هل تكبح السياسة الأميركية-الصينية الذكاء الاصطناعي؟

قمة رمزية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب يستقبلان الرئيس الصيني شي جينبينغ وزوجته بينغ لي يوان لدى وصولهما إلى الرواق الجنوبي للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 24 سبتمبر 2026

هل تكبح السياسة الأميركية-الصينية الذكاء الاصطناعي؟

بعد شهر على قمة ترمب وشي في واشنطن، تراجعت مشاهد الحفاوة وبقي السؤال الأهم معلقاً: من يضبط سباق الذكاء الاصطناعي؟ فالقوتان اتفقتا على إطلاق حوار، لكنهما لم تتفقا حتى على اسمه، ولا على معنى "السلامة"، فيما سقطت فكرة كبح التطوير قبل أن تُطرح. وغابت عن البيانين الرسميين قضايا حاسمة، كتقطير الصين للنماذج الأميركية والأسلحة البيولوجية. ومع اقتراب الاجتماع المقبل لهذا الحوار بحلول نوفمبر/تشرين الثاني، يبدو السباق مفتوحاً بلا مكابح، والأسئلة الكبرى بلا إجابات.

جاءت حصيلة قمة ترمب وشي الأخيرة عموما دون التوقعات: تمديد هدنة بوسان التجارية لشهرين، واقتراح خفض متبادل للرسوم الجمركية بقيمة 30 مليار دولار، وشراء الفحم الذي أعلن عنه البيت الأبيض من جانب واحد، وإطار جديد للحوار بشأن الذكاء الاصطناعي، الذي يسميه البيت الأبيض الآن "الذكاء الفائق"، فضلا عن إعارة اثنين من دببة الباندا العملاقة إلى أتلانتا.

طغت المراسم على القمة، فيما بقي مضمونها محدودا. لكن هذا لم يكن جوهر المسألة. ففي أنحاء آسيا، للرمزية وزن كبير، سواء لدى الجمهور الصيني في الداخل أو لدى السياسيين في الهند واليابان وتايوان والشرق الأوسط. وكان أهم ما خرجت به الصين من واشنطن هو تكريس صورتها ندّا للولايات المتحدة على المسرح الرسمي.

وظهرت هذه الندية في أدق تفاصيل الزيارة، بدءا بالبروتوكول. فقد استقبل ترمب شي على مدرج قاعدة أندروز المشتركة، في حفاوة لم يخص بها رئيس أميركي رئيس دولة أخرى منذ أكثر من ستة عقود، باستثناء زيارة بابوية. كما شاركت السيدة الأولى ميلانيا ترمب، التي نادرا ما تظهر في صدارة المناسبات الرسمية، في استضافة زيارة الدولة. وعلى مدى ثلاثة أيام، تنوع البرنامج بين مزاح ودي، وجولة في مهبط المروحيات، وزيارة إلى الأرشيف الوطني جمعت الرئيسين وزوجتيهما. وبدت هذه الحفاوة في مستوى ما حظي به ترمب خلال زيارة الدولة التي قام بها إلى بكين في مايو/أيار، إن لم تكن قد فاقتها.

يقول البيت الأبيض إن الزعيمين اتفقا على إطلاق حوار أميركي-صيني بشأن "الذكاء الفائق"، بينما تصفه بكين بأنه حوار بشأن "الذكاء الاصطناعي". أي إن الحكومتين لم تتفقا حتى على اسم الحوار الذي اتفقتا للتو على إطلاقه

