استدعاء السيارات بسبب خلل مصنعي... ظاهرة عالميّة تثير قلق المستخدمين

هيمنة الشركات الوسيطة تسببّت في مشاكل ماليّة للماركات الشهيرة

وزارة التجارة السعودية استدعت 808 سيارات من طراز «فورد مونديو» لوجود خلل فني في جهاز نفخ الوسائد الهوائية

استدعاء السيارات بسبب خلل مصنعي... ظاهرة عالميّة تثير قلق المستخدمين

القاهرة: لا يكاد يمر أسبوع دون أن تعلن شركات السيارات العالمية عن استدعاء آلاف المركبات بالمنطقة العربية لعيوب تصنيعية تتفاوت في درجة خطورتها، وبعضها قد يهدد حياة أصحابها، بعدما أصبحت الفرامل والوسائد الهوائية، إحدى المشكلات المزمنة حاليا.

في السابق كان استدعاء السيارات، أمرا نادر الحديث، قبل أن يصبح ظاهرة في الشهور الأخيرة، ورغم تحمل الشركات المصنعة تكلفة الاستدعاء، لكن الأمر يثير مخاوف تتعلق بسلامة مستخدميها لحين اكتشاف العيوب، أو أن يكون تكرار الحوادث الوسيلة الأساسية لاكتشافها .

وبحسب دراسة أميركية فإن عيوب مكابح دواسات البنزين لإحدى الشركات اليابانية قبل سنوات، تسبب في أكثر من 815 حادثة و314 إصابة و19 حالة وفاة، وكمنت في أنّ الدّوس على المكابح لتقليل السرعة، يزيد سرعة السيّارة بدل تخفيفها.

وسحبت الشركة حينها حوالي 8 ملايين سيارة من السوق العالمية بينها 216 ألفا من ألمانيا وحدها، بسبب تلك المشكلة، بعدما تبين أن السيارات عند سرعة 100 كيلومتر في السرعة، لا تستجيب لتخفيض الوقود ما يجعل تصادم قائدها مسألة وقت أو يكون سعيد الحظ، وينفذ البنزين قبل حدوث أي حادث.

تكفي متابعة إعلانات الشركات العالمية، التي تعيد تعميمها الجهات الحكومية المحلية العربية، لإظهار حجم المشكلة، فخلال أسبوع واحد، أعلنت وزارة التجارة السعودية استدعاء 808 سيارات من طراز «فورد مونديو» لوجود خلل فني في جهاز نفخ الوسائد الهوائية يؤدي إلى تمزقها وخروج شظايا معدنية قد تزيد خطر الإصابة أو الوفاة حال وقوع حادث، وذلك بعد أقل من ثلاثة أشهر على استدعاء 362 سيارة من طراز «فورد بيك آب» لخلل يؤدي لانفصال الزجاج الأمامي.

 

سيارة من طراز «فورد بيك آب» استدعتها الشركة لخلل يؤدي لانفصال الزجاج الأمامي

 

في الأسبوع ذاته، أعلنت الوزارة أيضا استدعاء 948 مركبة «مرسيدسS-Class » لعام 2021، جراء وجود خلل في برمجة وحدة التحكم بالوسادة الهوائية لجهة الراكب الأمامي ما يؤدي إلى عدم عملها بالشكل المطلوب، بجانب 171 سيارة من الفئة ذاتها لوجود اختلال في تثبيت تهوية مضخة الوقود قد يؤدي إلى تعطلها وتوقف المحرك بشكل مفاجئ.

وفي الفترة الزمنية ذاتها، أعلنت مرسيدس-بنز إيجيبت بمصر، عن إطلاق حملة استدعاء مجانية لبعض موديلاتها لفحص واستبدال الوسائد الهوائية لقائد السيارة والراكب الأمامي، والتي قد تشهد في ظروف الطقس تغيرات كيميائية للمادة الدافعة الخاصة بمولد الغاز في بعض وسائد «تاكاتا» الهوائية، ما يسبب  خللا في تقنية العمل.

أوضحت الشركة في تعميم وزعه جهاز حماية المستهلك المصري، أن وقوع حادث على الطريق يقتضي ضرورة فتح الوسادة الهوائية، قد يتعرض قائد السيارة أو الراكب الأمامي لخطر الإصابة نتيجة الأجزاء المتناثرة من مولد الغاز بعد انطلاقه، ما يعني ضررا لا يقل خطورة عن الحادث الأصلي.

