لبنان... الفراغ الرئاسي وتداعياته على الاقتصاد

موضة كرسها عهد ميشال عون منذ أواخر الثمانينات

الفراغ الرئاسي في لبنان.

لبنان... الفراغ الرئاسي وتداعياته على الاقتصاد

بيروت: الفراغ السياسي بات موضة في لبنان فقد عاشها مرات عديدة سواء في رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء، اللتين تتوليان السلطة التنفيذية بموجب اتفاق الطائف، بسبب النزاعات بين القوى السياسية المرتهنة إلى الخارج، وغير المهتمة لشؤون وشجون الناس ومشاكلهم ومعاناتهم.

فراغ رئاسي بالتواريخ
على صعيد الفراغ الرئاسي، شهد لبنان شغورا طويلا في منصب رئيس الجمهورية: كان الأول بين سبتمبر (أيلول) 1988 ونوفمبر (تشرين الثاني) 1989، حين قرر الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميّل، بعد انتهاء ولايته، وفشل البرلمان في اختيار بديل له، تشكيل حكومة عسكرية سداسية برئاسة قائد الجيش ميشال عون رغم وجود حكومة مدنية برئاسة الدكتور سليم الحص، لذا قرر الوزراء المسلمون اللواء محمود طي أبو ضرغم والعميد محمد نبيل قريطم والعقيد لطفي جابر، فور تشكيل الحكومة، الاعتذار عن المشاركة بها، وذلك بسبب ظروف تشكيلها وعدم مشاورتهم قبل التشكيل، إلا أن عون مضى في حكومته واحتل قصر الرئاسة في بعبدا ورفض الاعتراف بالحكومة الميثاقية الموجودة، وخاض حروبا إلغائية ضد القوات اللبنانية وأمر بقصف معارضيه في المنطقة الغربية للعاصمة وأدى إلى انتخاب رئيس جديد للحمهورية النائب رينيه معوض الذي اغتيل قبل تسلمه مهامه، ثم رفض الاعتراف بانتخاب الرئيس إلياس الهراوي لأنه رفض الاعتراف باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان العام 1975، ولم يخرج من القصر إلا بعد أن أغارت الطائرات السورية على القصر حيث فر بملابس النوم باتجاه السفارة الفرنسية طالباً اللجوء السياسي.
وشهد لبنان بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2007 ومايو (أيار) 2008 فراغا رئاسيا بعدما انتهت الولاية النصفية الممدة للرئيس إميل لحود بإيعاز من النظام السوري، والسبب هو عدم التوافق على خليفة له واستمر الفراغ إلى أن عقد مؤتمر الدوحة من 16 إلى 22 مايو (أيار) 2008 وأدى إلى انتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيساً للجمهورية.


أما الشغور الرئاسي والأطول فكان بين مايو (أيار) 2014 وأكتوبر (تشرين الأول) 2016، وبلغ 29 شهرا، وبدأ الشغور عندما انتهت ولاية الرئيس ميشال سليمان، ولم ينته إلا بعد انتخاب ميشال عون رئيسا للبلاد بسبب إصرار حزب الله على انتخابه، وقد تكبدت البلاد خسائر مالية واقتصادية ضخمة من جراء هذا الفراغ.

الفراغ الحكومي بالتواريخ
أما على صعيد حكومات تصريف الأعمال فقد شهد لبنان هذه الحالة أكثر من مرة، وخصوصاً في عهد ميشال عون، ومن أبرز الحالات التي طال فيها تصريف أعمال الحكومة:
* حكومة فؤاد السنيورة: باتت هذه الحكومة في حكم تصريف الأعمال منذ أواخر 2006 وحتى منتصف 2008، بعد استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة.
حكومة نجيب ميقاتي (مارس/ آذار 2013- فبراير/شباط 2014): ظلت هذه الحكومة تدير شؤون لبنان على نطاق ضيق بعد استقالتها بسبب الانقسام السياسي الحاد حول الانتخابات والتعيينات في الوظائف العليا.
* حكومة تمام سلام: باتت هذه الحكومة كحكومة تصريف أعمال إثر الفراغ الرئاسي في 2014، وظلت في هذا الوضع حتى أواخر عام 2016 بعد انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية.
* حكومة سعد الحريري الثانية (مايو/أيار 2018- يناير/ كانون الثاني 2019): تحولت هذه هذه الحكومة إلى حكومة تصريف للأعمال بسبب الاستشارات الشاقة والعراقيل التي وضعت في وجه الرئيس المكلف من رئيس الجمهورية وفريقه السياسي.
* حكومة حسان دياب التي شكلت في 21 يناير (كانون الثاتي) 2020 وأصبحت حكومة تصريف أعمال بعد انفجار المرفأ يوم 4 أغسطس (آب) 2020 واستمرت حتى 10 سبتمبر (أيلول) 2021 لحين تشكيل حكومة نجيب ميقاتي.


