الأحزاب التونسية تتهم مؤسسات استطلاع الرأي بتزوير الأرقام ومغالطة الناخبين

جدل واسع حول عمليات سبر الآراء ونوايا التصويت في الانتخابات القادمة

الأحزاب التونسية تتهم مؤسسات استطلاع الرأي بتزوير الأرقام ومغالطة الناخبين

* شكك الرئيس السبسي في مصداقية مؤسسات سبر الآراء دون أن يسمي أي واحدة منها... ودعوات للإعلام بعدم التورط في نشر أرقام استطلاعات الرأي المغلوطة.
* مختصون: تخضع أغلب مؤسسات سبر الآراء وعددها 15 مكتبا لضغوط الأحزاب والإغراءات المالية في غياب ميثاق لأخلاقيات العمل السياسي وعدم وجود قانون ينظم هذا النشاط.
* الكلفة العادية لسبر آراء 1000 مستجوَب فقط يكلف مؤسسات سبر الآراء نحو 30 ألف دولار.

تونس: ثار في الفترة الأخيرة في تونس جدل واسع حول عمليات سبر الآراء المرتبطة بالانتخابات والتي تقيس نوايا التصويت وتقيّم أداء بعض الشخصيات السياسية مثل الوزراء ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية وبعض المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية القادمة، وتركز الجدل خاصة على مدى مصداقية المؤسسات المختصة في تنظيم عمليات سبر الآراء وشفافية عملها ونزاهة الأرقام التي تعلنها، كما هاجمت بعض الأحزاب المؤسسات المعروفة والقائمين عليها متهمة إياها بالتزوير والتضليل وبمحاولة التأثير في الرأي العام وخداعه بأرقام غير موضوعية غالبا.
كما نبه البعض إلى خطورة ما تقوم به هذه المؤسسات على التجربة الديمقراطية الفتية في تونس وضرورة وضع حد للأساليب الملتوية والتلاعب الذي يشوب هذا النشاط غير البريء وغير النزيه.
وتمثل عمليات سبر الآراء في تونس نشاطا جديدا ظهر في السنوات الأخيرة بعد أن كانت مؤسسات استطلاع الرأي قبل ثورة 2011 لا تتناول الشأن السياسي ويقتصر نشاطها على قياس نسب مشاهدة القنوات والبرامج التلفزيونية والاهتمام بالإشهار والاستهلاك الغذائي، وبداية من خريف 2011 موعد إجراء أول انتخابات ديمقراطية وحرة وفيها تعددية حقيقية صارت مؤسسات استطلاع الرأي تهتم بالحياة السياسية وتستطلع نوايا التصويت وترتيب الأحزاب والمترشحين للانتخابات الرئاسية، وتتولى وسائل الإعلام تحليل النتائج والأرقام المستخلصة.
وقد كان بإمكان نتائج أعمال هذه المؤسسات أن تفيد الحياة السياسية والانتقال الديمقراطي من خلال التعرف على موازين القوى ومساعدة الأحزاب على مراجعة برامجها وطرق عملها والتركيز على نقاط ضعفها لو كانت عمليات سبر الآراء ملتزمة بمنهجية العمل العلمي الدقيق والمعايير الدولية المتعارف عليها في مجال سبر الآراء، لكن ما يحصل حسب المراقبين هو تلاعب بالأرقام ليستفيد من يدفع أكثر سواء من الأحزاب أو الأفراد، ويتم إنجاز استطلاعات الرأي بشكل عشوائي دون التقيد بالضوابط العلمية وفي ظرف وجيز لا يتعدى يوما أو يومين أحيانا.
ويعود عدم قيام مؤسسات سبر الآراء بعملها بطرق علمية إلى ارتفاع كلفة إنجاز العمل الإحصائي بعناية وباتباع كل المراحل الضرورية من اختيار العيّنة الممثلة وإجراء الاستجوابات وقياس دقة الاستطلاع. 
وحسب العارفين فإن الكلفة العادية لسبر آراء 1000 مستجوَب محددين وموزعين بدقة وفق المناهج العلمية المتعارف عليها يكلف المؤسسة ما بين 80 و100 ألف دينار (نحو 30 ألف دولار) ويكون هامش الخطأ نحو 3 في المائة، وكلما انخفض عدد المستجوبين ارتفع هامش الخطأ (في حالة استجواب 600 شخص يكون هامش الخطأ 4 في المائة) أما إذا أنجز سبر الآراء باستخدام الهاتف فإنه يكون أقل كلفة (نحو 10 آلاف دينار) مع ربح الوقت مقارنة بالاتصال الميداني المباشر بالأشخاص المستجوبين وضمان جودة ومصداقية العملية باعتبار تسجيل الاستجوابات وهو ما يمنع إمكانية التزوير مقارنة بالعمل الميداني الذي تصعب مراقبته.
