أهداف التصعيد الأميركي-الإيراني في سوريا

واشنطن وطهران أعلنتا المسؤولية عن القصف وسط تهدئة اقليمية

دوريتان عسكريتان اميركية وروسية في شمال شرقي سوريا في اكتوبر 2022. أ ف ب)

أهداف التصعيد الأميركي-الإيراني في سوريا

أصدر الرئيس جو بايدن تعليماته للرد "بشكل سريع" على استهداف قاعدتين أميركيتين في سوريا يوم الخميس من الأسبوع المنصرم، وأضاف في رسالة للكونغرس السبت، أنّ الولايات المتّحدة على استعداد لاتّخاذ مزيد من الإجراءات بحسب الضرورة، للتّصدي للتهديدات أو الهجمات، وأنّ قواته شنّت غارات دقيقة على منشآت في سوريا تستخدمها جماعات تابعة لـ "الحرس الثوري" الإيراني من ضمن "حق الولايات المتّحدة في الدفاع عن النفس".

وصفت وسائل إعلام إيرانية الهجمات على القواعد الأميركية في حقليّ "كونيكو" و"العمر" النفطيين في محافظتيّ دير الزور والحسكة بـ "الساخنة"، وأتى الرد الأميركي على مواقع في شمال شرقي سوريا تستعملها المجموعات المواليّة لإيران كمحاور رئيسة لنقل الأسلحة والمقاتلين، وهي غالباً ما يتمّ استهدافها بغارات تتبنّى القوات الأميركية عدداً منها، ويُنسب بعضها إلى إسرائيل.

قائد اركان الجيش الاميركي مارك ميلي في زيارة لشمال شرقي سوريا في 4 مارس 2023. (رويترز)

أعادت واشنطن إهتمامها بهذه المنطقة حيث زارها رئيس هيئة الأركان الأميركية الجنرال مارك ميلي في 4 مارس/آذار الجاري لتفقد القوات الأميركية، وهي الزيارة الأولى له منذ تسلمّه منصبه في عام 2019. وبالتزامن قام وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، بجولة بدأها في 5 مارس 2023 بزيارة إلى الأردن ثم مصر وإسرائيل، بهدف تعزيز التعاون والشراكة الأميركية مع الدول الثلاث وإبداء الدعم والمساندة في مواجهة التهديد الإيراني.

هذا الإهتمام الأميركي بشمال شرقي سوريا قابله تزايد في نشاط "داعش" إعتباراً من بداية العام، حيث شنّ التنظيم نحو 14 هجوماً خلال الأسبوعين الأوليْن من عام 2023، أدت إلى سقوط نحو 12 قتيلاً من "قوات سوريا الديمقراطية"، المدعومة من واشنطن، علاوة على إصابة أربعة جنود أميركيين في فبراير/شباط 2023. وبالمقابل كشف بيان للقيادة المركزية الأميركية، في 4 مارس 2023، أنّ التحالف الدولي وشركاءه الأكراد، نفذوا 48 عملية ضد التنظيم، بالإضافة الى كثافة مشهودة للضربات الإسرائيلية على مواقع تابعة للميليشيات الإيرانية.

قال قائد القيادة الوسطى الأميركية أمام لجنة القوات المسلّحة في مجلس النواب الخميس،ـ إنّ "القوات الإيرانية الضخمة والمزودة بموارد كبيرة تنشر عدم الإستقرار في جميع أنحاء المنطقة وتهدد شركائنا الإقليميين"

الجنرال مايكل كوريلا

يبدو التصعيد الأخير في شمال شرق سوريا هو الأخطر منذ العام 2019، مما يبعث على محاولة إلتقاط الرسائل التي يحملها في ضوء المستجدات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وأهمها الإتّفاق الذي اتّخذت فيه القوتان الإقليميتان المتقابلتان إيران والسعودية خطوات نحو التقارب وتهدئة التوترات في جميع أنحاء الشرق الأوسط الأوسع.

قال الجنرال مايكل كوريلا قائد القيادة الوسطى الأميركية أمام لجنة القوات المسلّحة في مجلس النواب الخميس،ـ إنّ "القوات الإيرانية الضخمة والمزودة بموارد كبيرة تنشر عدم الإستقرار في جميع أنحاء المنطقة وتهدد شركاءنا الإقليميين.... لقد أصبحت الطائرات دون طيار جزءاً من تهديد سريع التطور ينفذه وكلاء إيران في سوريا، حيث تقوم ميليشيات متخصصة بتشغيل أسلحة أكثر تطوراً لضرب أهداف أميركية هامة متجنبة الدفاعات الأميركية".

