ماكيلمور... صوت لفلسطين يتجاوز المنع

أحد أبرز الأصوات ضد الإبادة

"المجلة"
"المجلة"

ماكيلمور... صوت لفلسطين يتجاوز المنع

حوّل مغني الراب الأميركي ماكيلمور استبعاده من جولة إد شيران في الولايات المتحدة الأميركية في سبتمبر/ أيلول الماضي، إلى سلسلة حفلات مستقلة بعنوان "فلسطين حرة"، انطلقت من دبلن في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ومرّت بباريس في 29 منه، واختُتمت بحفل نفدت تذاكره في قاعة ويمبلي بلندن مساء 30 أكتوبر.

وجمعت الحفلات فنانين وناشطين، بينهم هوزيير وفرقة "نيكاب" وأورورا وبالوما فيث والمغنية الفلسطينية الكندية نيما حسن المعروفة بـ"نِمَهسيس"، فيما خُصصت عائداتها لمنظمات تدعم الفلسطينيين بالإغاثة والرعاية الطبية والتعليم.

وفي لندن، قال ماكيلمور إن البقاء صامتا أصبح بالنسبة إليه أصعب من الكلام. هكذا اتخذ الجدل حول استبعاده مسارا جديدا. فبدلا من انحسار حضوره، أتاح له تنظيم منصة تضامنية مستقلة، أعادت طرح السؤال عن حدود التعبير السياسي في صناعة الموسيقى، وقدرة ضغوط المنظمين والقاعات على إسكات الفنانين

كان الجدل تصاعد في بداية سبتمبر. وخلال حفلتَي إد شيران في ملعب "ميتلايف" بولاية نيوجيرسي يومَي 4 و5 سبتمبر، أوضح ماكيلمور أنه انضم إلى الجولة الغنائية ليرفع صوت المطالبة بحرية فلسطين من قلب الملاعب الأميركية الكبرى. وأدى أغنيته الاحتجاجية "قاعة هند" (Hind’s Hall)، التي تتناول الحرب في غزة والاحتجاجات التي شهدتها الجامعات الأميركية، فيما كانت صور الدمار تتوالى على الشاشة خلفه. وفي الأمسية التالية، خاطب الحاضرين من اليهود، مؤكدا أن معارضة السياسات الإسرائيلية والفصل العنصري والإبادة الجماعية لا ينبغي أن تُفسر على أنها عداء لليهود.

وأثار موقف ماكيلمور سجالا تجاوز حدود الحفل الغنائي إلى مسألة السلطة على الخطاب السياسي. فقد اتهمته منظمات يهودية وأخرى مؤيدة لإسرائيل بتقديم رواية انتقائية للأحداث وإشعار الحاضرين اليهود بأنهم غير مرحب بهم، فيما طالب المجلس الإسرائيلي-الأميركي باستبعاده من الجولة.

وفي 14 سبتمبر/أيلول، أعلن ماكيلمور استبعاده من جولة شيران الغنائية "لوب تور" (Loop Tour)، بعدما رفضت عدة ملاعب استضافته. وبرر روبرت كرافت، مالك ملعب "جيليت" وفريق نيو إنغلاند باتريوتس لكرة القدم الأميركية، قرار منعه بالإشارة إلى أدائه في ملعب "ميتلايف" وما وصفه بسجل من العبارات والصور المعادية للسامية.

من جانبه، اتهم ماكيلمور كرافت بتدبير الجهود الرامية إلى استبعاده، وهو اتهام لم يعلق عليه الملياردير الأميركي علنا. أما شيران، فعزا القرار إلى منظمي الحفلات ومالكي الملاعب، معربا عن رغبته في إبقاء الخلافات السياسية بعيدة عن الحفلات التي تحضرها العائلات. لكنه عاد لاحقا ليصف ما يجري في غزة بأنه كارثي ولا يمكن تبريره.

وما أسرع ما اتسعت دائرة التضامن مع ماكليمور، إذ انسحب أربعة فنانين وفرق موسيقية أخرى من الجولة. وأعلنت الفرقة الدنماركية "لوكاس غراهام" أن الثروة لا ينبغي أن تحدد من يستحق الاعتراف بمعاناته، فيما رفضت الفرقة الأيرلندية "بيوغا" الغناء في أماكن تُخرس فيها الأصوات المطالبة بحرية الفلسطينيين. وكشفت هذه الانسحابات عن تباين موازين النفوذ داخل صناعة الموسيقى؛ فالفنانون يملكون حرية ما يقدمونه على المسرح، بينما يتحكم منظمو الحفلات والرعاة ومالكو الملاعب في منافذ الوصول إلى أوسع الجماهير.

