وليم بولك لـ «المجلة» حذرت عبد الناصر من الكارثة... فلم يستمع

رجل المهمات الخاصة بين أميركا ومصر يتابع كشف الأسرار:

عبد الناصر مع الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية المصري (السابق)

وليم بولك لـ «المجلة» حذرت عبد الناصر من الكارثة... فلم يستمع

* قصة لقاء طريف مع محمد نجيب 
* لا أعرف إذا كان سامي شرف عميلاً للسوفيات لكن المخابرات الأميركية دربته
* حذرت عبد الناصر من تدخله في اليمن وقلت له إنه سيخسر الحرب وإنها ستكون كارثة على مصر 

تنشر «المجلة»في هذا العدد الحلقة الثانية من المقابلة الطويلة المهمة التي أجرتها مع الدكتور وليم بولك رجل الاتصالات السرية والمهمات الخاصة بين الولايات المتحدة ومصر، والذي عمل في عهدي الرئيسين الراحلين جون كينيدي وليندون جونسون، كما أوفده الدكتور هنري كيسنجر بمهمة إلى القاهرة عام 1969 بعد فوز ريتشارد نيكسون بالرئاسة.
وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها بولك إلى الصحافة وبشكل مفصل عن الاتصالات السرية بين مصر وأميركا، وعن مهماته الخاصة لدى عبد الناصر. 
ويعتبر بولك من الخبراء الأميركيين البارزين في شؤون الشرق الأوسط، وله عدة كتب ومجموعة كبيرة من المقالات والأبحاث عن هذه المنطقة وعن العرب. 
وكان بولك كشف في الحلقة الأولى من المقابلة الطويلة معه (راجع العدد الماضي من «المجلة») سراً كبيراً وهو أن عبد الناصر وافق عام 1969 على عقد اتفاق سلام مع إسرائيل وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها. لكن كيسنجر لم يهتم بهذا العرض السلمي الذي يكشف للمرة الأولى... 

 

د. وليم بولك



وفي هذه الحلقة الثانية من المقابلة (التي أجريت في جنوب فرنسا) يكشف بولك معلومات جديدة ومهمة عن أميركا وعبد الناصر... 
وهذه هي الحلقة الثانية:
 
* قبل أن تصبح عضواً في إدارة الرئيس كينيدي أمضيت بعض الوقت في الشرق الأوسط وتعلمت اللغة العربية عن طريق السكن مع عائلة لبنانية في منطقة الشوف كما درست شؤون الشرق الأوسط أيضاً على مدى سنوات طويلة، فما هي الأفكار التي كنت ترغب في أن تطبقها الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط؟
- عندما كنت أستاذاً مساعداً لمادة التاريخ في جامعة هارفارد كتبت مع زميلي وصديقي ريتشارد نولت – الذي عين في وقت لاحق سفيراً للولايات المتحدة في القاهرة – مقالاً بعنوان «نحو وضع سياسة الشرق الأوسط»،ونشرت المقال مجلة «فورين آفيرز»الأميركية الشهيرة. وأثار هذا المقال تعليقات وردود فعل كثيرة. إذ كان يهدف إلى تحديد أسس لسياسة أميركية في الشرق الأوسط، وبين الذين امتدحوا المقال مكجورج باندي الذي اختاره الرئيس (الراحل) كينيدي مستشاراً له لشؤون الأمن القومي.
كان هذا المقال بمثابة تجميع للأفكار التي تدور في رأسي أنا وعدد من الأشخاص الآخرين في أميركا. كنا نشعر بأن جون فوستردالاس (وزير الخارجية في عهد أيزنهاور) كان يعتبر معظم العالم الثالث مجرد مسرح. الممثلون في هذا المسرح ليسوا من أهالي العالم الثالث، بل إن الممثلين الأساسيين والحقيقيين هم الأميركيون والسوفيات. ولم تكن هناك أهمية لشعوب العالم الثالث نفسها. بل كانت– في نظر دالاس- مجرد دمى يتم تحريكها بطرق مختلفة. ولم تكن هناك سياسة أميركية تجاه الشرق الأوسط في حد ذاته، وإنما كانت هناك سياسة تجاه الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط.
 