كما أعلنت وزارة الاقتصاد بالإمارات، مطلع نوفمبر (تشرين الثاني)، عن استدعاء 11180 سيارة من طرازات مختلفة بين عامي 2003 و2022، نتيجة لخلل في الوسائد الهوائية أيضًا، بينها 3824 مركبة مرسيدس بنز «سي كلاس» و2184 سيارة مازدا، و2149 ميتسوبيشي و1205 فورد مونديو وفيوجين، و546 مرسيدس بنز «إس كلاس»، و160 كاديلاك «جي تي 5»، و59 كاديلاك «جي تي4».

 

ظاهرة مستمرة

تتعدد أسباب استدعاءات السيارات حاليًا، حتى إن خمس شركات كورية لتصنيع واستيراد السيارات، سحبت أخيراً، 135577 سيارة بينها طرازان لسيارات «كيا» بعد اكتشاف إمكانية حدوث تسرب لسائل التبريد بسبب التصميم غير الملائم للخرطوم الذي يربط مضخة المبرد الإضافية، مما يمكن أن يؤدي إلى نشوب حريق في السيارة في بعض الحالات.

شملت القائمة سيارات من نوع لينكولن أفياتور الرياضية متعددة الاستخدامات بسبب عدم إحكام كابل البطاريات ما قد يسبب حريقا، و197 سيارة «بي إم دبليو» الألمانية بسبب خلل في برنامج التحكم في صندوق السيارة الخلفي، و61 سيارة من ماركة سيتروين الفرنسية بسبب عيب بالمقبض في المقعد الخلفي عند فتح الوسادة الهوائية.

مرسيدس بنز «سي كلاس» تمّ استدعاؤها لخلل في الوسائد الكهربائيّة

 

يقول محمد كمال الخبير الاقتصادي إن تزايد وتيرة سحب السيارات أصبحت ظاهرة حاليا بسبب اعتماد السيارات كلها على مورد كبير، حال ارتكابه خطأ تصبح الأزمة عالميا فنحو 50 ماركة سيارات سحبت 42 مليون سيارة تابعه لها، بعد اكتشاف عيوب تصنيعية في أكياس الهواء، صنعتها شركة «تاكات» اليابانية المتخصصة في تصنيع وسائل الأمن والسلامة، مثل أحزمة الأمان وأكياس الهواء، ما يعني أن خطأ شركة واحدة يسبب أزمة للعالم بأسره.

ويؤكد كمال أن حالات الاستدعاء كانت محدودة قديمًا لدرجة يسهل تذكرها مثل جنرال موتورز، وفورد الأميركيتين اللتين سحبتا 30 مليون سيارة و14 مليونا على الترتيب بسبب عيوب خانة مفتاح تشغيل المحرك، وفورد، وتويوتا التي سحبت 14 مليون سيارة، لعيوب تصنيعية في دوائر الطاقة المتحكمة في النوافذ الجانبية عام 2010، وفولكسفاغن التي استدعت 11 مليون سيارة بسبب مواصفات الانبعاثات الضارة، لكن حاليا لن يعد من السهل تذكر حالات الاستدعاء بسبب تزايدها.

يضع خبراء السيارات قائمة بأهم عيوب التصنيع عالميا التي يجب على المستهلك ملاحظتها وتتضمن النظام الكهربائي بما في ذلك الإنارة الأمامية والخلفية، وسخونة غير طبيعية في المحرك بعد سير مسافة غير طويلة، بجانب التدقيق في نظام المكابح والاستجابة أثناء الضغط على الدواسة، ومتابعة ظام الحماية ضد الحوادث التي تظهر بعض عيوبها فيما بعد وأهمها انفتاحها قبل الوصول إلى السرعة المطلوبة للتوقف المفاجئ، مؤكدين أن الجمهور العربي لا يدقق في تلك الأمور ويهتم أكثر بالسرعة والشكل الخارجي ورفاهية المركبة من الداخل.

 

أزمة صناعة

يقول عمرو عطية، خبير السيارات، إن موجات استدعاء السيارات عالميا مرتبطة بالتطور التكنولوجي المذهل في الصناعة، وإضافة مميزات جديدة لأول مرة في الكثير منها سنويا، وبعضها لا يخضع للاختبار الكافي على أجواء البلدان المختلفة كالحرارة والبرودة والرطوبة نتيجة للتنافس الشديد، والدليل على ذلك أن غالبية موجات الاستدعاء تتعلق بدول بعينها، وليس كل السيارات حول العالم.

يضيف أن هناك تحولا كبيرا في التعامل مع مسألة الاستدعاءات خاصة في المنطقة العربية مع زيادة اهتمام الأجهزة الرقابية وعلى رأسها جهاز حماية المستهلك بمتابعة حملات الاستدعاء العالمية ومطالبة الشركات بتنفيذها فورا؛ وفي مصر استغل وكلاء كبار في السوق مسألة الاستدعاء لاستعراض قوتهم في السوق مما جعل المسألة مضمارا للسباق بين الجميع.