غيتي
ماكيلمور على المسرح في قاعة "أكور أرينا" ، باريس، فرنسا، 29 مايو 2024

وبدا هذا في آخر حفلاته خلال شهر أكتوبر في قاعة "أوفو أرين ويمبلي" الضخمة بلندن، مختتماً جولته الأوروبية "فلسطين حرة". وقد شهد الحفل حضوراً جماهيرياً كاملاً تخطى 12 ألف شخص رفعوا الأعلام الفلسطينية. تضمن العرض رسائل تضامنية قوية وخطابات لنشطاء، وخصصت كامل عائداته لدعم المساعدات الإنسانية في غزة.

فنان مستقل خارج السرب

وُلد ماكليمور، واسمه الحقيقي بنجامين هاموند هاغرتي، في سياتل في 19 يونيو/حزيران 1983. ويبلغ اليوم الثالثة والأربعين، ويُعرف فنيا باسم "ماكيلمور"، المشتق من "بروفيسور ماكيلمور" الذي اختاره في مشروع مدرسي. وخلال دراسته في كلية إيفرغرين بولاية واشنطن، جمع بين تنظيم ورش موسيقية في مركز لاحتجاز الأحداث وإحياء حفلات محلية وإصدار تسجيلات مستقلة، قبل أن يبدأ تعاونه مع المنتج رايان لويس عام 2008.

وفي عام 2012، أصدر الثنائي ألبوم "ذا هيست" (The Heist)، الذي احتل المرتبة الثانية على قائمة الألبومات الأميركية، وانطلقت منه أغنيتان تصدرتا قائمة "بيلبورد هوت 100". كانت الأولى "ثريفت شوب" (Thrift Shop)، الساخرة من الترف الاستهلاكي، وقد احتلت المركز الأول ستة أسابيع غير متتالية، قبل أن تبلغ أغنية "كانت هولد أس"(Can’t Hold Us) الصدارة بدورها.

لكن فوزهما بجائزة غرامي لأفضل ألبوم راب عام 2014، متقدما على ألبوم كندريك لامار "غود كيد، ماد سيتي" (Good Kid, M.A.A.D City)، الذي حظي بإشادة واسعة، أشعل سجالا حول العرق وميل صناعة الموسيقى إلى تفضيل مغني راب أبيض. وكان ماكليمور قد بعث إلى لامار برسالة يعترف فيها بأن الجائزة كانت من حقه، ثم نشر الرسالة، ما أثار انتقادات رأت أن الاعتذار أعاد تسليط الضوء على الفنان الأبيض نفسه.

وُلد ماكيلمور، واسمه الحقيقي بنجامين هاموند هاغرتي، في سياتل في 19 يونيو 1983. ويبلغ اليوم الثالثة والأربعين، ويُعرف فنيا باسم "ماكيلمور"، المشتق من "بروفيسور ماكيلمور" الذي اختاره في مشروع مدرسي

هذه الواقعة بلورت معضلة تتصل بهوية ماكيلمور السياسية والفنية. فهو موسيقي أبيض حقق نجاحا لافتا في فن متجذر في الثقافة الأميركية السوداء، وأتاح له ذلك النجاح أن يتأمل الامتيازات التي حظي بها بسبب انتمائه العرقي. ففي أغنيته "امتياز البيض" (White Privilege) عام 2005، تناول موقعه داخل ثقافة "الهيب هوب"، ثم عاد في "White Privilege II" عام 2016 ليستكشف علاقته الملتبسة بحركة "حياة السود مهمة" (Black Life Matters).

وانقسم النقاد بشأن الأغنية الثانية بين من رأى فيها تعبيرا عن الوعي بالمسؤولية والامتيازات، ومنهم من اعتبر أنها أعادت إنتاج الاختلال الذي سعت إلى نقده، إذ كوفئ فنان أبيض على طرح أفكار سبق أن دافع عنها موسيقيون وناشطون سود منذ سنوات.