* ماذا كانت نتيجة هذه السياسة الأميركية؟
- كان تصوري أن هذه السياسة تؤدي بنا إلى أحداث مثل ثورة في العراق عام 1958. لقد استخدمنا العراق في الحقيقة على اعتبار أنه مجرد مسرح لحلف بغداد ولمواجهة السوفيات عبر هذا الحلف. ولم يكن لدينا اهتمام حقيقي بالسياسة العراقية. أم بما إذا كان الأشخاص الذين كانوا أصدقاء وحلفاء لنا، والذين اخترناهم كأداة لتنفيذ سياستنا يتمتعون بشعبية أم لا. أو سيستمرون في السلطة أم لا؟ لقد أقمنا حدوداً مصطنعة بين الشؤون الدولية والشؤون الداخلية. 
إن الساسة الأميركيين المحترفين لا يمكن أن يخطر ببالهم على الإطلاق أن يحاولوا كسب الأصدقاء من ذوي النفوذ في ولاية أريزونا، على سبيل المثال، عن طريق مساندة شخص يكن له الجميع شعوراً عميقاً بالكراهية في أريزونا. ومع ذلك كان هذا ما فعلناه بالضبط في العراق. وبعد أسبوعين من نشر مقالي في مجلة «فورين آفيرز»وقعت الثورة في العراق وانهار بالطبع حلف بغداد وأصبح لزاماً نقله من العراق إلى تركيا وإطلاق اسم «الحلف المركزي»(السنتر) عليه.
 
* حاولت إدارة ريغان– وخصوصاً ألكساندرهيغ عندما كان وزيراً للخارجية- إحياء نظام الترتيبات العسكرية ضد الاتحاد السوفياتي تحت شعار «الإجماع الاستراتيجي» في الشرق الأوسط، وكان «الحلف المركزي»واحداً من المحاولات السابقة لتحقيق هذا الإجماع الاستراتيجي. ماذا كان موقف إدارة كينيدي في هذا الصدد؟
- هناك قصة غريبة لا بد أن أرويها لأنها توضح الجواب عن هذا السؤال، كان الرئيس (الراحل) كينيدي يريد أن يتولى بنفسه الإشراف على سياسة الولايات المتحدة الخارجية ومتابعتها والاهتمام بها. لذلك تجنب اختيار شخصية قوية لمنصب وزير الخارجية مثل وليم فولبرايت أو أدلاي ستيفنسون أو شيستر بويلز، والسبب أن كل واحد من هؤلاء كانت له سلطة قوية في الحزب الديمقراطي (الذي ينتمي إليه كينيدي) كما كان لكل منهم أعداؤه في الكونغرس. واختار كينيدي دين راسك ليكون وزير خارجيته. وبدا أن راسك يمثل حلاً وسطاً ولن يثير أي متاعب ولن يحاول فرض آرائه ولن تكون لديه أفكار مستقلة. كما أنه محافظ للغاية وسيكون مقبولاً من الحزب الجمهوري. لكن راسك أصر على وجهة نظره في بعض الموضوعات الأساسية ومن بين هذه الموضوعات «الحلف المركزي»وقبل التحاقي بالإدارة الأميركية مباشرة. كان من المقرر عقد اجتماع لـ«الحلف المركزي»في أنقرة، وهكذا اجتمع كينيدي مع عدد من المسؤولين الأميركين لتقرير ما يجب إجراؤه حيال هذا الموضوع، لأن أحداً لم يفكر من قبل في الهدف من وجود «الحلف المركزي»،أو ما إذا كان يستحق الإبقاء عليه أو مجرد المحافظة عليه من الناحية الشكلية من دون منحه قيمة عملية كبيرة. ولسوء الحظ تم اتخاذ قرار بإيفاد راسك لحضور اجتماع الحلف، وبما أن راسك كان وزيراً للخارجية فإن حضوره كان يعني الموافقة الأميركية على وجود الحلف، وهكذا اقتنعت دول الشرق الأوسط- سواء المؤيدة للحلف المركزي أوالمعارضة له- أن الولايات المتحدة ستواصل سياسة جون فوستر دالاس في الشرق الأوسط.
 