ثم جاءت اللغة الدبلوماسية. فقد تبنت واشنطن رسميا الصياغة التي تطرحها بكين لعهد جديد في العلاقات الأميركية-الصينية، ووصفت العلاقة بأنها "بناءة وتتسم بالاستقرار الاستراتيجي". وفي اليوم الأخير من زيارة الدولة، دعا شي إلى مواصلة بناء هذه العلاقة على أساس الاحترام المتبادل والإنصاف والمعاملة بالمثل، وهي الصياغة نفسها التي رددها البيت الأبيض. وكانت الإشارة الأخيرة إلى هذه الندية تعهد الزعيمين بحضور القمتين اللتين يستضيفانهما قبل نهاية العام: اجتماع قادة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، وقمة مجموعة العشرين. ويكاد هذا الترتيب يرقى إلى صيغة "مجموعة الاثنين" (G2)، التي تضع الولايات المتحدة والصين معا في موقع قيادة العالم. أما أن يتبادل رئيسا البلدين جولتين من الزيارات خلال عام واحد، فأمر لا سابقة له في علاقات القوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين.

وخلال زيارة الدولة الصينية إلى الولايات المتحدة، التي لم تستمر 48 ساعة، حرص الجانبان على إظهار الندية بينهما، لكن التقدم في القضايا التي يفترض أن ترسم ملامح هذا التوازن الجديد ظل محدودا، من تايوان والعناصر الأرضية النادرة إلى سباق التسلح النووي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والحربين في أوكرانيا وإيران. وهكذا، تركت قمة ترمب وشي وراءها ثماني قضايا عالقة ستحدد مصير الانفراج الناشئ بين الولايات المتحدة والصين.

علاقة بلا استراتيجية

لا تقتصر المشكلة على ضآلة ما تحقق. فالبيانات الرسمية الصادرة عن بكين وواشنطن تكشف أن الخلاف بينهما يمتد حتى إلى تفسير النتائج المحدودة التي خرج بها الجانبان.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ قبل أن يلقي شي كلمة خلال مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة، في 24 سبتمبر 2026

وفور انتهاء زيارة الدولة، نشر كل طرف ملخصا رسميا لأبرز ما تحقق. وأصدر البيت الأبيض ورقة حقائق، فيما نشرت وزارة الخارجية الصينية قائمة مرقمة بعنوان "ثمانية إنجازات وتفاهمات".

ولا يكاد البيانان الرسميان يتفقان إلا على نقطة أساسية واحدة، صاغتها بكين: بناء "علاقة بناءة تتسم بالاستقرار الاستراتيجي، على أساس الاحترام والإنصاف والمعاملة بالمثل". وخلال محادثاته مع ترمب، ذكّر شي مضيفه بأنهما تبنيا هذه "الرؤية الجديدة" في مايو/أيار، ثم فصّل ما تعنيه: أن يكون التعاون أساس العلاقة، وأن تبقى المنافسة ضمن حدود ملائمة، وأن تبقى الخلافات تحت السيطرة.

لكن أوجه الخلاف تظهر بوضوح في بقية التفاصيل. فبحسب ورقة الحقائق الأميركية، ستستورد الصين ما لا يقل عن عشرة ملايين طن متري من الفحم الأميركي سنويا في عامي 2027 و2028، كما تشير الورقة إلى اتفاق الجانبين على إنشاء مجلس جديد للاستثمار، إلا أن الرواية الصينية لا تذكر أيا من الأمرين. وتضيف الورقة الأميركية أن الوجود العسكري الأميركي المتقدم أسهم في إبقاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة، وتدعو إلى محادثات ثلاثية لضبط التسلح تضم روسيا، فيما تغيب هاتان النقطتان تماما عن القائمة الصينية. وفي المقابل، تقول بكين إن الجانبين اتفقا على إبرام مذكرة بشأن الاتصالات خلال الأزمات العسكرية في أقرب وقت ممكن، وهو اتفاق لا يأتي النص الأميركي على ذكره.

وفي ملف الذكاء الاصطناعي، يقول البيت الأبيض إن الزعيمين اتفقا على إطلاق حوار أميركي-صيني بشأن "الذكاء الفائق"، بينما تصفه القائمة الصينية بأنه حوار صيني-أميركي بشأن "الذكاء الاصطناعي". أي إن الحكومتين لم تتفقا حتى على اسم الحوار الذي اتفقتا للتو على إطلاقه.

