يستقي الفنان التشكيلي العراقي فلاح السعيدي مفرداته من واقع عراقي واضح، كالبدو والنساء والأشخاص العاديين والجياد والطيور، دون أن يتركها في صورتها الواقعية الأولى. يتضح أمام الناظر إلى لوحاته أن ثمة مسافة واسعة تنشأ بينها وبين أصلها، مسافة تصنعها الذاكرة وسطوة اللون وأسلوب البناء التشكيلي، فتضاعف معانيها وترفعها نحو مستوى آخر من التعبير، حيث تصبح مساءلة البصريات التي يقدمها انشغالا متواصلا يريد أن يفضي إلى معنى واحد، فلا يستطيع.
لعل السؤال الأكبر الذي تثيره أعماله هو عما يحدث للواقع عندما يمر عبر ذاكرة الفنان الذي غادر العراق سنة 2004، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة سنة 2013، وكيف تتحول ذاكرته من مجرد استعادة للأشياء إلى مصنع يعيد تشكيل الصور دون أن يفقدها ثقلها العاطفي.
الإطار
من خلال هذا المنظار، تبدو الشخصيات في لوحاته، والمحاطة بما يصفه الفنان بـ"الإطار" شديدة الأهمية. فهو يراه تعبيرا عن الانغلاق الفكري الذي تعيشه فئات مجتمعية محددة أو أفراد لا تربط بينهم أية صلة. لكن هيئة الإطار نفسها لا تستقر بسهولة داخل هذا التفسير. فعند النظر إليها بدقة، قد تبدو أحيانا دائرة مغلقة، وأحيانا أخرى شبه مغلقة، أو وسادة متينة يستند إليها الرأس. وتبدو هذه الأشكال، في العديد من اللوحات، مفتوحة من الأمام وبارزة بما يكفي لإظهار تفاصيل الوجه وتعابيره. ومع ذلك، فإن الانطباع البصري الذي تتركه في نفس المشاهد يتجاوز بسهولة تسميتها "إطارا"، إذ يمكن أن تستحضر في شكلها خوذة شفافة كتلك التي يضعها رواد الفضاء على رؤوسهم.
هنا يحدث شيء لافت في ذهن المشاهد. فالخوذة تحمي صاحبها كي يتمكن من الوجود في فضاء لا يستطيع العيش فيه من دون الأوكسيجين الذي يصله عبرها، وتتيح له في الوقت نفسه أن يرسل نظره بعيدا من حوله. إنها حاجز شفاف يفصل ولا يعمي، يحمي ولا يلغي إمكان التواصل. ولذلك يصبح "الانغلاق" الذي يتحدث عنه الفنان أكثر التباسا حين ننظر إلى هذه الرؤوس بوصفها خوذات فضائية. هل الشخصية مغلقة على أفكارها، أم أنها محصنة بما يكفي كي تتمكن من النظر دون أن تتعرض لأي خطر قد يهددها؟ هل ما يحيط بالرأس يمنع العالم من الوصول إليه، أم يمنح صاحبه القدرة على مواجهته بثقة أكبر؟