* وهي باختصار سياسة احتواء الشيوعية؟
- هذا صحيح، وكانت عبارة دالاس الشهيرة هي أن على الولايات المتحدة أن تدعم«النطاق الشمالي»الذي يتألف من تركيا وإيران وباكستان وهذا يعني إهمال ما أعتقد أنه يجب أن يطلق عليه اسم «النطاق الجنوبي»الذي يتألف من سوريا والعراق ومصر ودول شمال أفريقيا. 
وازداد «النطاق الجنوبي»اتساعا حتى أصبح يشمل أفريقيا بأكملها وبعض المناطق الأخرى. وكان دالاس أدرك أن شعوب الجنوب ليست مهتمة بالموضوعات التي تهتم بها الولايات المتحدة وهكذا كان حضور راسك اجتماع «الحلف المركزي»بمثابة دليل لأصدقائنا وأصدقاء سياستنا على أننا نرغب في الاستمرار في الخط نفسه.
 
* هل كانت هناك اجتماعات أخرى لـ«الحلف المركزي»في فترة حكم كينيدي؟
- نعم كانت هناك اجتماعات متكررة. ولكنني لا أذكر أنه كان هناك اجتماع آخر على الدرجة نفسها من الأهمية. ولم يكن الأمر يتعلق بما إذا كان «الحلف المركزي» جيداً أم سيئاً، ولكن حضورنا اجتماعات الحلف يعني أن السياسة العسكرية المعادية للسوفيات ستكون أساساً لكل ما نفعله في الشرق الأوسط. 
 
* هل كان ذلك رأيك الشخصي؟
- عندما التحقت بالإدارة الأميركية، حاولت أن أوضح أن ما يجب أن نفعله في الشرق الأوسط هو عكس ما نفعله تماماً، أن الشيء الذي كان يتعين علينا أن نفعله هو إقناع شعوب المنطقة بأننا نهدف إلى مساعدتها في تحقيق مصالحها الشرعية، وكان ذلك يعني قبل كل شيء آخر أن نحاول مساعدة هذه الشعوب على تحقيق التقدم في مجتمعاتها، وكانت الفكرة تتلخص في أنه إذا شعرت هذه الشعوب بأن لديها أملاً فإننا سنساعدها في هذا الاتجاه إذا عملت على تحقيقه، وهذا يعني أننا سنعمل على توجيه جهودها إلى بناء مجتمعاتها بعيداً عن النشاط التخريبي السلبي. 
 
لقاء مع محمد نجيب 
 
* ننتقل الآن إلى السؤال الرئيسي: متى عقد أول لقاء بينك وبين الرئيس (الراحل) جمال عبد الناصر؟
- اللقاء الأول مع عبد الناصر له قصة غريبة عام 1952، كنت أعيش في منطقة الشوف في لبنان أعد كتاباً عن تاريخ لبنان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. 
حين وقعت الثورة المصرية، وأرسل إليّ صديقي ريتشارد نولت مقالاً مترجماً إلى الإنكليزية عنوانه «فلسفة الثورة»كتبه ضابط مصري مجهول يشرح أهداف الثورة المصرية، قرأت هذا المقال (الذي صدر في ما بعد في كتاب بعنوان «فلسفة الثورة»، ويحمل اسم جمال عبد الناصر)، وشعرت بأن ما حدث في مصر ليس مجرد تغيير في الكراسي وفي الأشخاص بل قد يمهد لتطورات مهمة في هذا البلد وقررت التوجه إلى القاهرة لأرى ما الذي تغير أو سيتغير لا سيما أنني عشت في مصر عام 1946 واتفقت مع شبكة الإذاعة الأميركية «سي بي سي»على إعداد برنامج عن الوضع في مصر يتضمن مقابلة مع رئيس الجمهورية (آنذاك) اللواء محمد نجيب. 
وافق نجيب على إجراء هذه المقابلة، لكنه أصر على أن أعد الأسئلة خطيا وأسلمها له، وفعلت وطبعت أسئلتي على الآلة الكاتبة ثم أرسلت إلى غرفة مجاورة للغرفة التي كنت أجلس فيها مع نجيب، وأخذت أتحدث مع الرئيس المصري عن الطقس ونشرب القهوة في انتظار عودة الأسئلة إلينا، وبعد فترة انتظار طويلة دخل شخص غرفتنا وسلم محمد نجيب أوراقاً طبعت عليها الأجوبة وبدأت أطرح الأسئلة واحداً تلو الآخر على نجيب ويقرأ هو بدوره الأجوبة أمام الميكروفون، واكتشفت في ما بعد أن جمال عبد الناصر كان في الغرفة الأخرى، وأعد- ربما مع بعض رفاقه – الأجوبة وقابلت عبد الناصر في وقت لاحق بعد أن تسلم السلطة، وقلت له: هل تعلم سيدي الرئيس أننا التقينا من قبل؟
وبدا الاستغراب على وجه عبد الناصر، وقال:  لا أذكر أننا اجتمعنا قبل ذلك.
ورويت له قصتي مع محمد نجيب فانفجر ضاحكاً، وقال: نعم، كنا نفعل ذلك معه طوال الوقت، مسكين محمد نجيب. 
 
