابات لا يعني الاستيلاء على النموذج الذي أنتجها. فالتقطير يتيح الاستفادة من المخرجات لتدريب نموذج آخر، لكنه لا يكشف تلقائيا جميع تفاصيل البنية الداخلية أو البيانات الأصلية المستخدمة في التدريب.
وهناك فرق تقني بين تقطير المعرفة واستخراج النموذج وسرقة أوزانه. فالأولى تستخدم الإجابات لتعليم نموذج آخر، بينما تسعى الثانية إلى إعادة بناء سلوك النظام. أما سرقة الأوزان فتعني الحصول على القيم العددية الداخلية التي تمثل حصيلة عملية التدريب.
ولا تقدم المعلومات العلنية المتاحة دليلا على أن جهة صينية استولت على أوزان نموذج رائد مغلق تابع لـ"أوبن إيه آي" أو "أنثروبيك". ولذلك، فإن وصف حملات التقطير بأنها سرقة كاملة للنماذج سيكون غير دقيق، رغم القيمة الكبيرة للمخرجات التي تجمعها.
وفي مسار آخر، لم تعد نماذج الذكاء الاصطناعي هدفا لاستخراج المعرفة فقط، بل أصبحت أدوات لتنفيذ هجمات إلكترونية. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلنت "أنثروبيك" اكتشاف حملة تجسس قالت إن مجموعة مدعومة من الدولة الصينية نفذتها، باستخدام "كلاود كود" لاستهداف نحو 30 مؤسسة حول العالم.
وقالت الشركة إن المهاجمين استخدموا الذكاء الاصطناعي لتنفيذ أجزاء واسعة من العمليات، شملت الاستطلاع واكتشاف الثغرات وكتابة الأدوات البرمجية وتحليل البيانات. وأضافت أن الحملة نجحت في اختراق عدد محدود من المؤسسات قبل اتخاذ إجراءات لتعطيل النشاط.
وتكمن أهمية الواقعة في أن المهاجمين لم يستهدفوا "أنثروبيك" نفسها، وإنما استخدموا منتجها لمهاجمة أطراف أخرى. ويكشف ذلك عن تحول في التجسس الإلكتروني، إذ تستطيع الأنظمة الذكية تسريع مهام كانت تتطلب سابقا جهدا بشريا أكبر.
يبقى تحديد الدور الفعلي للتقطير في تقليص الفجوة أمرا صعبا، لأن المعلومات العلنية لا تكشف بصورة كاملة بيانات التدريب أو كيفية دمج المخرجات الأجنبية مع الأبحاث المحلية. ولذلك، لا يكفي تقارب الأداء لإثبات وقوع نسخ غير مشروع.
وفي يوليو/تموز 2026، كشف تحقيق لوكالة "رويترز" عن استخدام باحثين عسكريين صينيين نماذج ذكاء اصطناعي أميركية وتقنيات تقطير في أكثر من 80 بحثا وبراءة اختراع مرتبطة بالدفاع، شملت تطبيقاتها المراقبة والطائرات المسيرة والحرب السيبرانية وتحليل المعلومات العسكرية.
وأظهر التحقيق أن الاستفادة من القدرات الأميركية لا تقتصر على الشركات التجارية، بل تمتد إلى أبحاث ذات صلة بالمؤسسات العسكرية. لكن وجود هذه الأنشطة بالتوازي مع حملات التقطير والتجسس السيبراني لا يثبت أنها جميعا جزء من خطة مركزية واحدة تديرها بكين.
يثير حجم حملات التقطير سؤالا في شأن مصدر التقدم السريع الذي حققته الصين في الذكاء الاصطناعي. لكن تفسير هذا التقدم بالنسخ وحده يتجاهل الاستثمارات الصينية الضخمة في البحث والتطوير وتحسين الخوارزميات وتصميم أشباه الموصلات وإنشاء مراكز البيانات.
داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" يراقب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وهو يعقد مؤتمرا صحافيا مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع الذكاء الاصطناعي
وفي 22 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت "علي بابا" شريحة جديدة للذكاء الاصطناعي طورتها وحدة "تي هيد"، إلى جانب خطط لتطوير نموذج يتراوح حجمه بين خمسة وعشرة تريليونات معلمة، وتوسيع قدراتها في البنية التحتية الحاسوبية.
ولا يعني ارتفاع عدد المعلمات بالضرورة تحسن أداء النموذج، إذ تعتمد الجودة أيضا على البيانات وطرق التدريب والتصميم. لكن هذه الاستثمارات تعكس سعي الشركات الصينية إلى تطوير منظومات تقنية متكاملة، بدلا من الاعتماد حصريا على النماذج الأجنبية.
فجوة السبعة أشهر
وفقا لتحليل نشرته مؤسسة "إيبوك إيه آي" في يناير/كانون الثاني 2026، تأخرت أفضل النماذج الصينية عن النماذج الأميركية الرائدة بمتوسط تاريخي بلغ سبعة أشهر منذ عام 2023، مع تفاوت الفجوة بين أربعة أشهر و14 شهرا خلال الفترة المدروسة.
وفي تقييم نشره معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني في يوليو/تموز، أظهرت نماذج صينية مفتوحة الأوزان، بينها "GLM 5.2" و"DeepSeek V4 Pro"، قدرات سيبرانية اقتربت من مستويات حققتها نماذج مغلقة رائدة قبلها بأربعة إلى سبعة أشهر.
وأشار المعهد إلى أن الفجوة كانت تتراوح بين ستة وعشرة أشهر خلال معظم عام 2025، لكنه أكد أن النتائج تخص الاختبارات السيبرانية، ولا يمكن تعميمها على جميع القدرات أو استخدامها لإثبات أن النموذج الصيني استفاد من تقطير نموذج أميركي.
ويبقى تحديد الدور الفعلي للتقطير في تقليص الفجوة أمرا صعبا، لأن المعلومات العلنية لا تكشف بصورة كاملة بيانات التدريب أو كيفية دمج المخرجات الأجنبية مع الأبحاث المحلية. ولذلك، لا يكفي تقارب الأداء لإثبات وقوع نسخ غير مشروع.
تكشف هذه التطورات أن المنافسة الأميركية الصينية لم تعد مجرد سباق لإنتاج النموذج الأقوى أو امتلاك الرقائق الأكثر تقدما. فهناك صراع مواز على المعرفة الفنية وأساليب التدريب والأسرار التجارية التي تمنح الشركات قدرتها على تطوير أنظمة متقدمة.
وتواجه المختبرات الأميركية تحديا مزدوجا يتمثل في حماية أسرارها ومنع استخدام خدماتها لاستخراج قدرات محمية أو تنفيذ عمليات ضارة. وفي المقابل، تسعى الشركات الصينية إلى بناء نماذجها ورقائقها وبناها الحاسوبية، وسط خلاف متزايد حول الحدود القانونية لاستخدام مخرجات المنافسين.
ويظل الجانب الأكثر حساسية هو مصير بيانات المستخدمين، بعدما أثارت تقارير "أنثروبيك" تساؤلات حول انتقال بعض المحادثات بين المنصات دون معرفة أصحابها، بما يجعل الخصوصية والثقة جزءا أساسيا من المنافسة التقنية.
وهكذا تتجاوز حرب الظل على الذكاء الاصطناعي سؤال من يبني النموذج الأكثر تقدما، إلى سؤال أشد تعقيدا: من يستطيع حماية أسرار صناعة هذه النماذج، والتحكم في انتقال قدراتها، وضمان ألا تتحول بيانات المستخدمين إلى مورد خفي يغذي سباقا تكنولوجيا لا يعرفون تفاصيله؟