ثم أضفت تجربته الشخصية مع الإدمان بعدا إنسانيا على حضوره العام. ففي عام 2016، شارك الرئيس باراك أوباما في كلمة أسبوعية للبيت الأبيض تناولت مشكلة الإدمان، وتحدث خلالها عن رحلة تعافيه وعن صديق فقد حياته إثر جرعة زائدة. ومن هذه التجربة استمد دعوته إلى العمل الجماعي، فاكتسب صوته السياسي صدقية وجدانية تستند إلى معاناة عاشها بنفسه.

فلسطين ترفع سقف المواجهة

وضعت مأساة غزة مواقف ماكيلمور السياسية أمام اختبار صعب، وأخرجته من دائرة القضايا التي تحظى بقبول واسع لدى التيار الليبرالي الأميركي، إلى مواجهة مع دوائر صنع السياسة الخارجية والمانحين النافذين وأطراف من صناعة الترفيه.

(من حساب ماكيلمور على إنستاغرام)
ماكيلمور في مهرجان باليو، سويسرا

فبعد إلقائه كلمة في مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في واشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أصدر أغنيته "قاعة هند" (Hind's Hall) في مايو/أيار 2024، بالتزامن مع موجة الاحتجاجات التي اجتاحت الجامعات الأميركية. واستمدت الأغنية عنوانها من إعادة تسمية قاعة هاملتون في جامعة كولومبيا باسم هند رجب، الطفلة الفلسطينية التي قتلها الاحتلال الإسرائيلي في غزة بعدما علقت داخل سيارة كان فيها جثث أقاربها. وانتقدت الأغنية الرئيس جو بايدن، ونددت بالدعم الأميركي لإسرائيل، ورفضت الخلط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية. وبحلول سبتمبر/أيلول 2026، كانت الأغنية في نسختها الأصلية، إلى جانب نسخة ثانية شارك فيها فنانون فلسطينيون وآخرون من الشتات، قد جمعت أكثر من 509 آلاف دولار لصالح مؤسسة "أونروا الولايات المتحدة" (UNRWA USA)، التي تدعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.

وتعكس خطابات ماكيلمور وأغانيه وحملاته لجمع التبرعات وقراراته التجارية، في قضايا تتراوح بين المساواة في حق الزواج والامتياز العرقي والإدمان والسودان وفلسطين، ثباتا لافتا في التزامه بالقضايا العامة. ومن هذه الزاوية، تندرج أزمة ملعب "ميتلايف" ضمن مواجهة أوسع بين فنان اتخذ من موسيقاه منبرا للاحتجاج ومؤسسات تتحكم في المنابر التي تتيح الوصول إلى الجمهور. فقد كانت النزعة الاحتجاجية متجذرة في مسيرته الفنية قبل هذه المواجهة بسنوات.

وبرزت المخاطر التي قد تترتب على مواقف ماكيلمور السياسية خلال حفل خيري في سياتل عام 2024، حين شارك في ترديد هتاف تضمن شتيمة موجهة إلى الولايات المتحدة. وأوضح لاحقا أن الهتاف جاء تعبيرا عن غضبه من دعم الحكومة الأميركية لإسرائيل، وليس عن عدائه لبلاده. وبعد الحادثة بوقت قصير، استبعده مهرجان موسيقي في لاس فيغاس من برنامجه.

برزت المخاطر التي قد تترتب على مواقف ماكيلمور السياسية خلال حفل خيري في سياتل عام 2024، حين شارك في ترديد هتاف تضمن شتيمة موجهة إلى الولايات المتحدة. وأوضح لاحقا أن الهتاف جاء تعبيرا عن غضبه من دعم الحكومة الأميركية لإسرائيل، وليس عن عدائه لبلاده

وأعادت اتهامات روبرت كرافت بشأن استخدام صور مسيئة إلى الأذهان واقعة مثيرة للجدال تعود إلى عام 2014، حين ظهر ماكيلمور مرتديا شعرا مستعارا داكنا ولحية وأنفا اصطناعيا كبيرا، في هيئة تنكرية رأى كثيرون أنها تستحضر صورة كاريكاتورية معادية للسامية. ونفى الفنان أن يكون قد قصد الإساءة إلى اليهود، وقدم اعتذارا قبله آنذاك أبراهام فوكسمان، المدير الوطني لرابطة مكافحة التشهير. ومع ذلك، لا تزال تلك الواقعة تُستحضر كلما أثير النقاش حول الحدود الفاصلة بين انتقاد إسرائيل والعداء لليهود، إذ لا تكفي النيات لمحو ما تحمله الصور من دلالات، أو نفي ما قد تسببه من إساءة.

