فنان مغربي يحول فضاء العرض إلى مخطوط حي

أركيولوجيا الخفي

عبد الصمد بويسرا
عبد الصمد بويسرا

فنان مغربي يحول فضاء العرض إلى مخطوط حي

يضعنا الفنان البصري المغربي عبد الصمد بويسرامن في معرضه "الرقيم"، المقام بالرباط في غاليري "عبلة عبابو"، أمام زينة تعود إلينا من جهة الحاضر. فهو يستدعي الماضي كي يعيد تركيبه بأدوات الراهن، وينبش في الذاكرة المادية للكتابة كي يجعل الأركيولوجيا سؤالا موجها إلى الحاضر، لا بحثا عن غابر مستقر ومكتمل. هنا لا يصير المخطوط أثرا محفوظا داخل زمنه، ولا تغدو الكتابة موضوعا للتدوين أو للزينة البصرية، إذ تتحول إلى جهاز نقدي يختبر علاقتنا بالمعنى، وبالقراءة، وبما تفعله العين حين تواجه علامة تعرفها ثم تفقد القدرة على قراءتها.

ينطلق بويسرامن من تماس مبكر مع عالم المخطوطات، ومن خلفية فقهية جعلت الكتابة جزءا من تكوينه البصري والثقافي، هناك في أعالي جبال الأطلس في مسقط الرأس، ثم يدفع هذا الإرث إلى منطقة أخرى. فهو يقلب علاقتنا بالمكتوب، لينتزعه من وظيفته كحامل دلالي مستقر، ويدخله في صيرورة مادية تتعرض للتقطيع والفك والتمزيق وإعادة التركيب والانزياح، ليصير المكتوب جسدا بصريا، ودالا أركيولوجيا، قبل أن يصير وحدة لغوية عابرة للجغرافيات حينما تتنصل الكتابة عنده من قابلية القراءة، ويغدو دلالة كونية مشتركة بين كل الألسن والأعين، وتصبح مادته وامتداده وانحناؤه وانقطاعه وتجاوره مع غيره، عناصر تنتج معنى يتشكل أثناء النظر.

فكما يقول الباحث المصري الراحل شاكر عبد الحميد "لا بد من وجود علاقة وجدانية بين العناصر كي لا تكون منفصلة عن بعضها البعض"، وبويسرامن يقيم علاقة روحانية تتأسس على الاشتغال اللوني متناغم وعلى الانسجام الاستعادي بين التاريخي والمعاصر، بين المكتوب والرقمي، كما على الجانب المفارق الذي تستدعيه المنشأة الفنية (طواف) التي تتوسط غرفة سوداء (ستار) المحاطة بلوحات داكنة مطرزة بكتابة مذهبة. فبويسرامن هنا لا يأمرنا بالقراءة، وإنما يدعونا إلى الرؤية. والرؤية هنا فعل يتجاوز النظر، إذ يخرج من العين إلى الحدس، ومن العالم الظاهر إلى العالم الباطن، ومن التفسير إلى التأويل.

كل ظاهر زائل

ووفق هذا العد الاشتغالي البصري تصير كل صورة ظاهر براني، وكل ظاهر مآله إلى الزوال، فالفنان كما يقول "أتبع مسالك الروح"، أما الطلب الحق، عنده، فمقامه في أعمق طبقات الكينونة، حيث يستقر ما يعجز النظر عن بلوغه. فالنظر غير الرؤية، عند المتصوفة، إذ الأول فعل العين المتوجهة إلى ظاهر الأشياء، أما الرؤية فكشف للمستور، واستبصار بالخفي (عين الفؤاد)، وإدراك بالقلب لما احتجب عن العين (عن النظر). من هنا، يرفع عبد الصمد بويسرامن الستار (ويعكسه) ليقودنا إلى باطن الإنسان، نحو تلك الطبقة الروحانية الجوانية المستكنة في أعماقه، حيث يجري الطواف الحق، طواف داخلي حول المركز الخفي للكينونة.

