الذاكرة حين تستعيد الأشياء في لوحات فلاح السعيدي

الواقع في مختبر التجريد

Falah Saeedi-Facebook
Falah Saeedi-Facebook

الذاكرة حين تستعيد الأشياء في لوحات فلاح السعيدي

يستقي الفنان التشكيلي العراقي فلاح السعيدي مفرداته من واقع عراقي واضح، كالبدو والنساء والأشخاص العاديين والجياد والطيور، دون أن يتركها في صورتها الواقعية الأولى. يتضح أمام الناظر إلى لوحاته أن ثمة مسافة واسعة تنشأ بينها وبين أصلها، مسافة تصنعها الذاكرة وسطوة اللون وأسلوب البناء التشكيلي، فتضاعف معانيها وترفعها نحو مستوى آخر من التعبير، حيث تصبح مساءلة البصريات التي يقدمها انشغالا متواصلا يريد أن يفضي إلى معنى واحد، فلا يستطيع.

لعل السؤال الأكبر الذي تثيره أعماله هو عما يحدث للواقع عندما يمر عبر ذاكرة الفنان الذي غادر العراق سنة 2004، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة سنة 2013، وكيف تتحول ذاكرته من مجرد استعادة للأشياء إلى مصنع يعيد تشكيل الصور دون أن يفقدها ثقلها العاطفي.

الإطار

من خلال هذا المنظار، تبدو الشخصيات في لوحاته، والمحاطة بما يصفه الفنان بـ"الإطار" شديدة الأهمية. فهو يراه تعبيرا عن الانغلاق الفكري الذي تعيشه فئات مجتمعية محددة أو أفراد لا تربط بينهم أية صلة. لكن هيئة الإطار نفسها لا تستقر بسهولة داخل هذا التفسير. فعند النظر إليها بدقة، قد تبدو أحيانا دائرة مغلقة، وأحيانا أخرى شبه مغلقة، أو وسادة متينة يستند إليها الرأس. وتبدو هذه الأشكال، في العديد من اللوحات، مفتوحة من الأمام وبارزة بما يكفي لإظهار تفاصيل الوجه وتعابيره. ومع ذلك، فإن الانطباع البصري الذي تتركه في نفس المشاهد يتجاوز بسهولة تسميتها "إطارا"، إذ يمكن أن تستحضر في شكلها خوذة شفافة كتلك التي يضعها رواد الفضاء على رؤوسهم.

هنا يحدث شيء لافت في ذهن المشاهد. فالخوذة تحمي صاحبها كي يتمكن من الوجود في فضاء لا يستطيع العيش فيه من دون الأوكسيجين الذي يصله عبرها، وتتيح له في الوقت نفسه أن يرسل نظره بعيدا من حوله. إنها حاجز شفاف يفصل ولا يعمي، يحمي ولا يلغي إمكان التواصل. ولذلك يصبح "الانغلاق" الذي يتحدث عنه الفنان أكثر التباسا حين ننظر إلى هذه الرؤوس بوصفها خوذات فضائية. هل الشخصية مغلقة على أفكارها، أم أنها محصنة بما يكفي كي تتمكن من النظر دون أن تتعرض لأي خطر قد يهددها؟ هل ما يحيط بالرأس يمنع العالم من الوصول إليه، أم يمنح صاحبه القدرة على مواجهته بثقة أكبر؟

هذا الإحساس الذي ينقشه الفنان في داخلنا يتكرر بما يكفي في معظم لوحاته ليصبح أحد القوانين الداخلية الأساس لعالمه البصري

يزداد السؤال تعقيدا إزاء بعض الوجوه التي تحمل ملامح دقيقة في تفاصيلها، ونبيلة في هيئتها، وآسرة في نظراتها الدرامية، وكأنها تعرف أمورا مقلقة عن واقع قاس تصالحت معه من دون أن تستسلم له. يصعب عندها أن نرى شخوص الفنان بوصفها شخصيات مغلقة فكريا، بل تبدو منفتحة على عوالم أخرى كامنة في داخلها، في تماس مع عالم خارجي لا يخدش الرؤية، لكنه يستثير البصيرة.

ويجب الإشارة هنا إلى أن ما أردنا تسميته بـ"الخوذة" لا يبدو، في معظم لوحات الفنان، كفلك زجاجي موضوع فوق الرأس من الخارج، لأن العنق يظهر امتدادا لتكوينها، ولتكوين الجسد كله. فالرأس ليس محبوسا داخل جسم غريب، وإنما يعيش في حيز أصبح امتدادا له. وهنا يمكن أن تتحول الخوذة من علامة على الانغلاق إلى مكان داخلي، أو إلى مختبر صغير محمول مع الإنسان، تتولد فيه الألوان بوصفها تجسيدا للأفكار وتحولات المشاعر، وتحسم فيه المواقف المصيرية.