لا يعني اعتماد البلدين اللغة نفسها أنهما يتفقان على مضمونها. فالرؤية الجديدة للعلاقات الأميركية-الصينية تحمل معاني مختلفة في واشنطن وبكين

وخلال المحادثات، قال السفير الأميركي لدى الصين ديفيد بيردو إن ترمب سأل عما إذا كانت الصين مهتمة بشراء أسلحة أميركية، قبل أن ينفي ترمب ذلك لاحقا. ومع اقتراب القمة المقبلة بعد عشرة أسابيع، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت واشنطن تتعامل مع الصين وفق استراتيجية واضحة، أم إنها تكتفي بإقامة علاقة معها.

التعارض في الرؤية الجديدة للعلاقات الأميركية-الصينية

تطرح بكين تصورا جديدا للعلاقات مع واشنطن، يقوم على "الاستقرار الاستراتيجي" والاحترام المتبادل والإنصاف والمعاملة بالمثل، وهي مفاهيم حاولت الصين طوال أكثر من عقد تكريسها في العلاقة بين البلدين، قبل أن تعتمدها واشنطن الآن في خطابها الرسمي.

في عام 2013، طرح شي على الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما "نموذجا جديدا للعلاقات بين الدول الكبرى" يقوم على الاحترام المتبادل. لكن واشنطن سرعان ما تخلت عن هذه العبارة بعدما تبين لها أن بكين تقصد بـ"الاحترام" إقرار الولايات المتحدة بما تسميه الصين "مصالحها الجوهرية"، وفي مقدمتها بقاء حكم "الحزب الشيوعي"، والدفاع عن السيادة ووحدة الأراضي، بما يشمل تايوان والمناطق المتنازع عليها في بحري الصين الشرقي والجنوبي. وما رفضته إدارة أوباما آنذاك، قبلته إدارة ترمب الآن على مرحلتين. ففي قمة بكين في مايو/أيار، اعتمد ترمب وشي مفهوم "الاستقرار الاستراتيجي" إطارا عاما للعلاقة، ثم أضافا إليه في واشنطن في سبتمبر/أيلول مبادئ الاحترام والإنصاف والمعاملة بالمثل.

ومصطلح "الاستقرار الاستراتيجي" مستمد من لغة الانفراج الأميركي-السوفياتي خلال الحرب الباردة، ويشير إلى علاقة بين قوتين متكافئتين تتعارض مصالحهما الأساسية، لكنهما تسعيان إلى تجنب المواجهة المباشرة.

وتحمل ورقة الحقائق الصادرة عن البيت الأبيض عنوان "علاقة عادلة تقوم على المعاملة بالمثل"، وهي عبارة تقرأها واشنطن أساسا من زاوية التجارة والنفاذ إلى الأسواق.

أما بكين، فتعطي هذه المفاهيم معنى أوسع بكثير. فقد شرح وزير الخارجية وانغ يي أن الاحترام يعني احترام سيادة كل طرف، ونظامه الاجتماعي، والمسار التنموي الذي اختاره، فضلا عن مصالحه الجوهرية وشواغله الكبرى. أما الإنصاف، فيعني من وجهة النظر الصينية الابتعاد عن الهيمنة الأحادية والمطلقة، بما في ذلك رفع القيود الأميركية المفروضة على وصول الصين إلى التقنيات الرائدة. وتفهم بكين المعاملة بالمثل باعتبارها مساواة في السيادة، بحيث لا تعلو دولة على أخرى. وبهذا المعنى، تطالب الصين الولايات المتحدة بالكف عن تحدي نظامها السياسي، وقبول مطالباتها الإقليمية وصعودها التكنولوجي، والتعامل معها بوصفها ندا سياسيا.

لذلك، لا يعني اعتماد البلدين اللغة نفسها أنهما يتفقان على مضمونها. فالرؤية الجديدة للعلاقات الأميركية-الصينية تحمل معاني مختلفة في واشنطن وبكين.