يرفع عبد الصمد بويسرامن الستار (ويعكسه) ليقودنا إلى باطن الإنسان، نحو تلك الطبقة الروحانية الجوانية المستكنة في أعماقه، حيث يجري الطواف الحق، طواف داخلي حول المركز الخفي للكينونة

ومن هنا يأخذ العمل الفني الكتابة إلى مفارقة دقيقة، إذ كلما اقتربت العين من "المخطوط" باليد، ابتعدت عن القراءة المألوفة، وكلما بدا الأثر واضحا في مادته، ازداد غموضه في دلالته، فنحن لسنا في صدد "فك الخط" لكننا إزاء "قراءة الرمز". ويتراجع المعنى هنا عن سطحه المعتاد، كأنه يمارس نوعا من "التقية الإستتيقية"، فيظهر في هيئة العلامة ويحتجب داخلها. هكذا تتحول الكتابة إلى سؤال جوهري، متعلق بكيف يستطيع المكتوب أن ينقل المعنى، وهو يحتفظ في الوقت نفسه بقدرته على حجبه؟ وكيف يمكن للمرئي أن يكون ستارا للامرئي، وللظهور أن يحمل في داخله إمكانية الاحتجاب؟

عبد الصمد بويسرا
الفنان عبد الصمد بويسرامن

في هذا السياق، تبدو "المصفوفات" امتدادا حاسما لهذا الاشتغال. تقطع السلسلة البنية الخطية للكتابة عبر التمزيق الأفقي والتلصيق العمودي، للوحة الأولى، فتفصل هذه الكتابات عن انتظامه القرائي وتعيد توزيعه داخل بنية هندسية أفقية، كأنها مسارات رقمية وخوارزمية من عوالم الحواسيب التي يتنظم العالم وفقها اليوم. ولا يصير المكتوب هنا مسارا يقود العين من بداية الكلمة إلى نهايتها، بقدر ما يتحول إلى وحدة معلقة داخل شبكة، وإلى أثر يكتسب موقعه من علاقته بما يجاوره وما يفصله عنه. بينما تنتقل الكتابة إلى نوع من المصفوفة، ومن التتابع إلى التراكب، ومن القراءة التي تفترض مسارا إلى نظر يواجه بنية مفتوحة على مسارات متعددة.

يكشف هذا الإجراء التقني عن موقف نقدي من العلاقة التي اعتدنا إقامتها بين الشكل والمعنى، وبين الذات والعالم، إذ يقف الفنان موقف الناقد لا الحاكي الذي يعيد محاكاة الواقع. فحين تتشظى الكلمة وتعاد هندستها، تنكشف المسافة التي تفصل العلامة عن مدلولها، ويظهر أن استقرار المعنى يحتاج دائما إلى نظام من القراءة وقواعد من الترتيب ومسار من التلقي، التي تتجسد في منافذ معرضه الأربعة: الرقيم، الطواف، الستار، المصفوفة. حين يكسر هذا النظام القرائي، يتراجع احتكار المعنى الواحد، ويفتح العمل مجالا لتعدد القراءات، حيث تتجاور إمكانات الفهم مع إمكانات العجز عن الفهم.

عبد الصمد بويسرامن
أعمال لعبد الصمد بويسرامن

الظلمة المقدسة

ويتضح لنا ذلك في صلب المعرض، داخل غرفة مربعة الشكل مغلفة بالظلام الدافئ، حيث يشيد الفنان عالما قدسيا مصغرا. بينما جدران هذه الغرفة تحمل لوحات ذات خلفيات سوداء حالكة، تتخللها الكتابات مذهبة (أسطر موزعة بانتظام على اللوحات) تتوهج ضد السواد، وأسطر من الحبر الأسود تكتب فوق السواد نفسه -الظاهر يغطي الخفي، والمعروف يدس المخفي. يستدعي الفنان هذا التراكب البصري من البنية الشكلية واللونية والدلالية لستار الكعبة، أي من ذلك النسيج المقدس الذي يخفي ويحمي، يستر ويكشف في آن واحد. فالستار في التقليد الإسلامي يتجاوز وظيفته المادية إلى دلالة الحجاب، بما يحيل إلى المسافة الرمزية بين عالم الشهادة وعالم الغيب. يعيد الفنان بهذا إنتاج الحجاب الروحي في صيغة فنية، محولا الجدار إلى "معبد" معاش، ومصيرا الفن طريقة تعبد.