واليوم يواجه لبنان حلقة جديدة من الفراغ سببها أن حكومة نجيب ميقاتي التي شكلت في شهر سبتمبر 2021 اعتبرت مستقيلة بعد الانتخابات النيابية التي جرت يوم 14 مايو 2022 ورغم أن ميقاتي كلف من قبل المجلس النيابي الجديد لتشكيل حكومة جديدة يوم 23 يونيو (حزيران) 2022، لكنه لم ينجح بعد رفض رئيس الجمهورية التشكيلة التي قدمها له الرئيس المكلف لأنها لن تحقق طموحات صهره جبران باسيل، الذي يريد أن يضمن الثلث المعطل ويشترط أن تتم إقالة حاكم مصرف لبنان وقائد الجيش ورئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس إدارة شركة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت ومدير عام إدارة المناقصات الدكتور جان العلية حتى يعزز وضعه الإداري بعد انتهاء عهد عمه.


وها هي حكومة تصريف الأعمال مستمرة حتى اليوم ويبدو أنها ستبقى إلى ما بعد انتهاء ولاية ميشال عون يوم 31 أكتوبر المقبل إلا إذا نجحت الضغوط الدولية والداخلية بتغيير الواقع الحالي.
والسؤال المطروح اليوم: كيف سيصمد الاقتصاد اللبناني المترنح والقطاع المصرفي المتهالك في ظل فراغ رئاسي وحكومة تصريف أعمال؟ ومن المتضرر من هذا الواقع؟ وهل سيتم الاتفاق مع صندوق النقد الدولي؟ هذه الأسئلة طرحتها «المجلة» على قيادات مصرفية بارزة وخرجت بالأجوبة التالية:

ضياع الوقت والفرص
النائب السابق لحاكم مصرف لبنان الدكتور محمد البعاصيري أكد أنه من أخطر الأمور التي واجهت ولا تزال تواجه لبنان هي إضاعة الفرص واستباحة الوقت، فلو أخذنا على سبيل المثال وليس الحصر موضوع الطاقة. فبالرغم من وجود خطة أو خطط أقرت في حكومة الحريري منذ سنوات، فإنها بقيت حبرا على ورق واستمر النزف المالي في هذا القطاع حتى تراكم العجز العائد إلى أكثر من 40 في المائة من الدين العام. كذلك ينطبق هذا الأمر على الثروات المائية والتي كان يمكن لها أن تساهم في نقل لبنان من بلد دائن إلى بلد مزدهر. والأمثلة تتعدد في ضياع الوقت والفرص. كيف كان مصير مؤتمر سيدر وكيف تم التعامل مع موضوع سلسلة الرتب والرواتب؟

النائب السابق لحاكم مصرف لبنان الدكتور محمد البعاصيري


يتابع البعاصيري: لا يمكن لأي مراقب سياسي أو اقتصادي إلا أن يستنتج أن السبب الرئيسي في الأزمة الحالية يتمثل في غياب الإرادة السياسية للإصلاح، وبأن انتفاء الحل السياسي يبقى من أكبر مسببات الأزمة التي تعصف بلبنان.