وتظهر هذه الفجوة بوضوح في ثماني قضايا بقيت من دون حل بعد قمة ترمب وشي، وستحدد إلى حد بعيد مستقبل الانفراج الناشئ بين البلدين.

التجارة والرسوم الجمركية

كان من المقرر أن تنتهي في 10 نوفمبر/تشرين الثاني الهدنة التجارية التي اتفق عليها الجانبان في بوسان العام الماضي. لكن وزير الخزانة سكوت بيسنت أعلن، قبيل قمة الزعيمين، تمديدها حتى 10 يناير/كانون الثاني، من دون أن يجزم بما إذا كانت ستفضي إلى اتفاق أوسع أم إلى تمديد جديد للهدنة.

وأوصى مجلس التجارة الأميركي-الصيني الجديد بخفض الرسوم الجمركية على سلع غير حساسة بقيمة 30 مليار دولار من كل جانب. وتشمل القائمة الأميركية الذرة ومنتجات الألبان والمأكولات البحرية والأجهزة الطبية، في مقابل الألعاب والأجهزة المنزلية الصغيرة والألعاب النارية وزينة الأعياد الصينية. لكن الاتفاق لم يحدد موعدا لتنفيذ التخفيضات، كما خلت القائمة الصينية من فول الصويا الأميركي، ما أثار القلق داخل قاعدة ترمب الانتخابية.

بحسب الرواية الصينية، أعرب شي عن أمله في أن تلتزم الولايات المتحدة "بالموقف الصحيح المتمثل في معارضة استقلال تايوان". أما ورقة الحقائق الصادرة عن البيت الأبيض، فلا تذكر تايوان على الإطلاق

ويقول البيت الأبيض إن الجانبين ما زالا يعملان على حل أزمة العناصر الأرضية النادرة وإعادة الشحنات إلى مستوياتها الطبيعية. لكن هذه الصياغة نفسها تكشف أن الخلاف لم يحسم بعد، وأن الطرفين لم يتوصلا إلى اتفاق في هذا الملف.

في الوقت نفسه، تعيد إدارة ترمب بناء أدواتها التجارية بالاستناد إلى المادة 301، بعدما فقدت في المحكمة العليا في فبراير/شباط أداة الرسوم الجمركية الطارئة التي كانت تعتمد عليها. وفي أغسطس/آب، أفادت تقارير بأن الإدارة تعد لفرض رسم بنسبة 7.5 في المئة لمواجهة فائض الطاقة الإنتاجية.

وإذا اعتمدت توصيات مجلس التجارة، فستخضع معظم السلع الصينية المدرجة في القائمة الأميركية، والبالغة قيمتها 30 مليار دولار، لمعدلات الرسوم المطبقة بموجب مبدأ "الدولة الأولى بالرعاية". وهذا يعني أن الرسوم على هذه السلع ستكون أقل من تلك المفروضة على نظيراتها من اليابان وكوريا الجنوبية والهند ومعظم دول جنوب شرق آسيا، في خطوة قد تشكل صدمة كبيرة لشركاء الولايات المتحدة التجاريين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

الذكاء الاصطناعي

يقول البيت الأبيض إن الزعيمين اتفقا على إطلاق اسم "الذكاء الفائق" على هذه التكنولوجيا، وبدء حوار بشأن مخاطرها وفوائدها، على أن يعقد اجتماعه المقبل بحلول نوفمبر/تشرين الثاني، إلى جانب إنشاء قناة اتصال للتعامل مع الحوادث. لكن الخلاف على التسمية يظل أقل القضايا إثارة للقلق.

