تاريخ العالم وفقا لصور "غيتي"

تحرير الصورة من الاحتكار ما بين الماضي والحاضر

تاريخ العالم وفقا لصور "غيتي"

يسعى المخرج النروجي ريتشارد ميسيك، إلى تحرير الصورة من الملكية والاحتكار، خلال القرن العشرين، من خلال فيلمه التوثيقي "تاريخ العالم وفقا لصور غيتي" المشتمل على صور ملتقطة من القرن العشرين، تحفظ ذاكرة البشرية خلال مئة عام من الحروب والمجاعات والمطاردة البشرية، من أجل التمدد والسيطرة على الآخرين، بالإضافة إلى صور شهدت مراحل مختلفة للثورة العلمية، وربط العالم بالتكنولوجيا، وتعود ملكيتها إلى شركة "غيتي" الأميركية.

كل صورة في الفيلم تحمل قصة، وتكشف عن جغرافيا مختلفة، ونبض مغاير من المشاعر. فتكون البداية مع مشهد طولي يمضي مع حركة الناس في سان فرنسيسكو، يجسد الحياة العارمة، قبل حدوث الزلزال المدمر، عام 1906. وهنالك خاصية للصورة في هذا الإطار، فهي تحمل روح إيقاع ذلك الوقت، ومن خلال الأبيض والأسود، تشعر أن بطء الحياة عاد من جديد، حتى الحدث الذي ترصد الصورة حركته، يعود ويمرر ذلك الماضي، ويكشف عن طبيعة الناس في ذلك الزمن.

كل صورة في الفيلم تحمل قصة، وتكشف عن جغرافيا مختلفة، ونبض مغاير من المشاعر، وتحمل روح إيقاع ذلك الوقت، ومن خلال الأبيض والأسود، تشعر أن بطء الحياة عاد من جديد


أن ترى الصورة، ويُحظر عليك لمسها

السؤال الذي يمتد إلى المشهد، حال تأمله، كم دامت هذه الصيغة من حركة الناس، ماذا كان يحدث قبلها، وماذا حدث بعدها، وما الاختلاف بين حياة أولئك، وحياتنا التي انتقلت إلى حقبة التكنولوجيا؟ من المؤكد أن معايير الحياة اختلفت، لكن بؤس الإنسان لم يتوقف معالحروب والظلم والتعدي ممن يمتلكون السلطة. الحديث عن حريات العصر الحديث، والشعارات المغناة، التي تتباهى بها الحضارة البشرية، إن وُجِدت، لا يحقّق الحد المطلوب للإنسان من الحرية والأمان، والمساحة الكافية للتعبير عن الرأي. فواقع الإنسان مع الحرية، يشبه أن ترى الصورة، لكن يحظر عليك لمسها.

لربما لم يرد المخرج من هذا الفيلم أن يفضح كل هذا علنا من خلال تعليقات الراوي، وإنما ألمح إلى أن هذه الصور التي التقطت بفعل يد مجهولة الهوية، أصبحت مملوكة لشركة "غيتي"، التي تحمل حقوق الملكية الحصرية، وهي المتحكم الوحيد بنشرها في العالم.

يوضح المخرج أن الحصول على هذه الصور، يكلف 41.000 دولار أميركي، لفيلم قصير مدته 18 دقيقة، فيما تمتد التكلفة لتصل 160.000 دولار، لإنتاج فليم روائي طويل.

يكمن السؤال في مدى خطورة احتكار هذه الذاكرة الإجمالية للعالم، فالصور ترصد تطور الحياة الإنسانية خلال القرن العشرين، وتحمي العين البشرية من غبش رؤية الماضي القريب. سؤال آخر، كيف اعتبرت شركة "غيتي" أن للصور الملتقطة في عام 1906، ملكية خاصة، ولم تكن قد وضعت آنذاك قوانين حقوق الملكية للمنتج في العالم؟

 

تحرير ذاكرة البشر

يريد المخرج من خلال إتاحة هذا الفيلم مجانا على شبكة الإنترنت، أن يحرر هذه الصور من القفص المظلم، مثلما يحرر عصافير بألوان مختلفة، ويطلقها في الفضاء، إذ لكل صورة من تلك الواردة في الفيلم، قصة خاصة، ومشاعر عظيمة، ترتبط بحدث ما، بكارثة أو بثورة، أو بفرحة. فكل حادثة رصدتها الكاميرات البدائية، تجسد تاريخا لشعب أو جماعة ما، أو للإنسان برمّته في العالم القديم.

