المسافةُ السياسية بين الصين وروسيا؟

المسافةُ السياسية بين الصين وروسيا؟

برغم وجود حدود مشتركة بين الصين وروسيا، تبعد بكين عن موسكو حوالي ستة آلاف كيلومتر. المسافة الجغرافية لا تدل على شيء في العلاقات بين الدول. ولكن المسافة السياسية بين الصين وروسيا ربما تكون أقرب إلى المسافة الجغرافية بين عاصمتيهما، منها إلى المسافة عند الحدود البرية والنهرية.

ليس سهلاً قياس المسافات السياسية بين الدول حين تُقّربها روابط وتُبعدها حواجز، وخاصةً حين يكون الجامع الأكبر موقفا ضد طرف ثالث. ولتيسير السعي إلى قياس المسافة السياسية في العلاقات الصينية-الروسية، يُحسن الانطلاق من مستوى جزئي "مايكرو" ينطوي على أهمية كبيرة في لحظة معينة إلى المستوى الكلي "الماكرو". وتُعد الحرب في أوكرانيا الأكثر أهمية الآن بالنسبة إلى روسيا. وهي مهمة أيضا بالنسبة إلى الصين. وربما تُعطينا محاولة تحديد ما يجمع الدولتين وما يُفرَّقهما بشأن هذه الحرب مؤشرات إلى طبيعة العلاقات بينهما على المستوى الكلي.

مبادرة صينية .. ومراوغة روسية

عندما وصل الرئيس شي جينبينغ إلى موسكو في 20 مارس/ آذار الماضي، كان قد مضى شهر إلا قليلاً على إطلاق بكين في 24 فبراير/ شباط مبادرتها السلمية بشأن الحرب في أوكرانيا تحت عنوان (موقف الصين من التسوية السياسية للأزمة الأوكرانية). وعلى مدى تلك الفترة، لم تكن روسيا قد أفصحت عن موقف واضح مُحدَّد تجاه هذه المبادرة التي استقبلتها بمزيج من الترحيب الشكلي والحذر الفعلي.

فقد لجأت إلى خطاب ملتبس، وربما مراوغ بشكل ما، ولكن مفاده في المحصلة أنها تتحفظ على بعض بنود المبادرة، قبل أن يهتدي الرئيس بوتين في محادثاته مع الرئيس شي جينبينغ إلى تحميل الغرب المسؤولية، ويقول ما معناه إنه سيكون مستعدا للبحث في حل سياسي عندما يكونون (في الغرب) جاهزين.

وربما يكون البند الأول في هذه المبادرة أكثر ما تتحفظ عليه، أو حتى ترفضه، لأنه ينص على احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، الأمر الذي قد يعني العودة إلى حدود 1991 المعترف بها دوليًا وروسيا، وليس فقط إلى حدود 2014 بعد ضم شبه جزيرة القرم.

صحيح أن أصحاب المبادرة لم يربطوا دعوتهم إلى وقت إطلاق النار والعودة إلى المفاوضات بانسحاب روسيا من المناطق التي تحتلها. ولكن مبدأ احترام حدود الدول وسلامة أراضيها، الذي يتصدر المبادرة، يفيد هذا المعنى وإن لا يُشترط في المبادرة تحققه قبل بدء المفاوضات.

وتحقيقًا للتوازن، تنص المبادرة على عدم إمكان ضمان أمن دولة على حساب دول أخرى، ولا ضمان الأمن الإقليمي من خلال تعزيز الأحلاف العسكرية وتوسيعها، في إشارة واضحة إلى تمدد حلف "الناتو" نحو حدود روسيا. كما تنص، في الاتجاه نفسه، على وقف العقوبات الأحادية ضد روسيا.

ولكن هذا التوازن لا يُرضي روسيا، التي تعاملت مع المبادرة بطريقة "نعم، ولكن". ولهذ لم تسفر زيارة جين بينغ عن جديد, وخاصةً أن رفض الولايات المتحدة المبادرة، وتجاهل التوازن الذي تقوم عليه، يُسهم في تمكين روسيا من تجميدها بطريقة لا تؤدي إلى خلاف مع أصحابها.

ولعل هذا يفسر تفهم الصين المراوغة الروسية بشأن المبادرة، وإبقاء الباب مفتوحًا على أساس أن الظروف تتغير، وأن ما لا يُخصِب اليوم قد يُثمِر غدًا. فمثلما تحرص روسيا على تجنب الخلاف مع الصين على مبادرتها، تهتم بكين في الوقت نفسه بتفادي ما يُعكَّر العلاقات مع موسكو عند مستواها الراهن الذي يحتاج إلى تحديد دقيق بقدر الإمكان.