المخابرات الأميركية دربت سامي شرف 
 
* متى قمت بأول مهمة في مصر بتكليف من إدارة كينيدي؟
- زرت القاهرة عام 1962 برفقة شستر بويلز الذي كان آنذاك المبعوث الشخصي للرئيس كينيدي وتوجه بويلز مع جون بارو (سفير أميركا في القاهرة آنذاك) لمقابلة عبد الناصر بينما توجهت أنا للاجتماع بسامي شرف الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس مجلس الأمن القومي لعبد الناصر.
 
* لقد وضع سامي شرف في السجن في عهد الرئيس (الراحل) أنور السادات، واتهم بأنه كان «عميلاً للسوفيات»هل تعتقد أنه كان عميلاً للسوفيات؟
- في الحقيقة لا أعرف، لكن يمكن القول إن سامي شرف استفاد من خبرات تدريبية مختلفة، وقد دربته المخابرات الأميركية أيضاً، لكنني لا أعرف إذا كان يعمل لحساب نفسه فقط أو لحساب جهة أخرى، الأمر الأكيد في أي حال أن سامي شرف رجل ذكي وسريع الإدراك وأنه كان آنذاك في موقع قوي. 
 
* ماذا كان محور الحديث بينك وبين سامي شرف؟
لن نساعدكم إذا أثرتم القلاقل.. 
قلت له. وهو ما عدت فأكدته مراراً لعبد الناصر وللكثيرين من مستشاريه، هو أننا في إدارة كينيدي نهتم على وجهه الخصوص بأن نجعل المصريين يدركون أننا نعتبر مصر دولة رئيسية في الشرق الأوسط وأننا ندرك الحساسية القومية المصرية ونحترمها، لقد حاول دالاس حرمان مصر من هذا الدور المركزي عن طريق تشكيل «حلف بغداد»في البداية، ثم عن طريق الهجمات التي كان يشنها على عبد الناصر، وقلت أيضاً حسناً أنتم فعلاً لكم دور أساسي في الشرق الأوسط ونحن نفهم ذلك كما أننا نرغب في التعامل معكم على هذا الأساس، والشيء الذي نحاول تحقيقة الآن هو إقناعكم باستغلال طاقتكم وذكائكم ومهارتكم في تحسين مستوى معيشة شعبكم. إننا سنبذل كل ما في وسعنا لمساعدتكم إذا تحركتم في هذا الاتجاه وإذا حاولتم التحرك في اتجاه إثارة القلاقل في دول أخرى فإننا لن نستطيع مساعدتكم حتى إذا رغبنا في ذلك، وبكل تأكيد لن تكون لدينا رغبة في المساعدة، لكن حتى بافتراض وجود هذه الرغبة فإن الرأي العام الأميركي لن يلتزم الصمت ويتركنا نفعل ذلك، وهكذا فإنه يجب عليكم أن تدركوا أن الأسلوب الوحيد للحصول على مساعدتنا هو توجيه طاقاتكم إلى الداخل. 

 

سامي شرف مع الفريق صادق


 
* ماذا كان رد فعل سامي شرف إزاء هذا الكلام؟
- كان منتبهاً للغاية لما أقوله، ولكن من الواضح أنه كان يعتقد أن اهتمامنا الحقيقي ليس منصباً على ما أقوله، وإنما على العمل ضد الاتحاد السوفياتي، وكان الاعتقاد السائد في الشرق الأوسط هو أننا نواصل ببساطة الخط الذي كانت تنتهجه الإدارة السابقة في عهد دالاس بينما ندلي ببيانات لطيفة عن مدى اختلافنا.
 