أما اختلاف أماكن التصوير، فيحمل أشكالا مختلفة من إرث الشعوب، بألوانهم وصفاتهم وملامحهم المتمايزة. فالكادر المتحرك يعيد الذهن الحديث إلى أصول الأشياء المتداولة اليوم، كأنها شيء اعتيادي، فتظهر في المشاهد السيارات القديمة جدا، والكاميرات البدائية، وكذلك تعرض الصور طريقة حركة الناس البطيئة في الزمن القديم، ولربما كانت دهشتهم بالأشياء أكثر مما يحدث اليوم، فنجد مجموعة من الناس يقفون، بهيئة طفل يكتشف لعبة جديدة، وهم ينظرون إلى آلة الكاميرا، وهي تلتقط لهم الصورة.

تلك المشاهد التي تحمل علامة مائية في منتصفها بشعار "غيتي"، تؤكد من خلالها الشركة احتكار ذاكرة البشرية، وتحويل ذلك الإرث، إلى سلعة، تُشترى وتباع، وتحرم معظم سكان الأرض من معرفة ماضيهم القريب، ورؤيته كما يجب، من خلال الصورة.

إن هذا الاحتكار، يحمل دلالة على الطريقة التي يتجسد من خلالها العالم في القرن الماضي، وهو ما ترتب عليه السلوك البشري الرأسمالي في عالمنا الحديث.

 تلك المشاهد التي تحمل علامة مائية في منتصفها بشعار "غيتي"، تؤكد من خلالها الشركة احتكار ذاكرة البشرية، وتحويل ذلك الإرث إلى سلعة، تُشترى وتباع، وتحرم معظم سكان الأرض من معرفة ماضيهم القريب


استغلال الإنسان وتسليعه

فكما اختُزلت ملكية صور الماضي الإنساني في شركات، مثل "غيتي"، تتحكم بثمن معرفة الإنسان لماضيه، أيضا اختزلت أحقية الإنسان في عيش الحياة في العصر الراهن، من خلال تعزيز الرأسمالية، وتحويل دقائق المرء الحديث، إلى زمن مستغل للإعلانات التجارية الموجهة، التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي الحديثة.

تمضي مشاهد الفيلم منذ البداية صامتة، ثم في ما بعد، تجيء مصحوبة بخلفية موسيقية إيقاعية، تحمل من السرعة ما يكفي ليقول للإنسان: لقد مر سريعا ذلك القرن، بأحداثه، واكتشافاته، وكوارثه وحروبه، وهوية إنسانية، بالطبع حملت اختلافا كبيرا عما هي اليوم.

تلك اللقطات المتسارعة، تكشف عن انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان، فتنقل تعرضه للقمع والضرب والسحل على أيدي السلطات المختلفة، خلال تظاهرات، تطالب إما بتحرير الإنسان، أو بالمساواة، أو بمنع الهجرة القسرية من مكان إلى آخر.

كما حملت تلك المشاهد التمييز الكبير الذي حمله ذلك القرن بين الألوان، فكان العرق هو ميزان تقييم الإنسان حينها، إذ نجد صورة لطفل أفريقي أسود البشرة، وقد تناقص حجمه بفعل المجاعة في بلاده، إلى ما يشبه غصن شجرة محترق، لكن هل اختفت مثل هذه الصورة في القرن الحادي والعشرين! لربما ازدادت المجاعات حدة، عمّا قبل.

في المشاهد هنالك صورة بشعة توضح استغلال المرأة اقتصاديا، واعتبارها سلعة لعرض الملابس العارية، فنجد مشاهد لفتيات يستعرضن الملابس، ويخضنَ مسابقات ملكات الجمال، التي تقيمها الشركات من أجل دعم منتجاتها، وترويجها في الأسواق.