يؤكد خبراء أن الاستدعاء مرتبط أيضًا بمشكلة إنتاج السيارات بمواصفات بلد المنشأ وهو أمر تمت مراعاته أخيرا حتى باتت شركات الإنتاج تضع تصميمات تناسب المنطقة التي سيتم التصدير إليها وبات شهيرا أن تحمل المركبة اسما مغايرًا مثل «تويوتا خليجي» التي تعني تصميمها بما يتماشي مع ظروف التشغيل التي ستعمل فيها.

ويوضح  عطية أن المستفيد من أزمة السيارات العالمية حاليًا هي الصين التي تصعد وتستحوذ على أسواق جديدة ويتوقع أن تبلغ صادرات الصين بنهاية العام نحو مليوني سيارة وبالتالي ستصبح على عرش المبيعات عالميا، موضحًا أن الوضع الجديد دفع المنافسين في أوروبا والولايات المتحدة وحتى في آسيا إلى زيادة الاهتمام بخدمات ما بعد البيع من أجل الحفاظ على ولاء العملاء حتى لا ينجذبوا لمغريات العملاق الصيني السعرية والتكنولوجية.

وتتواكب الاستدعاءات المتتالية مع أزمة في صناعة السيارات عالميا ترتبط بنقص أشباه الموصلات المطلوبة لجميع المركبات الحديثة بسبب اختناقات الإمدادات وانخفاض إنتاجها وتكدس سفن الشحن في الموانئ، في مرحلة التعافي الاقتصادي بعد جائحة كورونا.

وتراجع إنتاج السيارات الأميركية خلال السبعة شهور الأولى من العام الجاري إلى 7.51 مليون سيارة ليسجل أدنى مستوى منذ عام 2010، مع إغلاق عدة مصانع، وضربت الأزمة أوروبا أيضًا، حتى إن شركة «فولكسفاغن» الألمانية، أكبر شركة سيارات في أوروبا، قررت إبطاء خطوط الإنتاج لتتفاقم التخفيضات التي بدأت منذ فبراير (شباط) الماضي.

الشركات المنتجة بآسيا، لم تكن أسعد حالا، إذ أعلنت شركة «تويوتا» اليابانية أكبر شركة في القارة، أنها خفضت الإنتاج بنسبة 40 في المائة، خلال سبتمبر (أيلول) مع توقعات بهبوط شركات السيارات الهندية بأكثر من 450 ألف وحدة هذا العام بسبب أزمة نقص رقائق أشباه الموصلات.

وقد وصلت الأزمة أيضا إلى إنتاج قطع الغيار مثل شركة كونتننتال الألمانية التي تراجع إنتاجها وخفضت   توقعاتها الأرباح إلى 33.5 مليار يورو بما يقل مليار يورو عن توقعات بداية العام. وكذلك الشركات الإيطالية المتخصصة فى قطع غيار السيارات صغيرة الحجم التي لم تعد قادرة على التكيف لمواجهة التحديات التى توجهها صناعة السيارات، بينما تراجعت مبيعات مجموعة فوريسيا الفرنسية التي تورد لوحات القيادة بنحو 10 في المائة خلال الربع الثالث من العام الحالي مسجلة  3.43 مليار يورو.

ويعود خبير السيارات ليؤكد أن علاقة الصين بأزمة الموصلات يجب أن يتم النظر إليها من جانبين الأول الشركات العالمية التي تنتج في الصين وتستخدم رقائق وأشباه موصلات واردة من تايلاند وتعاني مما تعانيه الشركة الأم، أما الشركات الصينية المحلية المتخصصة في إنتاج السيارات فلا تعاني من أي مشكلات، حيث إن لديها صناعة أشباه الموصلات الخاصة بها، وستستفيد من الأزمة العالمية.

تملك الصين مُصنعين محليين للرقائق، وكانت منتجاتها أقل تطورا من  «سامسونغ» الكورية الجنوبية، و«تي إس إم سي» التايوانية،  قبل أن تنفق 10.8 مليار دولار لتوسيع قدرتهم على بناء مثل الرقائق،  كما تخطط لإنفاق 1.4 تريليون دولار على التكنولوجيات المتقدمة حتى عام 2025، ما يجعلها اللاعب المستقبلي الأول في صناعة السيارات، خاصة بناء مصانع أشباه موصلات جديدة يستغرق وقتا للإنتاج.

 

 

 

font change

مقالات ذات صلة