عدو مصر الحقيقي 
 
* هل التقيت بمسؤولين مصريين آخرين.. علي صبري، وزكريا محيي الدين، مثلاً؟
- نعم أعتقد أنني التقيت جميع المسؤولين المصريين الكبار آنذاك، وتحدثت إليهم، وأعتقد أنه كان هناك اتجاه لإطلاق صفات معينة على الشخصيات المختلفة، وعلى سبيل المثال كان الناس يقولون إن زكريا محيي الدين الذي كان أحد نواب رئيس الجمهورية موالٍ لأميركا، ولكنني لا أعتقد أنه كان موالياً لأميركا أو معادياً لها، كان مصرياً وكان مسؤولاً ذكياً وقديراً يهدف إلى تنفيذ واجبه في خدمة الأهداف المصرية، وكانوا يقولون أيضاً إن علي صبري موال للسوفيات.. إلخ.
 
* المعروف عند الأوساط الأميركية أنك وضعت استراتيجية جديدة لأميركا تجاه مصر ماذا كانت أسس هذه الاستراتيجية؟ 
- اسمح لي أن أوضح أولاً أنه في حكومة كبيرة كل شخص يحاول أن يقول إنه هو الذي وضع هذه الاستراتيجية أو الخطة أو تلك... هذا إذا نجحت! وإذا قيل عني إنني أنا صاحب هذه الاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه مصر، فالسبب أن لا أحد كان يريد أن يتحمل مسؤولية هذه الاستراتيجية.
 
* ماذا كانت أسس هذه الأستراتيجية؟ 
- قبل كل شيء إقناع الحكومة المصرية بتوجيه طاقاتها نحو عدو مصر الحقيقي، أي الفقر والتخلف اللذين كانا يتفاقمان تحت ضغط تزايد عدد السكان، وكانت مصر تواجه آنذاك تدهوراً في القطاع الزراعي، كما كان قطاعها الصناعي غير فعال ويفتقر إلى التنظيم. كنا نريد أن نجعل القيادة المصرية تدرك أن هناك فرصة لإنقاذ الوضع، وأننا نستطيع المساعدة في هذا المجال، وكانت خطتنا تقضي بتخصيص برنامج معونات كبير لمصر وتقديم شيء لدينا منه فائض لا نستطيع استغلاله وهو المواد الغذائية، وذلك بهدف تكوين مخزون من العملات المحلية يمكن تخصيصها بعد ذلك لوضع برامج للتنمية، وكنا نعتقد أن الحكومة المصرية ستتصرف بمجرد بدء هذه البرامج بالأسلوب الذي تتصرف به حكومتنا، وأنه سيكون من الصعب للغاية على هذه الحكومة أن توقف بين عشية وضحاها هذه البرامج وأن تفعل شيئاً مختلفاً تماماً. وسيؤدي ذلك إلى توجيه الطاقات المصرية إلى ميادين مفيدة وليس إلى أشياء ضارة. وهكذا أدى ما يسمى بالقانون العام 480 في إطار برنامج المعونات إلى تأمين مبلغ بالعملة المصرية يعادل بليون دولار. 
 
* ماذا كان شعور عبد الناصر إزاء هذه الخطة؟
- قابلت عبد الناصر لبحث هذا الموضوع بالذات في نهاية 1962. وكانت مصر بدأت التدخل في حرب اليمن التي تحولت في الواقع إلى «فيتنام مصر»وكما قضت الحرب الفيتنامية على «المجتمع العظيم»الذي أراد الرئيس (الراحل) جونسون إقامته، فإن حرب اليمن امتصت طاقات مصر ومواردها المالية. 
وقابلت عبد الناصر لإقناعه بأن تدخله في اليمن سيكون كارثة على مصر وأن هذه الحرب ستكون أشبه بالمستنقع الذي يغرق فيه عبد الناصر.
 