أما عن الانعكاسات في حال وقع لبنان في محظور الفراغ الرئاسي لا سمح الله؟


يقول البعاصيري: هناك خوف من الانعكاسات السياسية ومترتباتها ومن خطر انفجار اجتماعي وإمكانية تعرض البلاد إلى أخطار أمنية، والانعكاسات المالية والنقدية في حال انتفاء الثقة في القطاع المصرفي من قبل اللبنانيين وغيرهم من المقيمين والمنتشرين، إذ سيزداد الوضع المصرفي حرجاً في ظل تزايد انعدام الثقة وسيكون من الصعب السير في موضوع إعادة الهيكلة المصرفية في ظل انعدام انتظام العمل الحكومي، وبالتالي ما هو مرجو من البدء في استعادة الثقة في القطاع المصرفي في حال وجدت خطة إعادة الهيكلة المصرفية، الأمر المؤكد أيضا أن الفراغ الرئاسي في ظل حكومة تصريف أعمال ستتضاعف الأخطار الناتجة عنه وسيمنع التفكير من قبل المساهمين والمستثمرين من إعادة الرسملة المصرفية والاستثمار في القطاع المصرفي، أما عن الودائع والمودعين فهذا الموضوع من المرجح أن يكون بلا أفق في ظل الوضع المتزايد خطورة نتيجة هذا الفراغ، لأن الفراغ الرئاسي سيلقي ظلا ثقيلا على قيمة العملة الوطنية والمحتمل أن يزداد العجز في الميزانين التجاري والمدفوعات مما سينعكس بشكل مباشر على قيمة العملة المحلية. هذا بالإضافة إلى الانخفاض في الاحتياطي الأجنبي لمصرف لبنان الذي يبقى الممول الرئيسي للدولة وتمويل الواردات.
وأكمل البعاصيري: أعتقد أنه من الطبيعي أن تتباطأ المفاوضات مع صندوق النقد الدولي مع الفراغ الرئاسي وبالتالي ستزداد كلفة التعافي مع إمكانية أن يستمر البلد في وضع سريري خطير، يقتات على ما يقدم له من مساعدات إنسانية تبقيه على قيد الحياة ولو بشكل مؤقت ومحدود.
والأمل في التوصل إلى اتفاق نهائي مع الصندوق لا تكمن أهميته في إقراض لبنان بعض المليارات من الدولارات بل بإقناع أو تشجيع الدول المانحة في الاستثمار في البنى التحتية للبلد كما كان الهدف من مؤتمر سيدر الذي أضاع فرصة التعافي منه العديد من المسؤولين في لبنان.
واختتم البعاصيري قائلا: الفراغ الرئاسي ستنتج عنه أكلاف متزايدة للنهوض واستعادة الثقة وبالتالي ستتناقص معها إمكانية لبنان في الازدهار بل في الاستمرار أيضا كبلد طبيعي يحلو لأبنائه العيش والبقاء فيه.

لبنان أمام منعطف خطر
بدوره النائب السابق لحاكم مصرف لبنان الدكتور مكرديش بولدقيان اعتبر أن القطاع المصرفي اللبناني شكل منذ نهاية الخمسينات وحتى العام 2019 رافعة أساسية للاقتصاد اللبناني، وجعل من بيروت تحديدا مركزا ماليا مهما في منطقة الشرق الأوسط حيث كان محط اهتمام دول الخليج العربي والغرب على السواء مدعوما بسريته المصرفية التي جذبت انتباه المتمولين وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة.


ويتابع: عرف القطاع المصرفي اللبناني شأنه شأن القطاعات المصرفية العالمية «طلعات ونزلات» على امتداد سنوات طويلة متأثرا بالعوامل السياسية والاضطربات الأمنية التي شهدها في السبعينات (الحرب الأهلية)، ومن ثم تأثر بالحروب الإسرائيلية على لبنان وبموجة الاغتيالات السياسية في 2005 لا سيما منها اغتيال رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري.