الشراكة بين التجارة والسياسة

وقَّع الرئيسان الصيني والروسي في محادثاتهما الأخيرة إعلانًا حول تعميق الشراكة الاستراتيجية. وكان الرئيس الصيني قد وصف العلاقة مع روسيا، لدى وصوله إليها، بأنها بين شريكين موثوقين.

وكلمة الشراكة هي الأكثر استخدامًا في تحديد كل من الدولتين طبيعة العلاقات بينهما، سواء بمفردها أو موصوفة بأنها استراتيجية. والشراكة في الأصل مفهوم تجاري اقتصادي ظهر للمرة الأولى في آخر ثمانينات القرن الماضي ضمن تقرير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "يونكتاد". واستُخدم في البداية للتعبير عن مستوى مرتفع من العلاقات التجارية والاقتصادية، سواء بين شركات ومؤسسات، أو بين حكومات، ولوصف نوع معين من التعاملات في إطار اتفاقات تُعتمد أو خطط للتعاون يُتفق عليها.

غير أن مفهوم الشراكة توسع تدريجيًا، ولم يعد محصورًا في العلاقات التجارية والاقتصادية، وإن لم يقترن هذا التوسع بتحديد ما يعنيه. وتُتيح السيولة التي يتسم بها استخدامه لوصف العلاقات بين كيانات متنوعة في مجالات مختلفة، من دون أن يضطر طرفاها أو أطرافها إلى تحديد المقصود به، وما يدخل فيه ويخرج عنه.

أحبط التزام الصين بمبدأ رفض الأحلاف سعي روسيا إلى التحالف معها، فكان ضروريا إيجاد صيغة أخرى لعلاقات تزداد قوتها، ولا تخلو في الوقت نفسه من نقاط ضعف تضع سقفًا لما يمكن أن تبلغه. فلا ترغب الصين في الوصول بهذه العلاقات إلى مستوى يُهدَّد روابطها التجارية والاقتصادية الهائلة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ولهذا لم تستجب، أقله حتى الآن

وربما هذا ما جعله مناسبًا للحالة الصينية-الروسية، عندما أخذت الدولتان في تطوير العلاقات بينهما، وتجاوز إرث الخلاف-الصراع في المرحلة السوفيتية سواء على منطقة حدودية أدى النزاع عليها إلى صدام عسكري محدود عام 1969، أو على مرجعية تفسير الماركسية (الماوية ضد اللينينية). فلم تعد هذه العلاقات عادية، ولكنها لم تصل إلى مستوى التحالف الذي ترفضه الصين ليس مع روسيا فقط، بل مع أية دولة انطلاقًا من إيمانها بأن إقامة أحلاف يحولُ دون تحقيق السلام العالمي.


وقد أحبط التزام الصين بمبدأ رفض الأحلاف سعي روسيا إلى التحالف معها، فكان ضروريا إيجاد صيغة أخرى لعلاقات تزداد قوتها، ولا تخلو في الوقت نفسه من نقاط ضعف تضع سقفًا لما يمكن أن تبلغه. فلا ترغب الصين في الوصول بهذه العلاقات إلى مستوى يُهدَّد روابطها التجارية والاقتصادية الهائلة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ولهذا لم تستجب، أقله حتى الآن، إلى إلحاح روسيا على تقديم دعم عسكري لها في حرب أوكرانيا. كما أن للصين مصلحةً في أن تبقى روسيا معتمدة عليها، ولكنها تحذر من أن تصبح بدورها في حاجة إلى موسكو. وخير مثال، هنا، تردد الصين في توقيع اتفاق مشروع خط أنابيب غاز ثانٍ "قوة سيبيريا 2" يربطها بروسيا.

وتتوافر دلائل كافية على أن الصين حذرة من الاعتماد المفرط على روسيا في الوقود. ولهذا انتهت زيارة الرئيس الصيني إلى موسكو بدون إبرام هذا الاتفاق الجاهز، اكتفاءً بإشارة إلى أن (الطرفين سيعملان لتعزيز الأبحاث والمشاورات) بشأنه.
وهكذا يختلف مفهوم كل من الدولتين للشراكة التي تتفقان على أنها أساس العلاقات بينهما. تريد روسيا دعمًا صينيًا يقوَّيها بشكل عام، وليس في حربها الراهنة فقط، فيما ترغب بكين في أن تبقى موسكو في حاجة إليها، وليس العكس.
وأهم ما يجمعهما موقف ضد السياسات الأميركية، والغربية عمومًا، في إطار تطلعهما إلى تشكيل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، ووقف تمدد واشنطن وحلفائها سواء في شرق أوروبا بالنسبة إلى روسيا، أو في شرق آسيا والمحيط الهادي بالنسبة إلى الصين.


 

font change