رويترز
متظاهرون يرتدون أزياء شخصية "الدبّ ويني" يشاركون في احتجاج قرب البيت الأبيض يوم انعقاد لقاء بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن العاصمة، في 24 سبتمبر 2026

فقد قال شي إن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل خاضعا لسيطرة البشر. وقبل أيام من قمة البيت الأبيض، كتب مسؤول بارز في جهاز أمن الدولة الصيني علنا أن سلامة الذكاء الاصطناعي تعني الحفاظ على الاستقرار السياسي. أما ترمب، فقد كتب قبل ساعات من الاجتماع الثنائي أنه يريد "إبقاء الأمر تماما كما هو". ومع ذلك، لا يذكر أي من البيانين استخدام الصين تقنيات التقطير على النماذج الأميركية، ولا السباق لتسريع تطوير أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدما، ولا مخاطر الأسلحة البيولوجية. كما لا يشير أي منهما إلى تفاهم مشترك بين البلدين حول مفهوم سلامة الذكاء الاصطناعي نفسه.

اللافت أن الزعيمين اتفقا على ما لم يكن يحتاج أصلا إلى تفاوض: لا واشنطن ولا بكين مستعدة لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي طوعا. وبذلك، سقطت من البداية فكرة كبح التقدم عند بلوغ مستويات معينة من القدرات.

العناصر الأرضية النادرة والرقائق

تظهر الندية بين الولايات المتحدة والصين بأوضح صورها في ورقتي العناصر الأرضية النادرة والرقائق المتقدمة. فبكين تمسك بصادرات العناصر الأرضية النادرة، بينما تملك واشنطن اليد العليا في الرقائق المتقدمة. وقبل القمة بثلاثة أسابيع، أوقف بعض الموردين الصينيين الشحن إلى عملاء أميركيين، كما اضطرت شركات أميركية إلى الانتظار أكثر من ستة أشهر للحصول على التراخيص اللازمة. وفي الوقت نفسه، هبطت شحنات الإيتريوم إلى نحو نصف مستوياتها المسجلة في عام 2024. ودفع ذلك مسؤولا أميركيا إلى اتهام بكين بـ"عدم الامتثال" لهدنة بوسان.

في المقابل، أجازت الولايات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول الماضي بيع رقائق "H200" من "إنفيديا" إلى الصين، لكن المبيعات بقيت محدودة للغاية حتى يوليو/تموز، بينما تمضي بكين في خطتها للاستعاضة بـ"هواوي" عن "إنفيديا". ويبدو أن ميزان النفوذ في هذا الملف يميل تدريجيا لمصلحة بكين: فهي تملك القدرة على تقييد ما تحتاج إليه الولايات المتحدة، من دون أن تعتمد في المقابل على ما تعرضه واشنطن.

تايوان

بحسب الرواية الصينية، أعرب شي عن أمله في أن تلتزم الولايات المتحدة "بالموقف الصحيح المتمثل في معارضة استقلال تايوان". أما ورقة الحقائق الصادرة عن البيت الأبيض، فلا تذكر تايوان على الإطلاق. وفي الوقت نفسه، لا تزال حزمة أسلحة بقيمة 14 مليار دولار معلقة منذ مايو/أيار، بعدما وصف ترمب مبيعات السلاح إلى تايوان بأنها "ورقة تفاوض جيدة جدا". وقد يستمر تأجيل هذه المبيعات إلى ما بعد قمتي شنتشن وميامي.

وفي عام 1982، أكدت إدارة رونالد ريغان لتايبيه أن مبيعات السلاح إلى تايوان لن تخضع لتشاور مسبق مع بكين. أما الآن، فإن القمتين المرتقبتين بين ترمب وشي قبل نهاية العام تمنحان الإدارة حافزا لتأجيل المبيعات إلى ما بعدهما. وبذلك، لم تنجح بكين في تغيير السياسة الأميركية تجاه تايوان، لكنها نجحت في تأخير تنفيذها وكسب مزيد من الوقت.