ونتيجة لكل هذا تغيب الجدية والموضوعية في عمليات سبر الآراء ويؤدي ذلك إلى تسجيل وإعلان أرقام تؤثر سلبا في الرأي العام وتوجهاته ومواقفه دون أن تكون لهذه الأرقام أي مصداقية.وتخضع أغلب مؤسسات سبر الآراء وعددها 15 مكتبا لضغوط الأحزاب والإغراءات المالية في غياب ميثاق لأخلاقيات العمل السياسي وعدم وجود قانون ينظم هذا النشاط، وهو ما فتح الباب أمام الفوضى والعشوائية وهي مظاهر ملموسة اليوم في عمل مكاتب سبر الآراء وقد زادت هذه الفوضى في الفترة الأخيرة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية المقررة لنهاية هذا العام وانطلاق حملة التسجيل في القائمات الانتخابية حيث ارتفعت وتيرة القيام بعمليات سبر الآراء ونشر الأرقام، وانطلق الإعلام يحلل هذه الأرقام في محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي والتأثير في الناخبين لفائدة هذا الحزب أو ذاك على حساب باقي الأحزاب، وقد رأى بعض المحللين المهتمين بالشأن السياسي أن الهدف هو تخويف كثير من الأحزاب وإظهارها في موقف ضعف ولا أمل لها في الفوز في الانتخابات القادمة حتى تضطر للتحالف وتوحيد جهودها لمواجهة الأحزاب الكبرى.
وارتباطا بالانتخابات الرئاسية أظهرت عمليتا سبر آراء حول نوايا التصويت أُنجزتا من قبل مؤسستي «إيمرود» و«سيغما» أواخر شهر أبريل (نيسان) الماضي اختلافا وتباعدا في الأرقام ما طرح كثيرا من الشك في نزاهة هذه الأرقام ومصداقية المؤسستين اللتين قامتا بالعملين، وهو ما أثار ردود فعل مختلفة وغاضبة في أغلبها، ففي خطاب إلى الشعب بمناسبة حلول شهر رمضان المعظم شكك رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي في الأرقام المعلنة ومصداقية مؤسسات سبر الآراء دون أن يسمي أي واحدة منها، وأصدرت عدة أحزاب بيانات تتهم فيها مؤسسات سبر الآراء بسعيها إلى توجيه الرأي العام والترويج لأحزاب دون غيرها بلا سند موضوعي، وقد شككت في الأرقام ونتائج استطلاعات الرأي الأحزاب التي لم تكن هذه الأرقام في صالحها بينما صمتت الأحزاب التي وردت أسماؤها في المراتب الأولى، ما عدا حركة النهضة التي احتلت المرتبة الأولى من حيث نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية ولكنها اعتبرت ذلك تحريضا عليها وسعيا لحمل بقية الأحزاب على التحالف ضدها والمشاركة في الانتخابات بقائمات موحدة لإقصائها أو إضعاف حضورها في البرلمان القادم.
كما اعتبر الجميع أنه من المفترض أن تكون عمليات سبر الآراء مفيدة للمسار الديمقراطي لو تُجرى بشكل علمي وتكون خالية من التوظيف، لكنها بشكلها الحالي تغالط الناس وتهدد الانتقال الديمقراطي وتؤثر سلبا على الحياة السياسية وتغلق آفاق العمل السياسي أمام الأحزاب الصغيرة، ودعت كل الأحزاب إلى تنظيم مهنة سبر الآراء عبر وضع قانون خاص بعمليات إنجاز استطلاعات الرأي ونشر نتائجها على أن يفرض هذا القانون على المؤسسات المختصة أن تكون مستقلة وتتقيد بالضوابط الأخلاقية وتعتمد الآليات العلمية وتقدم عند إجراء أي سبر آراء نشرة مفصلة عن منهجية العمل المتبعة وكيفية تكوين العينة التي خضعت للاستجواب، مع إحداث هيئة إشراف ورقابة تسند التراخيص وفق شروط وضوابط محددة وتمنع حصول التجاوزات وتعاقب المخالفين عند الاقتضاء.
هذا القانون تنادي به الأحزاب والفاعلون السياسيون منذ سنوات ويُتوَقَع أن تعجل الحكومة بإعداده بالتشاور مع كل المعنيين بالأمر وتمريره إلى مجلس نواب الشعب للمصادقة عليه، وربما يكون ذلك قبل الانتخابات القادمة في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، لكن قبل صدور هذا القانون تطالب الأحزاب بتدخل رئاسة الحكومة والهيئة العليا المستقلة للانتخابات لمنع نشر نتائج استطلاعات الرأي من الآن لتجنب أي تأثير محتمل على توجهات الناخبين ونواياهم خصوصا أن الجميع يقر بأهمية الانتخابات القادمة التي سينبثق عنها برلمان ورئيس جمهورية بعهدة تدوم 5 سنوات ستكون فيها الرهانات الاقتصادية كبيرة، كما يصر الجميع على أن تتوفر كل ظروف وضمانات إجراء هذه الانتخابات في مناخ من النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص بين كل المشاركين فيها، وإضافة إلى كل ذلك يدعو الجميع وسائل الإعلام إلى الامتناع عن نشر النسب والأرقام المغلوطة حتى لا تتورط إلى جانب المؤسسات المختصة في سبر الآراء في مغالطة الرأي العام.

font change