بينما يمثل الحجر الأسود المطلق، الحقيقة الواحدة التي لا تنقسم، الحجارة البيضاء تمثل "الخلق" الذي يدور حول الحقيقة الواحدة، التي باتت اليوم متمثلة في "المادي" و"البراغماتي"

أما في قلب هذه "الظلمة المقدسة"، وفي مركز المشهد، يتمركزتجهيز فني (إنستلايشن) مكون من أحجار بيضاء موضوعة في حلقات متحدة المركز حول حجر أسود في المركز الأعمق. يكثف هذا التجميع الهندسي معنى الوحدة الواحدة المحاطة بالكثرة، التوحيد المحاط بالشهود الصامتة، وفي الوقت عينه، يستعيد هذا التكوين سؤال الروحاني داخل عالم تتسع فيه هيمنة الرقمي والخوارزمي والحسابي. بينما يمثل الحجر الأسود المطلق، الحقيقة الواحدة التي لا تنقسم، الحجارة البيضاء تمثل "الخلق" الذي يدور حول الحقيقة الواحدة، التي باتت اليوم متمثلة في "المادي" و"البراغماتي".

عبد الصمد بويسرا
تجهيز فني بعنوان الطواف

ويتصل هذا البعد الدوراني حول المركز الخفي بسلسلة "طواف"، التي تضم لوحات كتابية تتشكل وفق هندسة تربيعية من مربعات متداخلة تشع نحو المركز، وفي قلبها غالبا بؤرة نورانية، أو خط مضيء يخترق السطح بنور ينبثق من الداخل. وتعد هذه التراكيبات الهندسية استحضارا إستتيقيا لرؤيتين متكاملتين، رؤية فضائية وبانورامية للعالم عندما يشاهد من فوق، ولتلك الأشكال الهرمية والتي ترتقي نحو السماء، لتحاور اللانهاية. وفي الوقت عينه يترجم الفنان هذا الصعود إلى مصفوفة بصرية -تربيعية- حيث يمثل كل مربع مرتبة من مراتب المعرفة، وعالما متداخلا مع آخر، في حدود متباينة فالحضارات، المتمثلة في الشكل الكتابي، لكي تتعايش تتجاوز أوهام الحدود التي يطمسها الفنان عبر التباين والتكامل اللوني.

عبد الصمد بويسرا
الرقيم

وفي الشق الأخير والأساسي من المعرض، يستعيد الفنان لفظ "الرقيم" ليجعل منه مفتاحا لقراءة الكتابة في تحولاتها المادية والروحية. فالرقيم يحيل إلى الكتابة القديمة، والأثر المحفور، والصفحة المخطوطة التي تحتفظ في طبقاتها ببصمات الزمن، ويتقاطع لفظه مع الرقم في بعده الحسابي، ومنه مع الرقمي في صيغته المعاصرة.

يحول بويسرامن جدران المعرض إلى مخطوط حي ومعلق، تتجاور فيه الأعمال في أطر مزدوجة كصفحات كتاب مفتوح أمام العين والقارئ معا، إذ تحمل كل صفحة آثار يد انتقلت من الجدار إلى الورق، ومن الورق إلى الوسيط الرقمي

ومن هذا المعنى يحول بويسرامن جدران المعرض إلى مخطوط حي ومعلق، تتجاور فيه الأعمال في أطر مزدوجة كصفحات كتاب مفتوح أمام العين والقارئ معا، إذ تحمل كل صفحة آثار يد انتقلت من الجدار إلى الورق، ومن الورق إلى الوسيط الرقمي، ثم عادت إلى جدران الفضاء عبر المحو والتسويد والتفريغ والإخفاء والتصويب والتصحيح. ويعيد الفنان تأويل هذه العلامات باعتبارها آثارا لحياة الكتابة نفسها، دون أي ملمح انتمائي لأي لغة بعينها، إذ إنها مقرونة بجل أشكال الكتابة (من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى المين ومن أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى)، بينما تتحول إلى شواهد على حركة الحضارة بين الظهور والاحتجاب، بكل ما يمنحه البعد الكتابي من تثبيت وانمحاء. ومن هنا تتشكل "أركيولوجيا الحاضر الإنساني" التي يقترحها الفنان، حيث يظهر الماضي طبقة كامنة تحت سطح حاضرنا وفيه.

font change