Falah Saeedi-Facebook
من أعمال فلاح السعيدي

الرحلة الوجودية

تبدو تسمية "رجال الفضاء الداخلي"، التي يمكن أن نستعيرها لشخوص الفنان المذكورين آنفا، أكثر من مجرد استعارة شعرية، لأن هؤلاء غير المعلقين أو الطائفين في الفراغ المشحون، يعيشون فيه ملء تجربتهم الوجودية. ولعل هذه الصفة بالذات هي من أهم ما منحه السعيدي لعالمه التشكيلي، ومن أبرز العلامات التي يمكن أن يطورها الفنان ويحور معانيها في أعماله المستقبلية. غير أن الخوذة ليست وحدها ما يستدعي الزجاج في أعماله. فحين ننتقل إلى مجموعة أوسع من اللوحات السابقة والحالية، يظهر إحساس بأن الفنان يستخدم الزجاج بوصفه منطقا بصريا لا مادة حسية. إذ تبدو أجساد الشخصيات شفافة حتى حين تكتسب ألوانا معدنية. وتحضر مروحة لونية غنية تتحرك داخل تلك الأجساد، فتمنحها هيئة حواف زجاجية تتلاقى، أو جدرانا رطبة لا يخلو نسيجها من بصيص ضوئي خافت.

للفنان مجموعة من اللوحات تكشف عن تصور أدق لمفهوم الزجاج عنده. من بينها ما أطلق عليه عنوان "نساء من الأهوار". تبدو بعض نساء هذه المجموعة قوارير طويلة، ملونة بأنوار سائلة هي من وحي ألوان الأرض. يحضر في هذه اللوحات لون التراب، والأشجار المتعددة الخضرة، والأنهار الهادرة، وشمس فترة عصر يوم صيفي دافئ. أجساد تبدو مصنوعة من ماء شفاف أو شبه شفاف. وهذا الإحساس الذي ينقشه الفنان في داخلنا يتكرر بما يكفي في معظم لوحاته ليصبح أحد القوانين الداخلية الأساس لعالمه البصري ككل.

إلى جانب رقرقة الماء في نساء الأهوار، تحضر نسوة مختلفات، حادات كحواف الزجاج عند أطرافه غير المصقولة، لكنهن، في الوقت ذاته، يمتلكن عذوبة عجيبة. وكأن الفنان واظب على صهر مادة زجاجية خام في مختبره الفني، ليبقي بعض شظاياها الحادة، ثم يشكل منها هيئاتهن الجامعة بين اللين والحدة في آن.

كائنات في الفضاء

تظهر خاصية الجمع بين اللين والحدة في معترك الواقع الواحد في مجموعة أخرى من اللوحات، رسم فيها الفنان طائرات محتشدة في السماء. ومن الواضح أن الفنان لا يعتبر هذه الطائرات مجرد عناصر استقرت ضمن حدودها البنائية في وسط فضاء خارجي منفصل عنها، فهي مصنوعة من المادة الأثيرية نفسها. طائرات ذات هياكل منتفخة، أشبه ببوالين أفقية متعرجة، بطريقة تجعلها أقرب إلى كائنات حية، وهي في عز تلاقيها وتلاحمها لا تتحول إلى هيئات من الاحتدام أو التنافر. لا تحطم، رغم التحامها، ولا تناثر لشظايا تمزقها أو تبدد محيطها.

Falah Saeedi-Facebook
من لوحات فلاح السعيدي

هذا الالتباس الشيق الذي يضعنا فيه الفنان تدعمه أيضا عدم قدرتنا، كمشاهدين، على تحديد هوية الطائرات: أهي حربية أم مدنية، أم أنها تحمل بشرا أم متاعا؟ في هذه اللوحات تنعكس الأشكال بعضها على بعض وفي بعضها بعضا، لا بمعنى النسخ أو التكرار، وإنما بمعنى الامتداد. تحضر سطوح تقود إلى سطوح أخرى، وينساب خط منفرد ليجمع خطوطا عدة في حبك متين ورقيق في آن واحد. وتتكون كتلة تستدعي كتلة أخرى، حتى يصل بنا الفنان إلى الشكل النهائي الذي أراد له أن يكون: عالم قوامه التصادم، ولكن من دون شظايا، بل محض توتر وتصدع أبقى توازنه عند حافة الخطر.