شخصية عبد الناصر 
لا بد هنا من التوقف قليلاً عند شخصية عبد الناصر. كان عبد الناصر شخصاً لافتاً للنظر من نواح كثيرة. كان رجلاً شديد التعقيد. قوياً وذكيا، لكن ليس إلى الحد الذي تصوره الكثيرون، لكن عبد الناصر كان قبل كل شيء متآمراً بالفطرة. درج على الاحتفاظ باسراره لنفسه. لقد سيطر عبد الناصر على الوضع في مصر عن طريق ضرب الأشخاص بعضهم ببعض. وفي هذا المجال كان عبد الناصر يتصرف أحياناً، بشكل عنيف. أحياناً، كنت تشعر وأنت جالس معه، أن عبد الناصر كان يشارك في حديث ما، لكنه في الواقع يستمع إلى حديث آخر. لكن عبد الناصر كان، بلا شك، رجلاً ذا حضور وسياسياً بارعاً.
كان عبد الناصر ينظر إلى حرب اليمن من زاويتين جعلتاه لا يكترث لما كنت أحاول أن أقنعه به، أي عدم التورط في هذه الحرب، والانصراف إلى الاهتمام بشؤون مصر الداخلية، فمن جهة كان عبد الناصر يرى نفسه في صورة البطل والنجم السينمائي، بل في صورة كينيدي العالم العربي، والواقع أن عبد الناصر وقع أسيرا للصورة التي بناها لنفسه، ومن جهة ثانية كان عبد الناصر يشعر بأنه لا يستطيع إلا أن يتدخل في حرب اليمن بسبب الدور الذي أعطاه لنفسه ولمصر في المنطقة، وكان يعتبر أن عدم تدخله في هذه الحرب سيؤثر على سمعة مصر ويضعف نفوذها في المنطقة، وكان معظم أعضاء الإدار الأميركية في ذلك الحين ومنهم سفيرنا في القاهرة جون بارو يعلمون أن عبد النالصر تدخل في اليمن بسبب الدور الذي أعطاه لنفسه ولمصر، لكن يجب القول في هذا النطاق إن عبد الناصر كان انتهازيا من الطراز الأول، أي يسعى إلى انتهاز الفرص وبما أنه كان رئيسا لدولة صغيرة وضعيفة، فقد كان لزاما عليه في تصوره أن يبحث عن الفرصة في أي مكان، ولم يكن باستطاعته خلق الفرص لنفسه كما كانت الدول الكبرى تفعل، ولهذا كانت حرب اليمن فرصة بالنسبة إليه لمد نطاق نفوذه ولجعله شخصية رئيسية على المسرح السياسي العالمي.


 
قلت لعبد الناصر: ستخسر الحرب
 
* هل تعتقد أن الولايات المتحدة كانت تتفهم آنذاك سياسة عبد الناصر هذه تجاه اليمن؟
- في ذلك الوقت لم تكن هناك علاقات دبلوماسية بين الولايات المتحدة والحكومة اليمنية، ولم تكن هناك سوى بعثة أميركية صغيرة في تعز، وليس في صنعاء مقر الحكومة، وقد أبلغت عبد الناصر مضمون سياستنا وأننا لا نستطيع دعم برنامج التنمية الداخلي ورفع المستوى الاقتصادي في مصر، إذا كان كل ما نفعله في الحقيقة هو دعم المغامرات الخارجية، وهنا قاطعني عبد الناصر قائلا: 
إنك لا تعتقد أنني سأكسب الحرب في اليمن، أليس كذلك؟ 
فأجبته قائلا: كلا يا سيادة الرئيس إنني لا أعتقد أنك ستكسبها.
وشعر عبد الناصر بضيق كبير من هذه الإجابة، وقال حسنا، إنني أعرف الكثير عن حرب العصابات، وقد تمكنت في الحقيقة من الحصول على نسخة من وثائقكم السرية عن حرب العصابات. وكان ذلك في ديسمبر (كانون الأول) 1962، وكانت الإدارة الأميركية بدأت لتوها في دراسة حرب العصابات، وفي دراسة حرب فيتنام، وقلت لعبد الناصر: سيادة الرئيس لقد تحدثت إلى كثيرين من الأشخاص الذين كتبوا هذه الوثائق عن حرب العصابات، ولو كنت مكانك لما اهتممت بقراءتها، إنني أعتقد أنها أوراق تافهة وخاطئة، ومن الواضح أنه اعتقد أنها كانت محاولة ساذجة من جانبي لحرمانه من الكنز العظيم الذي حصل عليه عن طريق جواسيسه. ولم يهتم بما قلته له فعلا.

font change