النائب السابق لحاكم مصرف لبنان الدكتور مكرديش بولدقيان


وأكمل: نجحت المصارف اللبنانية بفعل قوة إداراتها والتزامها معايير العمل المصرفي الدولية، كذلك نتيجة وجود مصرف مركزي قوي، إضافة- وهو الأهم- فترة الاسترخاء السياسي من العام 2007 إلى العام 2011 وسط نار أشعلت كل دول الجوار، استدامت فترة النمو المصرفي حتى بدايات العام 2019 ليسقط القطاع برمته في الفصل الثالث من هذا العام بشكل مفاجئ ودراماتيكي، وتجلى هذا السقوط الكبير بتوقف المصارف عن دفع الودائع لأصحابها واعتمادها سياسة «التقنين» ووضع سقوف للسحوبات. وزاد من وضع المصارف سوءا انكشاف مصرف لبنان على خسائر مالية مرتفعة وتراجع كبير في سيولة المصارف وانكشاف مالية الدولة التي توقفت عن تسديد مستحقاتها الخارجية منذ العام 2019 وكما ذكرنا ذلك تتفاقم أزمة المصارف وتكبر، كما تتسارع وتيرة الانهيار المالي وتزداد أزمات اللبنانيين الحياتية والمعيشية.


وتابع قائلا: لعبت السياسة في السنوات الثلاث الأخيرة دورا سلبياً ساهم في تفاقم أزمة القطاع المصرفي وباقي الأزمات، حيث ارتفع منسوب عدم الاستقرار السياسي على مستوى البلد العام، فتعطل عمل المؤسسات الدستورية والإدارات وتراجع حجم الثقة المحلية والعالمية بلبنان مع ارتفاع منسوب الخلافات السياسية الداخلية التي ساهمت في تعطيل اتخاذ أي قرار إنقاذي ينفع البلاد والعباد. واليوم ونحن على مسافة قريبة من استحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهورية (أكتوبر/ تشرين الأول)، عاد الأمل إلى اللبنانيين بإمكان خروجهم من الأزمات التي أرهقتهم على امتداد السنوات الثلاث شرط أن يحسن الساسة عندنا اختيار الرئيس المناسب، الذي يحظى بثقة اللبنانيين والعالم، الرئيس القادر على إعادة توحيد اللبنانيين حول مشروع سياسي وطني إنقاذي واحد، الرئيس صاحب القرار البعيد عن الفساد والفاسدين.


ويكمل بولداقيان: استنادا إلى ما سبق يراقب اللبنانيون كما المجتمع الدولي مسارات الاستحقاق الرئاسي في لبنان وكلهم أمل في إنجاز هذا الاستحقاق في موعده كي يتسنى للبنان الاستفادة من فرصة سانحة إضافية للمباشرة في مواجهة أزماته الخطيرة وفي مقدمتها أزمة قطاعه المصرفي. البعض في لبنان يتخوف من تعطيل الاستحقاق الرئاسي ومن نتائج هذا التعطيل على كل الوضع اللبناني.


وعن تداعيات هذا التعطيل إذا حصل على القطاع المصرفي تحديداً يقول بولدقيان: «من البديهي لأية أزمة سياسية كبرى كأزمة حدوث فراغ سياسي في سدة الرئاسة الأولى أن تلقي بتداعياتها السلبية على الوضع العام في البلاد وأن تصيب كل مكونات الاقتصاد وفي مقدمته المكون المصرفي بتداعيات سلبية حيث إن هذا القطاع يتأثر أكثر من غيره من القطاعات الاقتصادية بعامل الاستقرار السياسي والاستقرار الأمني، إذ إن أي اهتزاز في هذين العاملين يعرضان المصارف إلى كل أنواع المخاطر وفي مقدمتها «الثقة» التي تبقى الضامن الأقوى للمصرف لأن أي تأخير في انتخاب رئيس للجمهورية ضمن الفترة الزمنية الدستورية يعني وبصراحة ووضوح زيادة في المخاطر على القطاع المصرفي، وهذا الأمر ينعكس أيضاً على سلامة الودائع حتى إن البعض يرى أن حصول هذا الأمر، سيما إذا طال زمنه قد يؤدي إلى خروج لبنان من النظام المالي العالمي وإلى إفلاس البنوك وخسارة المودعين مدخراتهم ومن ثم تحويل لبنان إلى جزيرة معزولة اقتصادياً.


