مشكلة المصادرة

مشكلة المصادرة

استمع إلى المقال دقيقة

هل استطاع مفكر قط أن يبدأ تفكيره من دون أن يصادر على شيء مما يسعى إلى إثباته؟ لدي شك في ذلك.

من أقدم المشكلات التي واجهت التفكير الفلسفي مشكلة "المصادرة على المطلوب"، وهي أن يدخل المفكر النتيجة التي يريد إثباتها في المقدمات التي يستند إليها، ثم يظن أنه قد أقام عليها برهانا. والحقيقة أنه لم يبرهن على شيء، بل عاد إلى النقطة التي بدأ منها. وتكمن خطورة هذه المشكلة في أنها قد تتخفى وراء بناء منطقي متماسك، ولغة علمية دقيقة، وحجج تبدو للوهلة الأولى مقنعة، مع أن النتيجة كانت حاضرة في البداية، ولم تكن ثمرة البرهان.

ولنأخذ مثالا من ديكارت حين يقول: "أنا أفكر، إذن أنا موجود". ألا يكون قد افترض وجود الأنا قبل أن يشرع في إثباتها؟ فحتى لو سلمنا بأن التفكير واقع لا يمكن إنكاره، فهل يثبت ذلك وجود ذات مفكرة، أم يثبت وقوع التفكير فحسب؟ إن الضمير "أنا" يبدو بريئا في العبارة، لكنه يحمل افتراضا أنطولوجيا بالغ الأهمية، هو وجود ذات تقوم بفعل التفكير. وهنا يظهر السؤال: هل اكتشف ديكارت وجود هذه الذات، أم إنه أدخلها منذ البداية في صياغة الحقيقة التي أراد الوصول إليها؟ وقد يستطيع ديكارت الدفاع عن موقفه بالقول إن وجود المفكر يدرك مباشرة في فعل التفكير، لكن هذا الدفاع لا يلغي مشروعية السؤال عن الفرق بين يقين التفكير ويقين الذات التي ننسب إليها التفكير.

و"المصادرة على المطلوب"، التي تعرف في المنطق الإنكليزي باسم "Begging the Question"، وبالمصطلح اللاتيني "Petitio Principii"، لا تقتصر على الحجج البسيطة، فهي قد تتسلل إلى أعقد الأنساق الفلسفية. فقد يبني الفيلسوف نسقا كاملا على افتراض أولي، ثم يستخرج منه نتائج كثيرة، دون أن يتوقف طويلا عند السؤال عن مشروعية ذلك الافتراض الأول. وكلما ازداد النسق إحكاما، ازداد احتمال أن ينسى القارئ أن البناء كله يقوم على مقدمة لم تثبت صحتها بعد. وهنا ينبغي التمييز بين الاتساق الداخلي للنظرية وصدقها، فقد تكون النظرية متماسكة تماما، ومع ذلك تكون مقدماتها غير صحيحة.

ويبدو أننا لن نستطيع التخلص نهائيا من الافتراضات الأولية. فالرياضي يبدأ بمسلمات، والعالم الطبيعي ينطلق من فرضيات، والفيلسوف يحتاج إلى مفاهيم ومبادئ يستند إليها في تفكيره. ما الذي يضمن أن الانحياز لم يتسلل؟

ينبغي أن نتذكر أن وجود الافتراض ليس في ذاته "مصادرة على المطلوب". فالفرق حاسم بين من يعلن افتراضاته ويبحث في النتائج المترتبة عليها، ومن يستخدم هذه الافتراضات بوصفها أدلة على صحتها هي نفسها. الأول يمارس التفكير المنهجي، أما الثاني فيقع في الدور المنطقي.

كلما ازداد النسق إحكاما، ازداد احتمال أن ينسى القارئ أن البناء كله يقوم على مقدمة لم تثبت صحتها بعد

وقد واجه أرسطو هذه المشكلة في نظريته عن البرهان، حين رأى أن المعرفة البرهانية لا يمكن أن تقوم على سلسلة لا تنتهي من البراهين، فلا بد من مبادئ أولى لا تبرهن بالطريقة نفسها التي تبرهن بها النتائج المشتقة منها. ومن هنا يظهر سؤال بالغ الأهمية: إذا كانت المبادئ الأولى غير قابلة للبرهنة بالمعنى المعتاد، فكيف نميز بينها وبين الافتراضات الاعتباطية؟ هذا السؤال يضعنا أمام إحدى المشكلات العميقة في نظرية المعرفة، وهي مشكلة الأساس الذي تقوم عليه المعرفة نفسها.

