ليس الأمر في حادثة الاعتداء الآثم على كنيسة قرية حمود الأردنية، مسألة أردنية، بقدر ما هي مسألة تخص الشرق الأوسط، الذي يشهد عصراً من التطرفات المتعددة، فالأردن هو الواحة الآمنة في المشرق العربي لكل من سكنه، ومن فاء إليه بفعل الصراعات.
وفيه ترك الملك الراحل الحسين إرثا فارقاً، حين حوَّلَ البلاد الأردنية إلى مقصد المتعبين والمقتلعين من أرضهم، وحمى بلاده من آثار الصراعات، وعلى نهجه أبحر الملك عبد الله الثاني بالأردنيين، في زمن تلاطمت به أمواج الشرق الأوسط تطرفا وتشدداً، ونال الأردن نصيبه من تعدي الآثمين، لكنه صمد وبقي مظلة أخلاقية، ودولة مؤسسات، وفيه تحظى الأجهزة الأمنية بأعلى مستويات الثقة من المواطنين حسب المؤشرات العالمية.
تسلح الأردن دوماً بفكره الوسطي المعتدل، وظهرت به تيارات متشددة، عالجت الدولة الكثير منها بسلطة القانون والردع الاستباقي، لكن الكراهية لا دين لها، وهي موجودة ولا يمكن إخفاؤها. ولا حل إلا بثقافة تقدمية، ودور فاعل لمؤسسات الدولة، وعقليات تدير الشأن العام بجرأة في الحق وحزم وعدالة وتنوير حقيقي.
أطلق الملك عبد الله في اليوبيل الفضي وعده للأردنيين بأن يعيشوا حياة آمنة ومستقرة، وغَضب الملك لما حدث في قرية حمود لا قياس له، وكما وعد أهالي الشهداء والجرحى، سيكون حساب الفعلة عسير. والأردنيون يعرفون صدق قيادتهم وحزمها، ومعاني غضبها وحكمتها أيضاً.
ليس الأردن كما أي دولة محصنة من العقول التي ضربها التطرف وتتغذى على الكراهية، وأما المسيحيون فهم الذين قدموا في الأردن أسمى معاني العطاء والبذل والتنوير والوعي، فمع بداية القرن العشرين بلغت نسبتهم في الأردن إلى عدد السكان 12 في المئة، وفي عام 1956 كانت نحو 15 في المئة، وفي عام 2013 تقول الإحصائيات بأن النسبة 3 في المئة، وأن العدد بين 170-180 ألفا، وقد صدر مؤخراً أكثر من مؤشر عن أعدادهم، وتراجع نسبتهم، وهو أمر متأثر بظروف المنطقة السياسية والاقتصادية وزيادة عدد سكان الأردن بشكل مضاعف.
ليس السؤال هنا عن العدد أو النِسَب، أو عن جماعة أو دين، بل عن جذر أصيل في الهوية الحضارية للأردن، وهو جذر له خصوصياته، بل هو محاولة للكشف عن تطور الوجود المسيحي وتحولاته والمصائر والأدوار التي قام بها المسيحيون في الأردن عبر تاريخه الحديث، وصولاً إلى الراهن.
المشاركة السياسية والدور المسيحي في الأردن لا يقع ضمن التمييز، بقدر ما هي مستمدة من كون المسيحيين يسعون لدولة المواطنة، لتكون المشاركة حفاظاً على حقوقهم وتثبيتها بصور عديدة
لا يمكن تعريف المسيحيين كطائفة، وليست الحادثة دينا ضد دين، فهي تخلف وتطرف ضد الحياة والتقدم، وهي مواجهة اللامنتمي ضد المنتمي، بل الحادثة هي مسألة مواطنة بالدرجة الأولى، وفي هذه كان المسيحيون بارزين ونماذج قدوة في البذل للوطن والدور والنفوذ والعلائق المشتركة مع غيرهم، ولربما تكون المشاركة السياسية للمسيحيين الأردنيين في الانتخابات المتكررة سواء نيابية أو بلدية، مجيبة على شكل تلك العلاقة وسبيلاً لإظهار مشاركتهم وفقاً لحماية القانون لحقهم التمثيلي بنظام الكوتة، لكن أحد أبرز حقائق الاقتراع الانتخابي أن كثيرا من مرشحي المسيحيين كانوا ينجحون بأصوات المسلمين ويفَضلون عند المسلمين، ويحدث عادة أن يكون المسيحي ضمن كتلة مسلمة، وتعدى ذلك أن شارك مرشحون مسيحيون في الانتخابات ضمن قائمة "الإخوان المسلمين"، وفي حادثة الكنيسة أصيب مسلمون أيضا كانوا إلى جانب أهلهم في المواساة والصلاة على الجنازة التي كانت منعقدة لسيدة من أهل البلدة.
