تكشف موجة الاحتجاجات التي تجتاح عدداً من الدول الأوروبية منذ أواخر سبتمبر/أيلول الماضي عن أزمة تطاول النموذج الاقتصادي-السياسي الذي حكم الغرب خلال العقود الماضية، في ظل تراكم اختلالات نجمت، إلى حد بعيد، عن أولويات السياسات النيوليبرالية التي اعتمدتها الحكومات الغربية. فمن فرنسا إلى إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا واليونان، تتعدد أشكال التعبئة وخصوصياتها الوطنية، لكن المطالب تتقاطع عند ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والطاقة، وتراجع الخدمات العامة، وفي مقدمتها التعليم، وتآكل القدرة الشرائية، وتراجع فرص العمل، ولا سيما في ظل الأسئلة الجوهرية التي يطرحها الذكاء الاصطناعي بشأن مستقبل سوق العمل، وشعور "جيل زد" بالغموض وانعدام الضمانات إزاء مستقبله في ظل التطور التكنولوجي المتسارع.
وتكشف مطالب الشارع عن حصيلة نموذج اقتصادي أعطى تحرير الأسواق وتعزيز التنافسية وجذب الاستثمارات وضبط الإنفاق العام أولوية على إعادة توزيع الثروة وحماية التوازنات الاجتماعية، وأسهم في تركيز المكاسب الاقتصادية بيد أقلية من السكان، فيما أفقرت شرائح واسعة من المجتمع، وتحملت كلفة هذا المسار من خلال تراجع قدرتها الشرائية وتآكل ضماناتها الاجتماعية واتساع شعورها بالتهميش، في ظل عجز الحكومات عن إنتاج التسويات الاجتماعية بالأدوات نفسها التي أثبتت فشلها وأدت إلى تفاقم الأزمة.
في هذا السياق، تبدو فرنسا الحالة الأكثر تعبيراً عن عمق هذه الأزمة، بالنظر إلى اتساع الاحتجاجات وتنوع الفئات المشاركة فيها، وبالنظر أيضاً إلى طبيعة المواجهة بين السلطة والشارع. وتكتسب الأزمة الفرنسية أهمية إضافية لكون فرنسا تمثل تقليداً سياسياً واجتماعياً ارتبط تاريخياً بدور الدولة في ضمان الخدمات العامة وإعادة توزيع الموارد، كما أن الاحتجاج الجماهيري في فرنسا لطالما كان أداة لتعديل سياسات الحكومة وانتزاع التنازلات منها. وما تكشفه التطورات الفرنسية الأخيرة هو أن هذا التقليد يواجه اختباراً مزدوجاً لناحية قدرة الدولة على الاستجابة لمطالب اجتماعية متزايدة، وقدرتها على الحفاظ على شرعيتها كـ"دولة اجتماعية" حين تتعامل مع التعبئة الشعبية بواسطة "استراتيجية أمنية".
أزمة الوسط و"انتهاء" التسوية الاجتماعية
في مقال بعنوان "احتضار أوروبا الليبرالية"، ربطت مجلة "ذي إيكونوميست" الاحتجاجات الفرنسية بإخفاق الحكومات الوسطية في أوروبا في التعامل مع تراجع الأجور وارتفاع الأسعار والاختلالات الاقتصادية، وباستنفاد قدرتها على تقديم حلول سياسية واقتصادية مقنعة. وذهبت إلى أن الوسط الأوروبي يدفع ثمن إخفاقاته، وأن الحيوية السياسية تنتقل بصورة متزايدة إلى أطراف الطيف الحزبي، أي اليمين المتطرف واليسار.
فالمشكلة البنيوية التي تواجهها الحكومات الغربية تتمثل في أن تيارات الوسط السياسي التي تولت إدارة التحولات الاقتصادية منذ نهاية الحرب الباردة، وتسارع العولمة وتراجع الصناعات التقليدية وتحرير الأسواق، بنت شرعيتها على وعد ضمني باستمرار النمو وتحسين مستويات المعيشة وتوفير الخدمات الأساسية، حتى عندما تتراجع قدرة الدولة على التحكم في مسارات الاقتصاد. لكن الاتجاه العام تمثل في تصاعد الضغوط على الخدمات العامة، وتراجع الأمان الاقتصادي لدى فئات من الطبقة الوسطى والعمال والشباب، وفي الوقت نفسه، كرست الحكومات سياسات التقشف وخفض العجز، بينما تواجه مجتمعاتها ارتفاعاً في تكاليف الاحتياجات الأساسية.
وتظهر فرنسا هذه المعضلة بوضوح، فقد بدأت التعبئة الأخيرة من المدارس والجامعات، على خلفية نقص المدرسين وتدهور بعض الأبنية التعليمية ومشكلات التوجيه والقبول الجامعي، ثم اتسعت لتشمل القدرة الشرائية والأجور وأسعار الوقود والخدمات العامة. وتداخلت معها تحركات نقابية وعودة مجموعات مرتبطة بحركة "السترات الصفراء"، بما يعيد إلى الواجهة قضايا العدالة الاجتماعية وتوزيع الأعباء الاقتصادية التي طبعت المواجهة بين إيمانويل ماكرون والشارع الفرنسي منذ عام 2018.
مع فارق أنه كان بإمكان ماكرون، وقتذاك تخصيص مليارات اليوروهات لتهدئة المحتجين. أما الآن، فلم يعد ذلك ممكناً. إذ تنفق فرنسا أكثر مما ينبغي، فيما ينمو اقتصادها ببطء شديد، بمعدل يزيد قليلاً على واحد في المئة سنوياً في عهد ماكرون، بحسب "ذي إيكونوميست".