وعندما جاء ديكارت، حاول العثور على بداية لا تتورط في المصادرة. فشك في كل ما يمكن الشك فيه، حتى وصل إلى حقيقة وجوده بوصفه ذاتا تفكر. لكنه، كما رأينا، لم ينه الجدل حول طبيعة هذه البداية. ثم فتح مشروعه نقاشا آخر حول الانتقال من يقين الذات المفكرة إلى معرفة العالم الخارجي. فقد أصبح السؤال: هل يستطيع العقل أن يثبت وجود عالم مستقل عنه دون أن يفترض مسبقا صحة بعض قدراته المعرفية؟

ومع كانط، انتقلت المسألة إلى مستوى آخر. فبدلا من السؤال عن كيفية مطابقة المعرفة للأشياء وحدها، بحث في الشروط التي تجعل معرفة الأشياء ممكنة. ومع ذلك، يمكن أن يطرح على المشروع الكانطي سؤال نقدي: هل اكتشف كانط بالفعل الشروط الضرورية للتجربة، أم إنه انطلق من تصور معين للمعرفة العلمية ثم استخرج الشروط الملائمة له؟ ولا يكفي طرح هذا الاعتراض للحكم بأن كانط صادر على المطلوب، لكنه يكشف أهمية التمييز بين تحليل شروط إمكان المعرفة وافتراض النتائج التي يراد إثباتها.

وتظهر المشكلة بصورة مثيرة في الفينومنولوجيا عند هوسرل. بدلا من الانطلاق من النظريات المسبقة والتصورات الفلسفية الجاهزة عن الأشياء، يدعو هوسرل إلى العودة إلى الأشياء ذاتها، وإلى تعليق الأحكام المسبقة بشأن وجود العالم، حتى يصف ما يعطى للوعي كما يعطى. والمقصد هنا تحرير البحث الفلسفي من الافتراضات التي تتحكم فيه دون فحص. لكن الفينومنولوجيا تواجه بدورها سؤالا مشروعا: كيف نتحقق من أن الوصف الفينومنولوجي لم يدخل في الظاهرة شيئا من توقعات الباحث ومفاهيمه السابقة؟ وهل يستطيع الفيلسوف أن يصف الخبرة وصفا خالصا قبل أن يفسرها؟

ولا يعني ذلك أن الفينومنولوجيا تقع بالضرورة في المصادرة، بل إن السؤال يكشف صعوبة تحقيق المثل الذي تسعى إليه. فالتخلص من الافتراضات ليس قرارا يتخذه الباحث مرة واحدة، وإنما ممارسة نقدية مستمرة، يختبر فيها المفاهيم التي يستخدمها والطريقة التي تظهر بها موضوعات بحثه.


قيمة الفلسفة لا تكمن في قدرتها على إقامة أنساق يصعب الاعتراض عليها فحسب، إنما في استعدادها لفحص المبادئ التي تقوم عليها تلك الأنساق

ولعل أخطر أشكال المصادرة على المطلوب هو ما يحدث عندما تتحول الافتراضات إلى حقائق لا يسمح أصحابها بمناقشتها. عندئذ يصبح كل اعتراض دليلا إضافيا على صحة النظرية، وكل واقعة مخالفة تؤول حتى تنسجم معها. وهنا يفقد التفكير إمكان التصحيح، لأن النظرية تصبح محصنة ضد كل ما يمكن أن يكشف خطأها.

إن قيمة الفلسفة لا تكمن في قدرتها على إقامة أنساق يصعب الاعتراض عليها فحسب، إنما في استعدادها لفحص المبادئ التي تقوم عليها تلك الأنساق. وقد يكون السؤال الفلسفي الأهم، قبل أن نسأل عما إذا كانت النتيجة صحيحة، هو أن نسأل: من أين جاءت المقدمة التي جعلت هذه النتيجة ممكنة؟

فـ"المصادرة على المطلوب" ليست مجرد خطأ منطقي يقع فيه المبتدئون، بل غواية دائمة تهدد أعظم العقول. وكلما أحب الإنسان فكرة، ازداد ميله إلى اعتبارها حقيقة قبل أن يبرهن عليها. ولهذا لا تبدأ الفلسفة الجادة عندما نعثر على أدلة تؤيد ما نعتقده، بل عندما نمتلك الشجاعة لفحص الاعتقاد الذي نبحث له عن دليل.

font change