ومع أن المشاركة السياسية والدور المسيحي في الأردن لا يقع ضمن التمييز، بقدر ما هي مستمدة من كون المسيحيين يسعون لدولة المواطنة، لتكون المشاركة حفاظاً على حقوقهم وتثبيتها بصور عديدة، وفقاً لما هم منتمون إليه ومشاركون فيه بالمجتمع بصيغ عشائرية صرفة أو اقتصادية أو مدنية تحديثية، وذلك ضمن الأدوار التي تمنحها السلطة لمختلف شرائح المجتمع، وهنا يسجل لهم الدور الكبير لهم في الـتأسيس والمشاركة للحركة الوطنية وتكوين المعارضة السياسية عبر الأحزاب القومية واليسارية، والتي دفعت باستمرار نحو الديمقراطية والثقافة الدستورية، وفي هذه يذكر دوما من المسيحيين قامات قانونية وفكرية كبيرة.
ولعل دورهم في الحركة الثقافية لا يقل أهمية عن أي دور آخر، فهم رواد وبناة فكر وأدب، منذ رائدهم روكس العزيزي، وأمين أبو الشعر الذي أسس أول الجرائد في الهجرة، وكذلك عودة القسوس في التشريع القضائي، والذي خاض المفاوضات مع سلطات الحكم الاتحادي التركي عام 1910، لكبح جماح سياساته التعسفية. وبعد ثورة الكرك 1910 كان المسيحيون في قوائم التغريم والعقوبات التي أعدتها السلطات العثمانية إلى جانب إخوانهم المسلمين، لا بل إن أعيان المسيحيين قدموا المؤن لعائلات المعتقلين من أهل الكرك المسلمين الذين زُجَّ بهم في السجون العثمانية، وتعرض الشاعر عبد الله العكشة من مسيحيي الكرك للنفي لبلاد القوقاز عام 1910، وقد عُرف عنه معارضته لسياسات السخرة الاتحادية، وبدأت مسيرته في مواجهة العثمانيين عام 1900، عندما تسلّم مصطفى باشا العابد، منصبه كمتصرف جديد للكرك، وكانت سمعته سيئة جدا.
ومن رواد الثقافة الأردنية في الأدب أديب عباسي، الذي ناظر العقاد، وحنا القسوس في الطب الذي تخرج من جامعات باريس عام 1910. وفي النصف الثاني من القرن العشرين حضرت وجوه مسيحية عديدة في الأدب والسياسة والنضال ضد الاستعمار أمثال يعقوب زيادين وعيسى مدانات وغالب هلسا، وفي الكتابة التاريخية وحفظ التراث قدم رؤوف أبو جابر وسليمان الموسى ونايف القسوس وهند أبو الشهر أعمالاً مطوّلة في توثيق تاريخ الأردن، وفي الفن نجدهم كذلك في نماذج عدّة، أمثال نبيل المشيني، وموسى حجازين، وجوليت عواد، ونبيل المشيني، وغيرهم كثر ممن لا حصر لهم.
أما الدور الكبير والفاعل فكان في الاقتصاد، إذ مثلوا بداية تكوين البرجوازية الوطنية الأردنية، من خلال العائلات التي تملكت الشركات والامتيازات والأملاك الواسعة، وذلك في نماذج عائلات مثل قعوار والنبر والمعشر وقاقيش وأبو جابر والصايغ وغيرهم. وقد سمحت أوجه نشاطهم الاقتصادي المبكر في النصف الأول من القرن العشرين وحتى اليوم في قطاعات التموين والدباغة والتبغ والبنوك والـتأمين، ولاحقاً الاستثمار في خدمات المطاعم والنقل والزي والتكنولوجيا.
هذه الوجوه المتعددة والحضور في الاقتصاد أوجدت حالة من الاستقلال عن ريعية الدولة، وأثرت ماضياً وحاضراً في ظهور رموز الإصلاح ودعاة الحرية من رحم الوجود المسيحي في الأردن، وهو أمر سمح بالإبقاء على مطالب الشعب في الوحدة العربية والعدالة والحرية والديمقراطية ومعاداة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين فوق الطاولة.
هكذا حضر المسيحيون في الزمان الأردني وسيبقون كما يقول الأردنيون عنهم "ملح البلاد" فلا طعم للوجود والحياة من دونهم، كجذر عميق وأقمار تتلألأ في سماء الأردن، فطوبى لشهداء قرية حمود، التي تقول كتب المستشرقين إنها سُمّيت نسبةً لمقام ولي مسلم من الصالحين.