ولا يقتصر استعداد ماكيلمور لتحمل الخسائر المادية في سبيل مواقفه على دفاعه عن الفلسطينيين. ففي عام 2024، ألغى حفلا كان مقررا أن يحييه في دبي مقابل أجر مجز، بعدما اتهم ناشطون سودانيون دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم "قوات الدعم السريع"، رغم نفي أبوظبي تزويد تلك القوات بالسلاح. وبصرف النظر عن صحة هذه الاتهامات، فإن قراره التخلي عن الحفل يعزز الاعتقاد بأن مواقفه تنبع من التزام يتجاوز حسابات الشهرة والمكاسب التجارية، ويصعب تفسيرها على أنها مجرد وسيلة للترويج لنفسه.

غيتي
لافتة كتب عليها "فلسطين حرة - أوقفوا الإبادة الجماعية" خلال حفل لمغني الراب الأميركي ماكيلمور في نورد هولتس، ألمانيا

من يملك سلطة المسرح؟

رد ماكيلمور على استبعاده من جولة إد شيران بأن تعهد بتقديم مليون دولار من صافي أرباحه المتوقعة إلى منظمات إغاثة فلسطينية. وتوالت بعد ذلك التعهدات، إذ أعلنت صانعة المحتوى التعليمي للأطفال عبر الإنترنت، المعروفة باسم "ميس راشيل"، تقديم مبلغ مماثل، فيما تعهد كل من روبرت كرافت وإد شيران بتقديم مليوني دولار للمساعدات الإنسانية.

وفي 24 سبتمبر/أيلول، أعلن ماكيلمور تنظيم حفلات خيرية بعنوان "فلسطين حرة" (Free Palestine) في دبلن وباريس ولندن، مع توقع إقامة حفلات أخرى في الولايات المتحدة لاحقا. وستخصص عائدات هذه الحفلات لدعم عدد من المنظمات، بينها "أنيرا" (Anera)، و"المعونة الطبية للفلسطينيين" (Medical Aid for Palestinians) و"صندوق إغاثة أطفال فلسطين" (Palestine Children's Relief Fund)، ومنظمة "الأونروا في الولايات المتحدة" (UNRWA USA)، و"الصوت اليهودي من أجل السلام" (Jewish Voice for Peace).

وتبرز هذه المبادرة ما يتمتع به ماكيلمور من قدرة على الجمع بين الاحتجاج السياسي وروح المبادرة، مستندا إلى الاستقلالية التي أتاحت له في بداياته شق طريقه بعيدا عن شركات التسجيل الموسيقي. وحين أُغلقت أمامه أبواب الملاعب، بادر إلى إقامة منصة بديلة يخصص عائداتها للعمل الإغاثي، واستطاع أن يحوّل استبعاده من الجولة إلى حافز لحشد التأييد وتوسيع دائرة التضامن.

ونادرا ما تنجح الأغاني في تغيير السياسات بصورة مباشرة، لكن تأثيرها يتجلى في ما تنسجه من شبكات تضامن وما تحشده من موارد. ومن خلال الجمع بين الموسيقيين والمنظمات الإنسانية في بلدان عدة، تكشف هذه الحفلات عن قدرة الفن على إحداث أثر يتجاوز حدود المسرح، حتى وإن ظلت السياسة الأميركية تجاه إسرائيل على حالها.

وفي حين تتواصل الانتقادات الموجهة إلى دقة خطاب ماكيلمور وتأثيره، يرى آخرون في القيود المفروضة عليه دليلا على قدرة المصالح التجارية على تحديد ما يُسمح بالتعبير عنه. فقد حرمه استبعاده من جولة شيران من فرصة الظهور على أحد أكبر المسارح الجماهيرية في عالم الموسيقى، لكنه منح زخما لمشروع جديد عزز مكانته فنانا ملتزما بقضاياه ومستعدا لتحمل تبعات مواقفه.

وبعد أن شق ماكيلمور طريقه في بداية مسيرته متجاوزا حراس بوابات صناعة التسجيلات الموسيقية، يجد نفسه اليوم في مواجهة حراس بوابات آخرين، يتحكمون في الملاعب والعقود والمنافذ التي تتيح للفنانين الوصول إلى ملايين المستمعين.

font change