نعيش في عصر يكاد العلم فيه أن يكون المرجع الأخير في كل شيء. فإذا أردنا أن نعرف حقيقة الإنسان ذهبنا إلى الطب أو علم الأعصاب، وإذا أردنا أن نفهم الكون ذهبنا إلى الفيزياء، وإذا أردنا أن نفسر السلوك ذهبنا إلى علم النفس. وقد حقق العلم، بلا شك، نجاحات هائلة لا يستطيع عاقل إنكارها. لكن النجاح شيء، والقدرة على تفسير الحقيقة كلها شيء آخر. وهنا يبدأ السؤال الفلسفي. هل يستطيع العلم، لأنه قادر على قياس الأشياء، أن يقول لنا ما حقيقتها؟
كان هيغل من أوائل الفلاسفة الذين تنبهوا إلى هذه المشكلة في صورتها الحديثة. فهو لم يكن عدوا للعلم، ولم ينكر قيمة التجربة والملاحظة، لكنه رفض أن تكون المعرفة التجريبية هي المعرفة النهائية. فالعلم يأخذ الظاهرة، يعزلها، يقيسها، ثم يبحث عن القانون الذي يحكمها. وهذا عمل ضروري، لكنه في نظر هيغل لا يكفي.
العالم يستطيع أن يخبرنا كيف يتحرك جسم، وكيف تتفاعل مادة مع أخرى، وكيف تتغير ظاهرة تحت شروط معينة. لكن هيغل كان يريد شيئا أبعد: ما موقع هذه الظاهرة داخل الكل؟ وما الذي يجعل الأشياء مترابطة على النحو الذي هي عليه؟ المشكلة أن العلم مضطر إلى تفكيك العالم حتى يفهمه. والفلسفة، عند هيغل، تحاول أن تعيد الأجزاء إلى الكل.
ثم جاء نيتشه، ولم يكتف بالقول إن العلم ناقص، بل وضع فكرة "الحقيقة" نفسها تحت مطرقة الشك. سأل نيتشه سؤالا مزعجا: لماذا نفترض أصلا أن الإنسان يريد الحقيقة من أجل الحقيقة؟ ألا يمكن أن تكون وراء إرادة المعرفة رغبات أخرى مثل الأمان والسيطرة وترتيب عالم مخيف ومتغير؟
حين نضع الأشياء في مفاهيم ونصوغ لها قوانين نكون قد جعلناها أكثر قابلية للفهم، لكن هذا لا يعني بالضرورة أننا أمسكنا بحقيقتها النهائية. نحن نختصر العالم حتى نستطيع العيش فيه. وهذه فكرة نيتشوية خطيرة. فقد يكون ما نسميه "الحقيقة" أحيانا طريقة بشرية لترتيب الفوضى.
لكن هايدغر سيذهب خطوة أبعد من هيغل ونيتشه معا. فهو لا يسأل فقط: هل يقدم العلم الحقيقة؟ إنه يسأل سؤالا سابقا على ذلك: كيف أصبح العلم ممكنا؟ خذ مثالا بسيطا. أمامك مطرقة. يستطيع عالم الفيزياء أن يصف وزنها، وطولها، وصلابتها، وتركيب المعدن الذي صنعت منه. وكل ما يقوله صحيح. لكن هل هذه هي المطرقة التي يعرفها النجار؟
حين نضع الأشياء في مفاهيم ونصوغ لها قوانين نكون قد جعلناها أكثر قابلية للفهم، لكن هذا لا يعني بالضرورة أننا أمسكنا بحقيقتها النهائية
النجار لا يلتقي بالمطرقة أولا بوصفها "جسما ماديا ذا كتلة". إنه يلتقي بها بوصفها شيئا يطرق به مسمارا. والمسمار متعلق بالخشب، والخشب متعلق بالباب، والباب متعلق بالبيت، والبيت متعلق بحياة كاملة. أي إن الشيء يظهر لنا أولا داخل عالم من العلاقات والمعاني، ثم يأتي العلم فيعزله عن هذا العالم ويجعله موضوعا للقياس. ليس في هذا خطأ. الخطأ يبدأ فقط حين نظن أن الوصف العلمي هو الحقيقة الوحيدة للشيء.
ولهذا لم يكن هايدغر ضد العلم، كما يفهم أحيانا. اعتراضه أعمق من ذلك. كان يريد أن يذكرنا بأن العلم نفسه يقوم على افتراضات لا يستطيع أن يدرسها بأدواته. فالفيزياء، مثلا، لا تستطيع أن تبدأ عملها إلا بعد أن تتعامل مع الطبيعة بوصفها شيئا قابلا للقياس. لكن لماذا ظهرت الطبيعة للإنسان بهذه الصورة؟ وكيف أصبح العالم شيئا يمكن تحويله إلى أرقام وقوانين؟ هذه ليست أسئلة فيزيائية. إنها أسئلة فلسفية.
ومن هنا نستطيع أن نرى الطريق الذي قطعه الفكر الألماني من هيغل إلى نيتشه ثم هايدغر. هيغل قال: العلم يعرف الجزء، والفلسفة تحاول أن تفهم الكل. نيتشه قال: حتى ما تسميه معرفة قد يكون تأويلا بشريا للعالم. ثم جاء هايدغر وقال: قبل أن تبحث فيما يعرفه العلم، ابحث في الطريقة التي يجب أن يظهر بها العالم حتى يصبح العلم ممكنا.
ليس في هذا انتقاصا من العلم. على العكس، فالفلسفة لا تستطيع أن تعالج السرطان، ولا أن ترسل مركبة إلى المريخ، ولا أن تحسب مدار كوكب. والعاقل لا يطلب منها ذلك. لكن العلم أيضا لا يستطيع أن يجيب عن كل سؤال لمجرد أنه نجح نجاحا مذهلا في الإجابة عن بعض الأسئلة. قد يخبرنا علم الأعصاب بما يحدث في الدماغ حين يقع الإنسان في الحب، لكنه لا يكون بذلك قد قال لنا ما الحب.
وقد يقيس الفيزيائي موجات الصوت في مقطوعة موسيقية بدقة مذهلة، لكنه لم يفسر بذلك لماذا أبكتنا الموسيقى.
قد يخبرنا علم الأعصاب بما يحدث في الدماغ حين يقع الإنسان في الحب، لكنه لا يكون بذلك قد قال لنا ما الحب
العلم يقيس ما يمكن قياسه. أما الخطأ فيبدأ حين نتصور أن ما لا يمكن قياسه لا وجود له. وهنا، تحديدا، تبدأ الفلسفة. فالعالم الذي نعيش فيه أكبر من أن يختزل في رقم، والإنسان أوسع من أن يفسر بمعادلة، والحياة لا تفقد معناها لمجرد أن أدوات المختبر لا تستطيع الإمساك به.