تضع ورقة الحقائق الصادرة عن البيت الأبيض كوريا الشمالية ضمن الملفات التي ناقشها الزعيمان، بينما تتحدث الرواية الصينية بصورة أوسع عن شبه الجزيرة الكورية

وأشار البيانان الأميركي والصيني إلى أن البلدين حاربا جنبا إلى جنب خلال الحرب العالمية الثانية. غير أن هذه الرواية تتجاوز حقيقة أن حليف الولايات المتحدة في ذلك الوقت كان جمهورية الصين– النظام الذي يحكم تايوان اليوم– لا جمهورية الصين الشعبية. وبهذه الصياغة، حولت بكين التحالف الذي كان قائما بين الولايات المتحدة وحكومة جمهورية الصين إلى تحالف بين الشعبين، بما يخدم روايتها عن "الصين الواحدة" ويقلص في المقابل حضور حكومة تايوان في سرد تاريخ الحرب العالمية الثانية.

ضبط التسلح النووي

في الملف النووي، يقول البيت الأبيض إن ترمب دعا إلى محادثات ثلاثية مع روسيا والصين بشأن ضبط التسلح، وهو ما لا تأتي الرواية الصينية على ذكره. وكانت إدارة ترمب الأولى قد طرحت الفكرة نفسها عام 2020، لكن بكين رفضتها آنذاك. ومنذ ذلك الحين، يضغط دبلوماسيون أميركيون على نظرائهم الصينيين بشأن اختبار نووي تقول واشنطن إن الصين أجرته في 2020، كما يطالبون بمهلة أطول للإخطار المسبق باختبارات الصواريخ. وتمتلك الصين أكثر من 600 رأس نووي، مقابل أكثر من خمسة آلاف رأس لدى كل من الولايات المتحدة وروسيا. ومع ذلك، لا يتضمن أي من البيانين خطوات عملية بشأن تبادل البيانات النووية، أو الإخطار بعمليات الإطلاق، أو عمليات التفتيش. وهكذا، يبقى سباق التسلح النووي مفتوحا إلى أن يستقر على توازن استراتيجي جديد.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشارك في اجتماع ثنائي موسع مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في قاعة الشعب الكبرى في بكين، الصين، 14 مايو 2026

روسيا

تضع ورقة الحقائق الصادرة عن البيت الأبيض روسيا ضمن الملفات التي ناقشها الزعيمان، بينما تكتفي الرواية الصينية بالقول إنهما تبادلا وجهات النظر بشأن أوكرانيا. ويقول الكرملين إن فلاديمير بوتين سيحضر قمة شنتشن، وإنه بحث مع ترمب إمكان عقد لقاء ثلاثي مع شي في الصين. وكانت إدارة ترمب قد طرحت من قبل اجتماعا ثلاثيا يجمع ترمب وبوتين وفولوديمير زيلينسكي، لكنه لم يعقد.

وفي الأثناء، تواصل الصين شراء كميات كبيرة من النفط الروسي وتزويد روسيا بسلع ذات استخدام مزدوج. وإذا اجتمع ترمب وشي وبوتين على الأراضي الصينية، فسيمنح ذلك شي منصة لطرح رؤيته لتحول أوسع في النظام العالمي، في غياب أوكرانيا والاتحاد الأوروبي عن الطاولة. ومع ذلك، لم تكشف قمة البيت الأبيض عما ستطلبه واشنطن من بكين في الملف الروسي قبل اجتماع منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في نوفمبر/تشرين الثاني، كما لم يشر أي من الجانبين إلى إحراز تقدم جوهري نحو إنهاء الحرب في أوكرانيا.

إيران

يقول البيانان الرسميان إن الممرات المائية الدولية يجب أن تبقى مفتوحة من دون أن تفرض أي دولة رسوما على المرور فيها، في إشارة إلى مضيق هرمز. وأيد شي العودة إلى اتفاق إسلام آباد المبرم في 17 يونيو/حزيران، الذي دعا إلى وقف العمليات العسكرية، وإبقاء المضيق مفتوحا، والدخول في محادثات تستمر 60 يوما. وتؤكد واشنطن أن إيران يجب أن لا تمتلك سلاحا نوويا أبدا، بينما تكتفي الرواية الصينية بالقول إن على طهران الوفاء بالتزامها بعدم تطوير سلاح نووي، من دون أن توضح ما الذي ينبغي فعله إذا أخلت بهذا الالتزام.