ويتابع: الفراغ الرئاسي يعني: أولا وقف عملية التدقيق الجنائي في جرائم ونهب المال العام، ثانيا وقف تنفيذ خطة التعافي الاقتصادي، وهذا يؤدي مباشرة إلى خسارة ورقة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ثالثا خسارة الثقة المحلية والعالمية، خسارة ودائع المصارف في الخارج الموجودة لدى المصارف المراسلة المالية. إن كل هذه النتائج تعني أولا وأخيرا حجم الضرر الكبير الذي سيلحق بالقطاع المصرفي إذا دخلت البلاد أزمة الفراغ الرئاسي.


ويختتم قائلا: في المحصلة لبنان أمام أهم استحقاق سياسي يمكن أن يحمل معه إما بوادر استعادة الثقة وتاليا بداية التحرر من أزماته، هذا إذا تم إنجاز الاستحقاق الرئاسي في موعده، أما في حال عدم حصول الانتخاب- لا سمح الله- فعلينا أن نتوقع المزيد من الأزمات وتفاقمها بأبعادها السياسية والاقتصادية والمصرفية والاجتماعية والأمنية،. فلبنان أمام مفترق طرق مليء بالمخاطر التي تواجه الجميع، والتي تستدعي مناً جميعاً الارتفاع إلى مستوى التحديات والمخاطر الماثلة والشروع في توفير السياسات والآليات لمواجهتها للخروج من حالة البؤس والتفكك اللذين نعيشهما.

انعكاسات على سعر الصرف

الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سمير حمود


أما الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سمير حمود فقد اعتبر أن «أي فراغ في أي مؤسسة دستورية لها انعكاسات على سعر الصرف، بمعنى أن غياب رئيس الجمهورية لا يمكن أن نعتبر وجوده مثل عدم وجوده، وأيضاً رئيس الحكومة إن كان رئيسا لحكومة تصريف أعمال أو حكومة كاملة الأوصاف مثل بعضها، لكن بما أن لبنان اعتاد على الفراغ ولفترات غير قصيرة مثل سنة 2014 لغاية 2016 أي لغاية انتخاب رئيس جمهورية، وحصلت مراراً وتكراراً في حكومات تصريف الأعمال لفترات متفاوتة، لذلك فإن اعتياد البلد على مثل هذه الأمور يخفف من المخاطر على القطاع المصرفي، لكن الأهم في رأيي هو الاستحقاق الداهم الذي يمكن أن يحصل بعد سنة إذا لم يتم تعيين حاكم لمصرف لبنان في شهر أغسطس 2023 بعد انتها ولاية الحاكم رياض سلامة هذا الأمر مخاطرة جدية إذا لم يعد عندك حاكم جديد، لذلك خلال هذه السنة لا بد من أن يقوم البنك المركزي بإعادة ترتيب القطاع المصرفي وإعادة هيكليته قبل أن يصل هذا الاستحقاق، نحن قادمون سريعاً إلى الفراغ الرئاسي ونحن نرى أن تصريف الأعمال سيطول والقطاع المصرفي في أزمة والبنك المركزي لم يتم انتخاب رئيس جمهورية قد يرتاح لأن علاقته مع الرئيس لم تكن جيدة هذه هي وجهة نظري، أما لناحية تأثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي فالمفاوضات ستستمر مع المركزي والحكومة حتى وإن كان الاتفاق النهائي يبقى مرهونا بحكومة صحيحة لأن الصندوق يطلب أمرين:
الأول: قوانين؛ وهنا المجلس النيابي يبقى فاعلا لأي تشريعات جديدة.
الثاني: سياسة نقدية ونظام مصرفي وهنا يمكن حتى لحكومة تصريف الأعمال تأمينه.