فتى يرفع علم ايران في شاحنة قرب دير الزور شمال شرقي سوريا في 20 سبتمبر 2017. (غيتي)

يبدو أنّ طهران تحاول الإستثمار في الإنشغال وربما الإرباك الأميركي، حيث تبدو الإدارة الأميركية منهمكة كلياً في الحرب الروسية على أوكرانيا، هذا بالإضافة الى إنشغالها بالصعود الصيني وما يرتّبه إنفتاح بكين على العديد من القوى الإقليمية والدولية، واحتمال الدخول في مواجهة معها. وبهذا المعنى فإنّ إيران ترى أنّ قدرات الولايات المتّحدة للتورط في المزيد من الصراعات تبدو محدودة. كذلك تريد طهران الفصل بين صراعها مع الولايات المتّحدة وصراعها مع الدول العربية، وبالتالي، فإنّ الإتّفاق مع السعودية لن يمنعها من الإستمرار في توجيه الرسائل للولايات المتّحدة عبر سوريا. كما تريد إيران القول أنها لا زالت تمتلك العديد من الأوراق التي يمكن استخدامها لقلب الموازين. ومن هنا تكتسب هجمات الميليشيات المدعومة من إيران أو مقاتلي "داعش" على القوات الأميركية أهمية محوريّة في أكثر الأوقات الأميركية حراجة.

على الصعيد الأميركي، فإنه لا يمكن فصل المواجهة الأخيرة في شمال شرقي سوريا عن السياق السياسي في المنطقة، وبالتالي ليس أمام الولايات المتّحدة من خيار سوى الإستمرار بالضربات الجويّة لاستعادة ثقة حلفائها

ومن قبيل المزيد من التوظيف في الإرباك الأميركي، تحاول إيران من خلال تكثيف الهجمات إعطاء المزيد من الأوراق للجمهوريين الذين سعوا خلال الأسابيع المنصرمة إلى محاصرة بايدن، ودفع الكونغرس لإنهاء التفويض باستخدام القوات الأميركية بالشرق الأوسط وسحبها من دول الخليج والعراق وسوريا. هذا بالإضافة الى محاولة إيران الدائمة العودة الى دائرة الإهتمام الاميركي علّ ذلك يؤدي الى إعادة الحياة لملفها النووي.

أما على الصعيد الأميركي، فإنه لا يمكن فصل المواجهة الأخيرة  في شمال شرقي سوريا عن السياق السياسي في المنطقة، وبالتالي ليس أمام الولايات المتّحدة من خيار سوى الإستمرار بالضربات الجويّة لاستعادة ثقة حلفائها الإقليميين وتبديد فكرة خروجها من المنطقة والتأكيد على دورها في مكافحة الإرهاب والتمسّك بحلفائها الأكراد ولا سيما قوات سوريا الديمقراطية.

قافلة عسكرية اميركية في ريف الحسكة شمال شرقي سوريا في 26 يناير الماضي. (أ ف ب)


من هنا يبدو التماهي بين الأهداف الإسرائيلية والأهداف الأميركية في تكثيف الهجمات في سوريا واستهداف الميليشيات الإيرانية لتحجيم نفوذ طهران أو جعل التحالف معها مكلفاً سواء على صعيد المكتسبات السياسية أو العسكرية. هذا بالإضافة أنّ الخارجية الأميركية التي رحّبت بالإتّفاق السعودي الإيراني وبأي إتفاق يؤدي الى استقرار المنطقة تثابر على إعلان تشكيكها بنوايا إيران في الإلتزام بعدم دعم ميليشياتها.

لا شك إنّ الضربات الإنتقامية الأميركية بالرغم من ضراوتها  فهي ليست مرجحة بما يكفي لردع سلوك إيران أو تصرفات وكلائها أو لجعلها تستشعر أنّ هذه الهجمات ستؤدي إلى عواقب لا يمكن تحمّلها. وهذا يجعل التساؤل حول مدى إستعداد الرئيس بايدن المضي بشكل أكثر إصراراً لتأكيد فعاليّة الردع الأميركي، واستعادة ثقة حلفائه في المنطقة رهاناً محفوفاً بالمخاطر.

font change