التجريد في سيرة فلاح السعيدي الفنية هو المختبر الذي تكونت فيه الشخصيات والطائرات والجياد والعصافير، قبل أن تصل إلى هيئاتها المعروفة

تكشف رسوم دقيقة أنجزها الفنان سابقا بالأبيض والأسود عن آلية الالتباس بصورة أوضح. فهناك خيوط كثيرة، دقيقة ومتشابكة، بعضها يتفرق ويتقطع، وبعضها يستل أشكالا من أخرى، إلى أن يصبح جزء منها شكلا واضحا، بينما يبقى جزء آخر على هيئة خطوط رفيعة ودقيقة. كما تبدو بعض الأشكال في هذه الرسومات شفافة، وكأنها طبقات تجريدية لا تلغي إحداها الأخرى. وحين انتقلت هذه الآلية إلى لوحاته الملونة، أصبحت المفارقة أكثر وضوحا، وظهرت الأشكال بوصفها نتائج لعلاقات مستمرة بين خطوط وأشكال أخرى. وحتى الخط الذي لم يتحول إلى هيئة مكتملة، يبدو شعيرة احتفظت بمرحلة سابقة من ولادة شكلها.

من هنا يمكن فهم الأعمال التجريدية التي كثرت في تجربته الفنية بوصفها أكثر من أعمال قائمة بذاتها، وكونها المادة الأولية التي خرجت منها بقية اللوحات بعناصرها المتعددة. ونكاد نقول إن التجريد في سيرة فلاح السعيدي الفنية هو المختبر الذي تكونت فيه الشخصيات والطائرات والجياد والعصافير، قبل أن تصل إلى هيئاتها المعروفة أو الملتبسة في سائر اللوحات.

Falah Saeedi-Facebook
لوحة لفلاح السعيدي

تظهر قوة التجريد في صلب التشكيل الفني حين يعود الفنان إلى رسم أشكال يمكن التعرف إليها وتحديد هويتها. ففي لوحة يغلب عليها اللون الوردي في لحظة ما قبل الغروب، تظهر امرأتان على دراجتين، فيما الأرض تحت العجلات زرقاء واضحة، لا ترابية. هذا التفصيل يكشف الكثير. فالمرأة والدراجة والطريق عناصر قابلة للتعرف، لكن الأرض لم تعد أرضا واقعية بالمعنى المباشر. لقد أصبحت سماء. وأصبح الزمن نفسه، في الوردي الذي يسبق الغروب، أقرب إلى مادة بصرية تدير عقارب العجلات. لكن حتى هذا المشهد الشاعري الدافئ لا يهرب من الواقع، وإنما يعيد صوغ العلاقة بين عناصره. إننا لا نرى مكانا فقط، بل نرى المكان كما يمكن أن تستعيده الذاكرة، أو كما يمكن أن يتحول حين يمر عبر حساسية الفنان.

Falah Saeedi-Facebook
عمل للفنان العراقي فلاح السعيدي

أثر الحصان

وهذا يقود إلى الجياد، وهي من مفرداته المثيرة للاهتمام، لا سيما إذا نظرنا إليها ضمن عالمه البصري وموضوعاته الأخرى. فالجياد التي يرسمها لا تنتمي دائما إلى صورة الحصان كما استقرت في المخيال العربي التشكيلي. بعضها يستدعي، في هيئته، كائنات مرسومة على الجدران القديمة، وكأننا أمام طبقة أعمق من التراث العراقي. تتضح المسألة في لوحة الحصان الأبيض التي تظهر فيها التكعيبية بوضوح، بينما يحتفظ الحصان في الوقت نفسه بصدى من المخيال العربي. لكنه، حتى في هذه الحالة، لا ينفصل انفصالا كاملا عن الخلفية. الحصان واضح، نعم، لكنه ليس جسما موضوعا فوق مساحة محايدة. هناك شيء من الخلفية يدخل فيه، وشيء منه يبقى ممتدا فيها. مرة أخرى، لا يستقل الشكل تماما عن المادة التي ولد منها.

الذاكرة لا تستعيد الشيء وحده، بل تستعيد معه طبقاته، وصوره القديمة، وما التصق به من أزمنة وتجارب

وهذا ربما هو أحد المفاتيح لفهم الذاكرة عند السعيدي. فالذاكرة لا تستعيد الشيء وحده، بل تستعيد معه طبقاته، وصوره القديمة، وما التصق به من أزمنة وتجارب. لذلك تستطيع الطائرة الحديثة، والحصان الآتي من عمق التاريخ، والمرأة العراقية، والعصفور، والشخص "ذو الإطار"، أن تعيش جميعا في فضاء بصري واحد. ليست وحدة الموضوع هي التي تجمعها، وإنما الطريقة التي يعاد بها تشكيلها.

وهنا تكمن خصوصية تجربته، فالأشياء عنده تحمل آثار التحول داخلها. وربما لهذا تبدو لوحاته، حتى في أكثر لحظاتها تصدعا، متماسكة إلى حد كبير. لا شظايا فيها، لأن ما انكسر لم ينفصل تماما، وما ابتعد عن أصله ظل متصلا به بخيط، بلون، بظل، أو بامتداد شكل خرج من شكل آخر.

font change

مقالات ذات صلة