وتبقى الصين المشتري الأكبر للنفط الإيراني. وقد فرضت واشنطن عقوبات على مصاف صينية صغيرة، لكنها أبقت المصارف الصينية الكبرى بمنأى عن العقوبات المالية الثانوية التي تفرضها وزارة الخزانة الأميركية. وبعد يوم من مغادرة شي واشنطن، رفض ترمب عرضا إيرانيا لإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام مقابل إنهاء حصار الموانئ الإيرانية، والإفراج عن الأموال المجمدة، وتخفيف العقوبات على صادرات النفط. وفي ظل حرب تستنزف مخزونات الجيش الأميركي وتدفع طهران إلى مزيد من التقارب مع بكين، لا ترى الصين ما يدعوها إلى التعجل.

كوريا الشمالية

تضع ورقة الحقائق الصادرة عن البيت الأبيض كوريا الشمالية ضمن الملفات التي ناقشها الزعيمان، بينما تتحدث الرواية الصينية بصورة أوسع عن شبه الجزيرة الكورية. وفي أغسطس/آب، قال ترمب إنه يعتزم لقاء كيم جونغ أون قبل نهاية العام، وذلك بعد يومين من توجيهه بخفض مستوى التدريبات العسكرية الأميركية مع كوريا الجنوبية. كما قال إن ترسانة كوريا الشمالية تضم 57 رأسا نوويا.

تراقب بكين ما إذا كان أي تنازل تقدمه للرئيس الأميركي الحالي سيبقى قائما مع الكونغرس المقبل أو مع الإدارة التالية. وحتى الآن، تنطلق من افتراض أن الجواب في الحالتين هو لا

وقد تتيح قمة "أبيك" التي تستضيفها الصين لقاء بين ترمب وكيم جونغ أون. وفي هذه الحالة، سيجلس الرئيس الأميركي، الذي يصر على أن لا تمتلك إيران سلاحا نوويا، مع زعيم دولة بنت بالفعل ترسانة تضم عشرات الرؤوس النووية، وذلك مرة أخرى على أرض صينية. وستراقب طهران وسيول وطوكيو أي لقاء من هذا النوع عن كثب، لما قد يحمله من دلالات على مستقبل الضمانات الأمنية الأميركية في آسيا.

جاء شي إلى الولايات المتحدة وهو يسعى إلى تقديم رؤيته، في الداخل والخارج، لنظام عالمي جديد يقول إن العالم لم يشهد مثله منذ قرن. أما ترمب، فيدخل هذه المرحلة قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي، وسط احتمال أن يفقد حزبه أغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ. كما أن المحكمة العليا أبطلت في فبراير/شباط الرسوم الجمركية الطارئة التي فرضها، فيما تقاضي 25 ولاية الإدارة بسبب الرسوم المفروضة بموجب المادة 301، ويواصل مشرعون من الحزبين انتقاد تأخير مبيعات الأسلحة إلى تايوان.

وتجرى انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، أي قبل أسبوعين فقط من قمة شنتشن، بما قد يفرض على ترمب قيودا سياسية أكبر في المرحلة التالية.

ولهذا تراقب بكين ما إذا كان أي تنازل تقدمه للرئيس الأميركي الحالي سيبقى قائما مع الكونغرس المقبل أو مع الإدارة التالية. وحتى الآن، تنطلق من افتراض أن الجواب في الحالتين هو لا. ولذلك تتجنب تقديم تنازلات جوهرية أو السعي إلى تفاهمات طويلة الأمد، وتفضل في هذه المرحلة الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي.

وفي الوقت نفسه، خرجت الصين من الزيارة، التي غلب عليها الطابع الرمزي، وقد كرست موقعها ندا للولايات المتحدة. لكن القضايا الخلافية الثماني بقيت من دون حل، وهي القضايا التي ستحدد مسار الانفراج بين واشنطن وبكين.

font change

مقالات ذات صلة