في الصور تظهر المرأة خاضعة لسلطة الرجل، ويبدو الرجل هو من يمتلك الصوت والقوة والطريقة، لإدارة الحياة، ولو نظرنا إلى العالم بعد مئة عام من تاريخ تلك الصور، هل تغيرت الحال؟

زعماء

جاء ظهور القادة السياسيين المشاهير خلال الصور، مثل هتلر، ونيلسون مانديلا، وغيفارا، وغيرهم، بالإضافة إلى ظهور الجيوش والنزاعات الدولية والأهلية، ليضع رمزا صريحا، يلخص طريقة الماضي في تشكيل ذاته، فكانت الحياة تدار بالخطابات العاطفية، التي لم تعد تصلح، إلا ما ندر، في عالمنا الحديث.

الصور تنقل خطوات الزعيم الألماني هتلر وهو يصل إلى العاصمة الفرنسية باريس، بين جنوده، وينظر متأملا برج إيفل، وقد حملت هذه اللقطة إحدى صور الحرب التي سادت في ذلك الزمن.

في حين نجد مشهدا مناقضا تماما، حيث يقف المناضل الجنوب أفريقي، نيلسون منديلا رافعا بيده أيقونة الحرية والتحدي للظلم الإنساني والتمييز، والديكتاتورية، ويعيد شد خيط الفكرة الإنسانية الحرة، محققا بذلك، صورة مشرقة في ألبوم كبير سادته العتمة والاحتراق.

إن القيمة التي يحملها عصر التكنولوجيا، لربما تجعل من تكرار مثل هذه الاحتكارية أمرا صعبا في المستقبل. لقد أصبح هذا العصر، عصر الصورة، فلم يعد حدث في العالم القريب أو البعيد، يمر دون أن يلتقط له أحدهم صورة، ويضعها على الحيز العام


فارس عودة والجدار

 الأرشيف الذي يحتويه الفيلم، يظهر طفلا يافعا، يواجه دبابة حربية، بجسده الأعزل، كما اعتاد أن يلهو بلعبته، لكن الدبّابة لا تلعب، في أي وقت، ففي القرن الحادي والعشرين تكرر المشهد نفسه، وكان الشهيد الفلسطيني فارس عودة، بطلَ صورة أخرى، إذ ظهر بيد صغيرة ترجم الدبابة الإسرائيلية، بحجر لا يكاد يرى، وبعد لحظات من تلك الحادثة، قضى برصاص الجيش الإسرائيلي.

في الفيلم مقطع يظهر مجموعة من جنود الجيش الألماني وهم يزيلون قطعة من جدار برلين، وهو طغيان خضعت له البشرية في القرن الماضي، في حين أن جدار الفصل العنصري، الذي تقيمه إسرائيل في الضفة الغربية والقدس، الفلسطينيتين، لا أحد يجرؤ على هدمه، مثلما فعل الإنسان الحر في الماضي.

الصورة والعالم الحديث

مشاهد حملها قاربُ الحياة في القرن الماضي، منها ما تلاشى، ومنها ما بقي وترسخ، وفي حين تحولت تلك الصور إلى سلعة، يجب دفع ثمنها، للوصول إلى الماضي، فإن الاستسهال في طرح الصورة في العالم الحداثي، أصبح من آفات العالم، وبدلا من أن تصنع التكنولوجيا المزيد من الحرية للعالم، تحولت في أوقات عدة، إلى أداة قيد للإنسان، من خلال استسهال الصورة، ووجود الكاميرات في الهواتف الشخصية النقالة، فلم يعد أي حدث في حماية، من النقل السريع، إلى الشبكة العنكبوتية، ولربما يتحول الحدث الخاص إلى مشاع في لحظات قليلة.

إن القيمة التي يحملها عصر التكنولوجيا، لربما تجعل من تكرار مثل هذه الاحتكارية أمرا صعبا في المستقبل، لقد أصبح هذا العصر، عصر الصورة، فلم يعد حدث في العالم القريب أو البعيد، يمر دون أن يلتقط له أحدهم صورة، ويضعها على الحيز العام، وفي حوزة الجميع.

font change

مقالات ذات صلة