روسيا "تغسل" قمح أوكرانيا في سوريا

روسيا "تغسل" قمح أوكرانيا في سوريا

أدى تورّط روسيا في تهريب القمح من المناطق التي سيطرت عليها في أوكرانيا إلى فرض عقوبات أميركية ضدّ المسؤولين عن هذه التجارة غير المشروعة. وبينما أفلحت هذه التدابير المستهدفِة في ثني بعض الدول عن شراء القمح الأوكراني، الذي يُعتبر مسروقا، غدت سوريا إحدى وجهاته الأساسية.

السبب في ذلك أن العقوبات المفروضة بالفعل على روسيا وسوريا حدّدت بشكل كبير شركاء البلدين التجاريين، فهما يشعران بقلق عظيم إزاء أي عواقب إضافية قد يواجهانها نتيجة لتعاونهما في هذا المجال. وازدهرت المعاملات التجارية بين البلدين لقبول سوريا دفع مبالغ زائدة لموسكو مقابل القمح الذي تشتريه، فضلا عن استعداد دمشق استخدام السفن التي تملكها الدولة لنقل القمح الأوكراني.

وقبل اندلاع الصراع السوري سنة 2011، كانت سوريا تُنتج نحو 3.5 مليون طن من القمح سنويا، أي ما يسدّ الطلب المحلي. بيد أن الضرر الفادح الذي لحق بالبنية التحتية للزراعة وتفاقم الأزمة الاقتصادية والفساد وانخفاض ربحية الأنشطة الزراعية وسوء الأحوال الجوية أدت جميعها إلى انخفاض إنتاج القمح في سوريا إلى النصف تقريبا، ما حمل الحكومة السورية على الاعتماد الكبير على واردات القمح القادمة من روسيا، والتي تتراوح كميتها حاليا بين 1.2 و1.5 مليون طن سنويا.

إضافة إلى استيلاء روسيا على القمح الأوكراني، فإنها تبيعه للحكومة السورية بسعر أعلى من سعر السوق العالمية، وهو الأمر الذي يفسر أهمية دمشق المتزايدة كعميل تجاري بالنسبة للروس

غير أن عمليات بيع ونقل القمح الذي يمر من روسيا أو عبرها إلى سوريا لا تجري دوما على نحو قانوني. إذ أدى احتلال موسكو لأجزاء من أوكرانيا، في الحرب الراهنة، إلى زيادة هائلة في الكم الإجمالي للحبوب التي تُشحن. فلقد صدّرت شبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا عام 2014 ، وحدها أكثر من مليون طن من القمح إلى سوريا بين سنتي 2019 و2022.
وأدى استخدام السفن التي تملكها كل من سوريا وروسيا لنقل الحبوب، التي جرى الاستيلاء عليها بشكل غير قانوني، إلى تسهيل كبير في عمليات التهريب. 
والجدير بالذكر أن السفن السورية المستخدمة في نقل القمح بين هذه الدول تخضع لعقوبات الولايات المتحدة منذ سنة 2015 بسبب الدور الذي تلعبه في دعم النظام السوري أثناء الصراع. 
ولكن تصنيف العقوبات لتلك السفن زاد على ما يبدو من تعاونها مع الكيانات الروسية الأخرى الخاضعة للعقوبات بدلا من أن يقلل من أنشطتها غير المشروعة. ويبدو أن العقوبات المفروضة على الكيانات الروسية ورجال الأعمال الأثرياء كان لها أيضا تأثير مماثل، الأمر الذي قد يساعد في تفسير ارتفاع مستوى تجارة القمح مع سوريا.

شروط قبول القرض الروسي 


إضافة إلى استيلاء روسيا على قمح أوكراني، فإنها تبيعه للحكومة السورية بسعر أعلى من سعر السوق العالمية، وهو الأمر الذي يفسر أهمية دمشق المتزايدة كعميل تجاري بالنسبة للروس. 


وتُعد موسكو حاليا إحدى الدول التي تُقدّم قروضا للحكومة السورية، لكنها تقوم بذلك على نحو يخدم جدول أعمال الكرملين. فوفقا لبعض الوثائق المسربة، اشترطت موسكو- مقابل تقديمها القروض- أن تُستخدم هذه الأموال المُقترضة لدفع مبالغ لشركات روسية معينة. 


ونظرا لأن الصراع في سوريا أدى إلى انخفاض في تدفقات الإيرادات والعملات الأجنبية، لم يبقَ لدى النظام السوري الكثير من الخيارات سوى القبول بشروط التمويل غير المواتية لتمويل استيراد سلع أساسية كالقمح.

 
ووفق المعلومات المتوفرة، أصدرت الحكومة السورية تعليماتها لمسؤوليها بترسية مناقصات القمح على شركات روسية، بغض النظر عن مدى عدم تنافسية تلك العروض. على سبيل المثال، أشار رئيس الوزراء السوري حسين عرنوس سنة 2021 إلى أن حكومته استوردت 1.5 مليون طن من القمح الروسي مقابل نحو 319 دولارا للطن الواحد، في حين لم يتجاوز السعر العالمي لطن القمح 235 دولارا.
 

يعاني 12.1 مليون سوري حالياً من انعدام الأمن الغذائي بزيادة 51 في المائة عن 2019، بحسب إحصاءات برنامج الغذاء العالمي. ويشكل هذا الرقم أكثر من نصف عدد السكان

وعلى الرغم من واردات القمح الضخمة، فلا يزال النظام السوري يعاني من نقص حاد في القمح بسبب الفساد والمحسوبية المتجذرة في تجارة القمح. ففي حين تعثر نخب النظام على سُبل للربح، فإن 12.1 مليون سوري يعانون حالياً من انعدام الأمن الغذائي بزيادة 51 في المائة عن 2019، بحسب إحصاءات برنامج الأغذية العالمي. ويشكل هذا الرقم أكثر من نصف عدد السكان.


إضافة إلى ذلك، تُغذي تجارة القمح غير المشروعة هذه الحروب في كل من سوريا وأوكرانيا. وتُقدّر قيمة الحبوب المسروقة حتى الآن بـ530 مليون دولار– وهي أموال استُخدمت لدعم آلات الحرب في كلا البلدين.

ومن غير المرجح أن يتغير هذا الواقع. فمن المتوقع أن يظل إنتاج سوريا من القمح في العام الجاري، أقل بنحو 75 في المئة من مستويات ما قبل عام 2011 بسبب النقص الذي حصل في نسبة هطول الأمطار وارتفاع كلفة المدخلات الزراعية، كالأسمدة والبذور والوقود، الأمر الذي يعني أن تبلغ احتياجات استيراد الحبوب لهذه السنة كما هو متوقّع 2.7 مليون طن. ويضمن هذا الاعتماد على واردات القمح– والأموال التي يجري تحويلها لتأجيج الصراع في سوريا– بقاء سوريا سوقا محتملة للحبوب المسروقة.

ولن تستطيع التدخلات التدريجية كالعقوبات المحدودة وغير المنسّقة تغيير هذا السيناريو المحتمل، نظرا لتركيزها على معالجة أعراض المشكلة عوضا عن معالجتها بالكامل. لذلك يجب على واضعي السياسات الدوليين التفكير في الدور الذي تلعبه العقوبات في تشجيع التعاون فعليا بين دول مثل روسيا وسوريا- وجعل هذا التعاون أكثر صعوبة وتكلفة.

font change