المزيد من التدهور

الخبير في المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي


أما الخبير في المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي فبرأيه أنه حتى في ظل وجود سلطة تشريعية في المجلس النيابي وسلطة تنفيذية في رئاسة مجلس الوزراء ورئيس جمهورية كاملة متكاملة، فإن إنتاجية هذه الطبقة السياسية لا يعول عليها وأكبر دليل على ذلك خطة التعافي التي لم ينفذ منها أي بند وقانون الكابيتال كونترول الذي لم نتوصل إلى أي نتيجة فيه وحتى اليوم التعديلات التي أدخلت على قانون السرية المصرفية لا يعول عليها لأنها لا تستوفي شروط محاربة الفساد بل تعطي حصانة مبطنة في سياق محاسبة الفساد، وباعتقادي إننا لم نر حتى الآن آخر فصول هذه التعديلات.
أما عن تأثير عدم انتخاب رئيس جمهورية على القطاع المصرفي أو على الاقتصاد بشكل عام فيقول: أعتقد أن المشكلة الوحيدة التي يمكن أن تتفشى في الوقت الضائع بين انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون وانتخاب رئيس جديد هي أنها ستعطي مساحة للمحتكرين والمضاربين في سوق الصرف وربما أنتجت اضطرابات قد تكون مؤذية في سوق الصرف وتضع البلد والمواطن تحت رحمة من يملك الأوراق النقدية، من جهة ثانية يقال إنه تم تكليف مصرف لبنان بإدارة الاقتصاد وطالما أن الحاكم باق في منصبه فغياب رئيس الجمهورية أو حكومة تصريف أعمال لن يكون له تأثير كبير على أداء القطاع المصرفي، لأن هذا القطاع حاليا في وضع أشبه بالطيار الآلي وهو موجود فقط ليلبي طلبات الزبائن والسحوبات وفق التعاميم الأساسية مثل 151 و158 وتلبية طلبات الزبائن للدولار وفق التعميم الأساسي 161 الذي يسمح للمودع بأن يأخذ الدولار على سعر منصة صيرفة، أنا توقعاتي غياب رئيس الجمهورية أو فراغ في منصب رئيس الجمهورية في ظل حكومة تصريف أعمال لن يكون له تأثير كبير على القطاع المصرفي مع لفت النظر بأن الوضع المصرفي والاقتصادي سيستمر في التدهور، فقد صار هناك نوع من التأقلم مع المتغيرات والاضطرابات والتأثير السلبي الوحيد سيكون من الصعب جداً توقع ماذا سيحصل في سعر صرف الدولار خلال تلك الفترة. بعدما بات واضحا اختناق مصرف لبنان لجهة تأمين الدولارات لتمويل فاتورة استيراد الفيول والمستلزمات الطبية، ووضع ضوابط إضافية على حجم الاستفادة عبر منصة صيرفة لشراء الدولار، والعشوائية في تظهير ردات فعل تجمع المصرفيين المتمثل بجمعية مصارف لبنان التي تتحكم بمنهجية أدائها اليوم المصارف المتعثرة وليس المصارف القادرة على الاستمرار (ruled by the law of the average!). في إطلالته الأخيرة اعترف حاكم مصرف لبنان بأنه «حافظ على جميع المصارف التجارية العاملة في لبنان من أجل الحفاظ على أموال المودعين»، والسؤال الأهم هنا: بأي كلفة ومن يتحملها. بالإشارة إلى المناخ العام والاستقرار السياسي، لن يخيف الاقتصاد الذي يعتمد بنسبة تفوق الـ80 في المائة على الأوراق النقدية إضراب المصارف لأن البديل بات متوفرا ومطلوبا- مؤسسات الصيرفة، والحادثة الأمنية في إحدى فروع المصارف في بيروت ليست الأولى ولن تكون الأخيرة ولا تدخل في حسابات سعر صرف الليرة وتؤكد المؤكد وهو فشل السلطة السياسية بإدارة البلد. وفي المقلب الآخر، هناك مجموعة قوانين ملحة يقع إقرارها على عاتق المجلس النيابي المنتخب إضافة إلى استحقاق تشكيل الحكومة، والانتخابات الرئاسية التي تفرض نفسها على المجلس النيابي في سبتمبر (أيلول) القادم. كل تأخّر في الاستحقاقات الدستورية المقبلة بعد أن دخلت حكومة الرئيس ميقاتي في زمن تصريف الأعمال، يكبد الاقتصاد خسائر إضافية عن طريق الاضطرابات التي يحدثها في سوق الصرف.

font change